الأربعاء 18 أغسطس 2021 10:21 ص

كان سقوط الحكومة في أفغانستان مفاجأة لصانعي السياسة الحاليين أكثر من العديد من المراقبين الذين لديهم إلمام طويل بديناميكيات البلاد. وكان ذلك السقوط حتميًا منذ فترة طويلة نظرًا للطموحات غير الواقعية تمامًا والإدارة السيئة للسياسة الأمريكية في أفغانستان. وللأسف، فإن تلك الآراء الأكثر تشاؤما ولكن الأكثر صوابا حول المشروع بأكمله، قد خُنقت إلى حد كبير من قبل وسائل الإعلام لدينا.

يجادل جميع المحافظين الجدد الإمبرياليين بأن رحيل الولايات المتحدة والانهيار اللاحق لحكومة كابول هما أمران مدمران بشدة "لمصداقية" أمريكا كقوة عظمى في العالم. ويرى هؤلاء أن الولايات المتحدة يجب أن تعمل كشرطي في كل مكان في العالم وأن الفشل في القيام بذلك هو علامة على الضعف والانحدار.

وتعتبر هذه الطريقة في التفكير كارثية إلى حد كبير حيث إن الانحدار العام لأمريكا محليا وجيوسياسيا هو العلامة الواضحة على ضعفها الأعمق.

وهناك اعتقاد دولي متزايد بأن الولايات المتحدة تعيش داخل فقاعة خيالية من الهيمنة العالمية. لم يظهر الوجود العسكري الأمريكي في أفغانستان لمدة 20 عامًا أي تقدم جاد نحو أهداف ملموسة، لكن المحافظين الجدد يكتفون بإلقاء مبالغ كبيرة تلو الأخرى في السعي الأعمى للهيمنة حتى في قلب "مقبرة الإمبراطوريات".

وعلى المستوى الإنساني، فإن مصير الأفغان في ظل حكومة طالبان الجديدة مهم فقد عانى الشعب الأفغاني في ظل الحروب المتكررة والمستمرة والتدخل العسكري منذ عام 1978، بدءًا من الانقلاب المحلي الذي قام به الشيوعيون الأفغان، والذي تلاه الغزو السوفييتي، والسنوات اللاحقة من القتال لطرد السوفييت من قبل مجموعات المجاهدين المدعومة من الولايات المتحدة، وما تلاه من حرب أهلية بين المجاهدين والتي أنهتها طالبان أخيرًا باستعادة النظام والانضباط الوطني بنوع من العدالة القاسية.

لكن تركيز واشنطن على أفغانستان لم يكن له علاقة بتأسيس مجتمع أفضل وأكثر إنصافًا للأفغان. لقد كان الدافع الظاهري للغزو الأمريكي هو تدمير "القاعدة" في أفغانستان. لكن السبب الأعمق للغزو والاحتلال الطويل هو إنشاء موطئ قدم عسكري وجيوسياسي في آسيا الوسطى على حدود روسيا والصين.

ولم يتم التعبير عن هذا الطموح بشكل صريح، ولكن كان مفهوماً بوضوح من قبل جميع القوى الإقليمية. وكانت "جوانب بناء البلد والجوانب الإنسانية" زينة إلى حد كبير لتغطية الطموحات الجيوسياسية لواشنطن. ولم تمت هذه الطموحات بالكامل حتى الآن بين المحافظين الجدد وداعمي التدخل الليبرالي.

وشئنا أم أبينا، فإن السمة الرئيسية لـ "الجغرافيا السياسية لما بعد أمريكا" ستكون العودة إلى حالة طبيعية أكثر من الناحية التاريخية للشؤون العالمية يشارك فيها لاعبون متعددون. وفي هذه الحالة، سيكون للاعبين المتعددين التأثير الأكبر على مستقبل أفغانستان وربما يكون تأثيرا للأفضل.

والحقيقة هي أن الدول الثلاث التي تعتبرها الولايات المتحدة أعداء - إيران وروسيا والصين - تشترك جميعها مع واشنطن في نفس الأهداف الرئيسية لمستقبل أفغانستان: الاستقرار وإنهاء إراقة الدماء وإنهاء الحالة الجهادية. لكن هذه الدول الثلاث تتحد أيضًا في معارضة شديدة للتدخل والهيمنة الأمريكية في أفغانستان وآسيا الوسطى.

