الثلاثاء 10 أغسطس 2021 09:10 ص

على الرغم من أن وزارة الخارجية الأمريكية أعربت عن قلقها بشأن انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها الحكومة المصرية، إلا إن منظمات حقوق الإنسان والمراقبين يخشون ألا تتخذ إدارة "بايدن" خطوات إضافية لوقف مثل هذه الانتهاكات.

فقد أعربت الولايات المتحدة في منتصف يوليو/تموز عن قلقها إزاء الاحتجاز المستمر لقادة المجتمع المدني المصري والأكاديميين والصحفيين، حيث قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية "نيد برايس": استهداف المدافعين عن حقوق الإنسان والمنظمات غير الحكومية، مثل حسام بهجت، المدير العام للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، يقوض حقوق جميع المصريين في حرية التعبير وتكوين الجمعيات، ويهدد استقرار وازدهار مصر".

وأضاف أن واشنطن تثير قضايا حقوق الإنسان في مناقشات مع كبار المسؤولين المصريين "باستمرار وبوضوح جدًا".

الانتهاكات مستمرة

وتفاقمت المخاوف الأمريكية بعد إصدار التقرير السنوي لحقوق الإنسان لوزارة الخارجية في مارس/آذار، حيث أشار التقرير لانتهاكات نظام "عبدالفتاح السيسي" الجسيمة لحقوق الإنسان، بما في ذلك القتل والتعذيب والاختفاء القسري للمعارضين.

ومع ذلك، تعرضت الإدارة الأمريكية للانتقادات في بداية العام بسبب موافقتها على المساعدات العسكرية الجديدة لمصر، رغم كثرة التقارير المتعلقة بالفساد والانتهاكات.

وفي الآونة الأخيرة، في 30 يوليو/تموز، ذكرت "الجزيرة" أن محكمة مصرية حكمت على 24 آخرين من أعضاء جماعة "الإخوان المسلمون" بالإعدام، 8 منهم غيابيا.

وفي 28 يونيو/حزيران، أبلغت منظمة "هيومن رايتس ووتش" وموقع "ميدل ايست آي" عن 12 عقوبة بالإعدام تشمل قادة رفيعي المستوى من "الإخوان المسلمون" والذين أُدينوا في محاكمة جماعية على اعتصام "رابعة" لعام 2013.

ووفقا لمنظمة العفو الدولية فإن "عهد الرئيس عبدالفتاح السيسي شهد إعدامات في مصر بمعدل غير مسبوق، مما يجعلها ثالث أسوأ دولة في العالم من حيث أعداد الإعدامات في عام 2020".

وتنفذ عقوبة الإعدام في مصر شنقا، ولا أحد يعرف على وجه التحديد عدد الأشخاص الذين تم إعدامهم حتى الآن في عام 2021 بعد أن تضاعف عدد عمليات الإعدام 3 مرات في عام 2020 عن عام 2019.

ولطالما تعرض سجل مصر المناهض للديمقراطية للإدانة بسبب عقود من انتهاكات حقوق الإنسان، ونقص الشفافية، وإفلات المسؤولين من العقاب.

وفي العام الماضي، عقدت مصر انتخابات تشريعية أحاطت بها ادعاءات المخالفات والفساد الصارخ الذي أدى إلى انتصارات ساحقة للمرشحين المؤيدين للحكومة.

كما كانت هناك انتخابات هزلية أخرى سبقت هذه الانتخابات التشريعية في عام 2018، حيث حصل الرئيس "عبدالفتاح السيسي" على 97% من الأصوات.

وكان المنافس الوحيد على منصب الرئيس خلال تلك الانتخابات مؤيدا متحمسا لـ"السيسي"، في حين أن تعرض المرشحون الآخرون إما للضرب، أو القبض عليهم، أو قرروا سحب ترشيحهم قبل الانتخابات.

بداية العلاقات الأمريكية المصرية

 تأسست العلاقات بين الولايات المتحدة ومصر في عام 1922 بعد إعلان استقلال مصر عن الانتداب البريطاني، وشهد البلدان دفعة كبيرة في علاقاتهما بعد توقيع معاهدات السلام المعروفة باتفاقيات "كامب ديفيد" في عام 1978، بواسطة الرئيس المصري السابق "أنور السادات" ورئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك "مناحيم بيجن"، مما أدى إلى زيادة كبيرة العلاقات العسكرية والتجارية بين الولايات المتحدة ومصر.

ومنذ ذلك الحين، زودت الولايات المتحدة مصر بإجمالي بلغ حتى الآن 50 مليار دولار أمريكي على هيئة مساعدات عسكرية و30 مليار دولار أمريكي على هيئة مساعدات اقتصادية.

وخلال نفس الفترة، كافأت الولايات المتحدة مصر بمعاملة تفضيلية بسبب توقيع اتفاقيات "كامب ديفيد"، مثل الإعفاءات لـ"الواردات من مصر إذا كانت القيمة تشمل محتوى إسرائيلي بنسبة 10.5%".

رياح التغيير مع إدارة "أوباما"

لم تدعم الولايات المتحدة التغييرات الديمقراطية في مصر أو في الشرق الأوسط بشكل عام، وخلال قمة مجموعة السبع، التي عقدت في بياريتز في فرنسا في عام 2019، ذكرت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن مندوبي الوفد المصري والأمريكي سمعوا بوضوح الرئيس الأمريكي السابق "دونالد ترامب" وهو يسأل "أين ديكتاتوري المفضل ؟" في إشارة إلى "السيسي".

