الجمعة 20 أغسطس 2021 08:25 ص

يتعين على دول الخليج التعامل مع واقع متغير وغير واضح بعد الانسحاب الأمريكي الفاشل من أفغانستان، وهو الحدث الذي تصدر عناوين الصحف في جميع أنحاء العالم. ويجب على كل دولة من دول الخليج استخراج الدروس المستفادة من كارثة الولايات المتحدة ثم اكتشاف كيفية رسم مسار إلى الأمام.

فهل أثبت قرار الرئيس الأمريكي "جو بايدن" بالانسحاب أنه رجل انعزالي حقا، وهل ينذر بانسحاب أمريكي أكبر من المنطقة؟ وهل ينبغي للسعوديين أن يروا أن خروج أمريكا من كابل مرتبط بطريقة ما بالقرار الأمريكي المفاجئ بسحب أصول الدفاع الجوي من المملكة؟ وهل ينبغي لقطر أن تقلق من أن خطاب "بايدن" الذي يلقي فيه باللوم على حلفائه الأفغان ينذر بمزيد من الخطاب الذي يربط استضافة الدوحة لقيادة طالبان باتفاق الدوحة في فبراير/شباط الذي أدى إلى قرار الانسحاب؟ وهل يفهم الحوثيون الرسالة ويقرروا مواصلة الحرب الأهلية في اليمن حتى النصر النهائي بينما يخدرون الجميع من خلال المفاوضات؟

بالتأكيد، إذا عادت طالبان إلى سياساتها السابقة وأطلقت العنان لاضطهاد النساء والأقليات كما أظهروا في المرة الأخيرة التي كانوا فيها في السلطة، فإن أي دولة خليجية مرتبطة بهم تخاطر بتشويه سمعتها لدى المجتمع الدولي.

أما العراق، الذي يقبع تحت الاحتلال الأمريكي هو الآخر، فقد شهد تطورات مماثلة من قبل. فقد تغاضت الولايات المتحدة عن مستويات عالية بشكل غير طبيعي من الفساد المالي والسياسي في بغداد. ويقول البعض إن واشنطن لم تتغاض فقط بل شجعت هذا النمط من الفساد.

وكان هذا الفساد منتشرا ومنهكا لدرجة أنه تسبب في تفكك الجيش العراقي قبل هجوم تنظيم "الدولة الإسلامية" بعد 3 أعوام من الانسحاب الأمريكي عام 2011. وتعد أوجه التشابه مع ما حدث في أفغانستان واضحة للغاية. ولكن في العراق، ظهرت الميليشيات المحلية المدعومة من إيران وقاتلت تنظيم "الدولة الإسلامية" حتى وصلت إلى طريق مسدود سمح لأمريكا بالعودة. وفي حالة أفغانستان، شددت الولايات المتحدة على أنها لن تعود، ما دفع الميليشيات المحلية إلى الاستسلام. 

وفي هذه الأثناء، عندما تهدأ حالة الفرح الإيرانية بإذلال أمريكا، يجب على حكام ذلك البلد مواجهة التحديات التي يفرضها حكام أفغانستان الجدد، والتي تضاف إلى قائمة مشاكلها الأخرى، بما في ذلك توقف مفاوضات خطة العمل الشاملة المشتركة واستمرار العقوبات الأمريكية وفق حملة "أقصى ضغط".

وقد تشهد الفترة المقبلة انتهاء الاستقرار النسبي على الحدود الشرقية لإيران والذي كانت تضمنه القوات الأمريكية في أفغانستان. علاوة على ذلك، بصفتها أكبر دولة شيعية في العالم، فإن لإيران مصلحة في الدفاع عن نفوذها على أقلية الهزارة الشيعية في أفغانستان، وهي أقلية ارتكبت حركة طالبان ضدها إبادة جماعية في التسعينيات.

فهل تستطيع طهران عقد صفقة مع طالبان توفر استمرار الاستقرار، أم تبدأ طالبان مرة أخرى في قمع الهزارة ومهاجمة المصالح الإيرانية كما فعلوا في عام 1998؟ كما تمثل التدفقات المحتملة للمهاجرين تحديا إضافيا، ففي المرة الأخيرة التي كانت فيها طالبان في السلطة في أفغانستان، فر أكثر من 2 مليون أفغاني إلى إيران ولم يغادروا أبدا، ما أدى إلى إجهاد شبكة الأمان الاجتماعي الإيرانية المنهكة بالفعل. 

تجدد الإرهاب

ويحتفل الجهاديون من كل الأطياف في منطقة الخليج بانتصار نادر لتنظيم جهادي على الهيمنة الأمريكية. ومن المرجح أن يجلب انتصار طالبان في أفغانستان اهتماما جديدا بالأيديولوجية الجهادية، التي تراجعت إلى حد كبير بين العديد من الشباب الساخطين في الخليج بعد الهزيمة الساحقة لتنظيم "الدولة الإسلامية".