وربما لم تهتم طالبان في حقب أخرى بوجهات نظر هذه الدول المجاورة، ولكن اليوم أصبحت آسيا الوسطى مكانًا مختلفًا. وبغض النظر عن السياسات الاجتماعية لطالبان، فهم بحاجة أيضًا إلى إعادة البلاد إلى الحد الأدنى من الازدهار والسلام. وتتمتع الصين، على وجه الخصوص، بأكبر قدر من النفوذ السياسي والاقتصادي للمساعدة في مستقبل أفغانستان.

تبرز أفغانستان في مبادرة الصين الطموحة المعروفة بـ"الحزام والطريق" عبر آسيا الوسطى وذلك في إطار عملية إعادة ربط آسيا الوسطى اقتصاديًا والتي لم تحدثا منذ أيام "جنكيز خان". وستبذل الصين جهودًا كبيرة لضمان التزام طالبان بالاستقرار وتجنب أي دعم للحركات المتطرفة التي لا تؤثر فقط على الصين في شينجيانغ، بل على روسيا في القوقاز وآسيا الوسطى، وعلى إيران الشيعية والتي تعتبر هدفا للفكر الجهادي السني.

لا ترغب أي من هذه الدول - إيران أو الصين أو روسيا - في رؤية الولايات المتحدة تثبت وجودها عسكريًا في قلب آسيا الوسطى، وبالتالي فهي سعيدة برؤية واشنطن تتخبط في عواقب ذلك الاحتلال. بمجرد إزالة النفوذ العسكري الأمريكي من قلب آسيا الوسطى، تصبح أفغانستان المزدهرة والمستقرة في مصلحة الجميع.

تظل باكستان ورقة مهمة، لكن مصلحة باكستان الأساسية هي ضمان أن تظل حدودها الشرقية مع أفغانستان آمنة خاصة أن الجارة الغربية لباكستان - الهند - تشكل أكبر تهديد استراتيجي لإسلام أباد. ولا يمكن لباكستان أن تتسامح مع قوى غير صديقة على كلا خطي الحدود. وستبذل باكستان قصارى جهدها للحفاظ على علاقات عمل لائقة مع كابل.

وبطبيعة الحال، فإن الصين تدعم باكستان كحلقة وصل رئيسية في مبادرة "الحزام والطريق" الأوراسية. كما يجب على باكستان أن تأخذ في اعتبارها الطابع البشتوني لحركة طالبان؛ حيث يوجد عدد من البشتون في شرق باكستان أكثر مما يوجد في أفغانستان نفسها. وتشكل نزعة القومية البشتونية مصدر قلق دائم لإسلام أباد أيضًا.

وسيتعين على واشنطن أن تتحمل جراحها مع مغادرة أفغانستان مهزومة بعد 20 عاما من الاحتلال، لكنها لا تستطيع الاستمرار في سياسة مكلفة وخاسرة. والأحمق فقط من سيحاول إبعاد القوة الجيوسياسية لروسيا والصين، وحتى إيران، عبر مساحات شاسعة من أوراسيا.

 وبينما استخدمت واشنطن الأدوات العسكرية لمحاولة فرض هيمنتها حول العالم، تعمل موسكو وبكين على المسار الدبلوماسي بنجاح أكبر بكثير.

وعند النظر في سؤال ماذا يمكن أن تكون طبيعة الحكومة التي تهيمن عليها طالبان في أفغانستان؟ يصعب تقديم إجابة، لكن يوجد جيل جديد من قادة طالبان سافروا وشاهدوا العالم وتعاملوا مع العديد من الحكومات الأخرى. ويمكن للمرء أن يأمل أنهم تعلموا شيئًا ما أثناء نفيهم؛ فليس لديهم خيار آخر سوى الاعتراف بواقع العيش الآن في بيئة دولية تهيمن عليها قوى غير مسلمة.

وإذا كانت سياسات طالبان الاجتماعية مقيتة بالنسبة للأمريكيين، فعليهم التفكير في السعودية في نفس السياق. بالطبع، لا تزال أموال الرياض تمارس نفوذا واسعا في واشنطن بشكل لا تستطيع طالبان ممارسته.

يستحق الرئيس "بايدن" قدرًا من التقدير على الأقل لإغلاقه أخيرًا حنفيات الدم الأمريكية في أفغانستان بعد 20 عامًا. ونأمل أن يكون هذا مؤشرا على مزيد من الواقعية من جانب المفكرين الجيوسياسيين في واشنطن بشأن الحدود الجديدة للقوة الأمريكية وبشأن الحاجة إلى رؤية أكثر تواضعا بكثير لما يشكل حقا المصالح الأمريكية.

المصدر | جراهام إي فولر/ ريسبونسيبل ستيتكرافت – ترجمة وتحرير الخليج الجديد