لكن "ترامب" ليس استثناء، حيث إنه لطالما أيدت السياسة الخارجية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط المستبدين، على الرغم من أن بعض التغييرات ظهرت خلال رئاسة "باراك أوباما" بين 2009-2017.

وفي الفصل 25 من كتاب "الأرض الموعودة" لـ"أوباما"، كتب بتعمق عن الانتفاضات الشعبية في مصر والشرق الأوسط، وكشف أن إدارته قد ناقشت في كثير من الأحيان التحديات طويلة الأجل التي تواجه المنطقة، وأعرب عن قلقه بشأن "الطبيعة الاستبدادية والقمعية لكل حكومة عربية تقريبا".

كما أوضح "أوباما" أن مسؤولي مجلس الأمن القومي قدموا له مخطط توجيه دراسة رئاسي "ذكر أن المصالح الأمريكية في استقرار الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تأثرت سلبيًا بالدعم الأمريكي غير المشروط للأنظمة الاستبدادية".

وأشار "أوباما" إلى أن إدارته حاولت تجنب "الحصر فجأة بين حليف قمعي ولكن موثوق به وبين شعب مصرّ على التغيير ويعبر عن الطموحات الديمقراطية التي ندّعي أننا ندعمها".

وفي جزء لاحق من الكتاب، وصف الرئيس الأمريكي السابق المواقف المتضاربة داخل إدارته تجاه المظاهرات المناهضة للحكومات التي تحدث في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في ذلك الوقت، وفي مصر على وجه الخصوص.

وفي عام 2009، خلال زيارة إلى العاصمة المصرية، أعجب "أوباما" برد فعل الجمهور عندما كان يعطي خطابًا في جامعة القاهرة.

فقد بدا الحاضرون ملتزمين بالسلمية والشجاعة والقيم الديمقراطية، وعلاوة على ذلك، لم يخف استياءه من نظام "مبارك" الذي كان في السلطة آنذاك.

حتى أن "أوباما" أخبر أحد مساعديه على ما يبدو، بعد مشاهدة لقطات من مظاهرات مصر على شاشة التلفزيون: "لو كنت مصريًا في العشرينات من عمري فربما كنت لأكون معهم هناك".

ومع ذلك، اعترف "باراك أوباما" أن الانطباعات الرسمية في واشنطن كانت مختلطة، حيث كتب: "أعضاء فريقي الأكبر سنًا والأرفع -جو، هيلاري، جيتس، وبانيتا- نصحوا بالحذر، في ضوء معرفتهم جميعًا بمبارك وعملهم معه. وأكدوا الدور الذي لعبته حكومته منذ فترة طويلة في الحفاظ على السلام مع إسرائيل ومكافحة الإرهاب والشراكة مع الولايات المتحدة في مجموعة من القضايا الإقليمية الأخرى ".

أما الرأي السائد بين العديد من المسؤولين في مجلس الأمن القومي، فقد رأى أنه بدلا من الاعتماد على الأنظمة الاستبدادية الفاسدة الموشكة على الانهيار أي لحظة، فسيكون من الحكمة للإدارة الأمريكية أن تربط نفسها بالحركات الديمقراطية التي تجتاح المنطقة.

ولكن على الرغم من الخطاب الذي أعرب عنه "أوباما" في كتابه، فإن الإدارة الأمريكية انحازت في نهاية المطاف إلى الجنرال "السيسي"، الذي أعاد مصر إلى نظام الحكم القمعي القديم الذي ساد منذ عقود.

وتجدر الإشارة أيضا إلى أن كتاب "أوباما" أكد أن "جو بايدن" نائب الرئيس الأمريكي آنذاك، كان من بين كبار المسؤولين الذين لم يفضلوا أي تغيير في العلاقات بين الولايات المتحدة والأنظمة القمعية في المنطقة، في خضمّ احتجاجات "الربيع العربي" التي اندلعت خلال فترة "أوباما".

مصر وإدارة "بايدن"

بالنظر إلى موقف "جو بايدن" كنائب للرئيس، فلم يكن من المفاجئ عندما وافق بعد شهر واحد فقط من توليه منصبه كرئيس، على صفقة صواريخ لمصر بقيمة 200 مليون دولار أمريكي.

وتمت الموافقة على الصفقة على الرغم من الاحتجاجات الواسعة النطاق من منظمات حقوق الإنسان، وكانت مؤشرًا لتأييد الإدارة الأمريكية للسياسات القمعية لنظام "السيسي".

وكما أوضح الرئيس الأمريكي السابق "باراك أوباما" في كتابه، يبدو أن خدمة مصالح الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط تفوق جميع الاعتبارات الأخرى.

كما أن العلاقات الثنائية بين مصر وإسرائيل، ودعم الأخيرة لأي نظام استبدادي في مصر يخدم مصالحها، يلعب دورا مهما في هذا الصدد.

وأشار "باراك أوباما" بوضوح إلى أن مجموعة مؤثرة من السياسيين داخل إدارته فضلوا حكومة في القاهرة يمكن أن تحافظ على السلام مع إسرائيل ومحاربة الإرهاب قبل كل شئ، وأن "تكون شريكة الولايات المتحدة في مجموعة من القضايا الإقليمية الأخرى".

لقد كان "جو بايدن" أحد البارزين في هذه المجموعة التي عبرت عن دعم النظام الاستبدادي في مصر، عندما كان نائب الرئيس قبل 5 سنوات، ولا يوجد أي سبب لافتراض أنه سيغير موقفه كرئيس في أي وقت قريب.

المصدر | إنسايد أرابيا - ترجمة وتحرير الخليج الجديد