وفي ظل حكم طالبان، قد تكون أفغانستان موقعا مثاليا لمعسكرات تدريب الجهاديين. بالرغم من تطمينات طالبان، فلا توجد ضمانة لعدم الترحيب بالمقاتلين الأجانب مرة أخرى.

وبالرغم أنها ليست دولة خليجية، بالمعنى الدقيق للكلمة، فإن سكان باكستان وسياساتها وجغرافيتها الاقتصادية تربط ثرواتها ارتباطا وثيقا بثروات الخليج. ومن شبه المؤكد أن باكستان تعتبر سيطرة طالبان على أفغانستان انتصارا كبيرا لسياستها الخارجية. فبعد كل شيء، تستحق إسلام أباد التقدير والامتنان من طالبان لتوفيرها ملاذا آمنا للتجنيد، وملاذا من الضربات الجوية، ومرورا مجانيا إلى أفغانستان. ومع ذلك، يخشى المراقبون لشؤون باكستان من أن تكون إسلام آباد خلقت وحشا لا تستطيع السيطرة عليه.

وتعد طالبان الأفغانية متطابقة أيديولوجيا مع حركة طالبان باكستان، وقد طور فصيلا طالبان علاقات استراتيجية وثيقة، ما يهدد بعواقب مستقبلية على أمن باكستان. ولزيادة تعقيد الحسابات الباكستانية، فقد أصبحت التنظيمات الجهادية (التي كانت منشغلة بالقتال ضد الأمريكيين في أفغانستان) مستعدة لمهاجمة الهند في كشمير وخارجها، بموافقة إسلام أباد أو بدونها.

كيف يمكن للخليج أن يساعد نفسه بنفسه؟

ويعتبر هذا هو الوقت المناسب للتفكير الجاد داخل دول الخليج حول كيفية إعادة تشكيل سياساتها الإقليمية للتعامل مع هذا الواقع الجديد. وبداية، يجب على دول الخليج أن تمارس أقصى نفوذها، سواء كان ماليا أو سياسيا أو معنويا، على طالبان لثنيها عن إعادة فرض النظام الذي كان قبل 20 عاما.

وزعمت طالبان أن مواقفها اعتدلت وأنها تحترم النساء والأقليات داخل أفغانستان. وقوبلت هذه الادعاءات بقدر كبير من الشك حول العالم. ومن أجل مصلحتها الخاصة، يجب على دول الخليج أن تلعب دورا في المساعدة على جعلها حقيقة واقعة.

ومن الناحية السياسية، يجب على دول مجلس التعاون الخليجي أيضا أن تواجه حقيقة أن كلا الحزبين السياسيين الأمريكيين أصبحا غير متحمسين لاستمرار الدور الأمريكي كشرطي للأمن الخليجي. ويبدو أن الانعزالية أصبحت أحد محددات السياسة الخارجية الأمريكية وقد تجلى ذلك في دفاع الكثيرين عن قرار "بايدن" حتى بعد أن أدى إلى كارثة.

وغذت ردود الفعل الغربية على تهديد تغير المناخ، وفائض المعروض من النفط في الخليج، التصور بأن الولايات المتحدة لم تعد بحاجة إلى تحمل عبء حماية التدفق الحر للمواد الهيدروكربونية.

علاوة على ذلك، فإن انتهاكات الأنظمة الخليجية لحقوق الإنسان قللت من حماس الرأي العام الأمريكي للدفاع عنها خلال العقد الماضي. ويجب على دول الخليج أن تتعامل مع حقيقة تراجع رغبة الولايات المتحدة في مواجهة إيران، وقد تتلاشى هذه الرغبة تماما خلال الأعوام المقبلة.

وبالنظر إلى التهديد الذي تتصوره من طهران، ستحتاج دول الخليج إلى الحفاظ على وحدتها وإيجاد طريقة لحل الخلافات مع بعضها البعض.

وفي هذا الصدد، قد تستفيد دول الخليج أيضا من تطبيع إيران علاقاتها مع المجتمع الدولي بدلا من شيطنتها. من جانبها، تحتاج إيران إلى تقليل التحديات التي تواجهها، وقد يكون التطبيع السياسي مع السعودية والإمارات هو أحد أسهل الطرق للقيام بذلك.

ولن يكون من السهل اتخاذ أي من هذه الخطوات، لكن إذا لم تبدأ النخبة الفكرية والسياسية في المنطقة بالتفكير في كيفية إدارة المستقبل، فسوف تدور الدائرة عليهم.

المصدر | باتريك ثيروس/منتدى الخليج الدولي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد