الأحد 29 أغسطس 2021 02:23 م

يبالغ العديد من المحللين في تبسيط الصراع السياسي بين إيران والسعودية باعتباره صراعًا مدفوعًا بالطائفية أو التوترات الشيعية السنية التي شكلت وجهة نظر الدولتين وأفعالهما في الشرق الأوسط. ومع ذلك، فإن خلافاتهما السياسية هي في الواقع أكثر تعقيدًا وأعمق جذورًا.

إن أحد الاختلافات الرئيسية هو أن النظام السعودي ليس نظامًا ثيوقراطيًا مثل إيران، بل نظاما ملكيا بهيكل مختلط، ليس علمانيا بالكامل وليس دينيا بالكامل. وقد كانت الحركة الطائفية السعودية رد فعل رجعي على التهديدات التي فرضتها ثورة 1979 في إيران وصعود نظام "الخميني".

في المقابل، تعد الطائفية هي المكون الرئيسي لنظام "الخميني" الثوري وهي مضخّمة في دستورها لتأكيد طموحاتها الجيوسياسية الخاصة بالهيمنة. لذلك، عندما أصبحت الهوية الطائفية غير متوافقة مع رؤية السعودية 2030 وتطورها، احتضنت الدولة القومية السعودية بدلا منها، بينما دعمت إيران هويتها الطائفية لأن تغييرها سيعني انهيار النظام.

لفهم الاختلافات الطائفية في كلا البلدين بشكل أفضل، من المهم أولاً إلقاء بعض الضوء على السياق التاريخي، فضلاً عن التحقيق في الاختلافات الأيديولوجية والسياسية بين إيران والسعودية.

استراتيجية إيران الأيديولوجية

بعد ثورة 1979، حوّل نظام "الخميني" إيران من دولة علمانية إلى دولة ثيوقراطية أصولية، مما مهد الطريق لفترة تاريخية مظلمة في المنطقة تركزت على تضخيم الخلافات الطائفية. ما يميز النظام، وغالبًا ما يفتقده المراقبون الأكثر تعاطفًا في الغرب، هو أن إيران في ظل نظام "الخميني" كانت ثورة إسلامية أولاً، ثم جمهورية إسلامية ثانيًا. الثورة كانت موجودة ولا توجد لإكمال الدولة. لقد كانت الدولة وسيلة لدعم الثورة وإكمالها. نتيجة لذلك، تم إعطاء الأولوية للثورة.

لقد أقسم المرشد الأعلى وهو قائد الثورة وليس قائد الجمهورية، وكذلك قائد الحرس الثوري الإسلامي  على الدفاع عن تنقية الثورة من الأعداء في الداخل والخارج. لذلك، منذ إنشاء جمهورية إيران الإسلامية في عام 1979، سعى النظام إلى تصدير أيديولوجيته الثورية في محاولة لتأسيس الهيمنة الإيرانية في جميع أنحاء العالم الإسلامي.

 وقد دفع هذا الدبلوماسي الأمريكي "هنري كيسنجر" إلى التعليق في عدة مناسبات على أن إيران بحاجة إلى أن تقرر "ما إذا كانت تريد أن تكون أمة أو قضية".

لذا، فإن الموضوع الرئيسي الذي يوحد أيديولوجية إيران الثورية هو رفض الهيمنة الأجنبية على إيران، وخاصة نفوذ الولايات المتحدة.

وقد كانت الشعارات الأكثر شعبية هي المعادية لأمريكا والمعادية للإمبريالية والتي تؤكد رغبة إيران في السير في طريق مستقل سياسياً وأيديولوجياً - "لا شرقية ولا غربية"، ترى أن واجبها دعم الضعفاء، وترى إيران أن الشيعة في الدول العربية والفلسطينيين يندرجون في هذه الفئة.

وبالتالي، هناك ركيزتان من أركان السياسة الخارجية الإيرانية: الطائفية واستراتيجية "الشارع العربي" التي تؤكد التزام إيران بالقضية الفلسطينية وتعارض الإمبريالية الغربية بشكل أساسي مخططات الهيمنة لواشنطن في المنطقة بالرغم من المفارقة أنها تفعل ذلك لتأكيد هيمنتها وطموحاتها الجيوسياسية.

من خلال وضع سياستها الخارجية موضع التنفيذ، اتبعت إيران نهجًا ذا شقين، باستخدام استراتيجيات القوة الصلبة والناعمة.

فيما يتعلق بالقوة الصلبة، قدمت إيران الدعم المالي والأيديولوجي والمادي للجماعات غير الحكومية للمساعدة في تعزيز مصالحها الاستراتيجية، ولا سيما الميليشيات الشيعية المسلحة في لبنان والعراق وسوريا واليمن، وكذلك "حزب الله" وقوات "الحشد الشعبي" في العراق، و"الحوثيين" في اليمن، وكذلك الجماعات السنية مثل "الجهاد الإسلامي" الفلسطيني و"حماس".

أما فيما يتعلق بقوتها الناعمة فهي تستخدم إمبراطوريتها الإعلامية والجامعات والمنظمات الخيرية والمبادرات التي ترعاها الحكومة والأنشطة الثورية الدولية. والهدف من ذلك هو نشر الأيديولوجية "الخمينية" والمناهضة للغرب في الداخل والخارج من أجل إجبار الجماهير على الانتفاض لدعم الأيديولوجية الثورية "الخمينية" وضد ما يعتبر أشكالاً "غير شرعية" للحكم.

نظرًا لأن الأيديولوجية الثورية لنظام "الخميني" معادية للملكية، تستخدم إيران سياستها الخارجية لإحداث اضطرابات تعمل على إسقاط ممالك الخليج العربي، لكن تركيزها الرئيسي كان تحدي وتقويض شرعية السعودية باعتبارها الوصي على أقدس الأماكن الإسلامية. وقد استجابت السعودية بطرق مختلفة على مر السنين في مواجهة هذه التهديدات.

رد السعودية وصعود الأصولية السنية

لم يزعج نظام "الخميني" السعودية فحسب عندما انتقد وأحرج حكامها من خلال الإشارة إلى أنهم لم يكونوا فاضلين بما يكفي ليكونوا أوصياء على أقدس الأماكن الإسلامية، ولكن إيران ساهمت بالرسالة الثورية في اندلاع انتفاضة إسلامية عبر شبه الجزيرة العربية.  وقد نادت دعوة "الخميني" لإلغاء حكم "آل سعود" وبدأت القيادة السعودية تخشى أن تلقى نفس مصير الشاه.

وقد أكد حصار المسجد الحرام مخاوف النخبة السعودية من التحديات التي يواجهونها. في 20 نوفمبر/تشرين الثاني 1979، أي بعد 10 أشهر فقط من الثورة في إيران، استولى متمردون إسلاميون سنيون بما يسمى "انتفاضة الإخوان" بقيادة "جهيمان العتيبي" على المسجد الحرام في مكة المكرمة في تحد مباشر لقيادة آل سعود في الأرض المقدسة.

كان الدافع وراء الاستيلاء هو الرغبة في خلع الملوك السعوديين واستعادة الحكم الإسلامي على بلد النبي. وقد وبخ "العتيبي" ورجاله عائلة آل سعود لفسادهم وتأثرهم بالغرب. ولمواجهة هذا التحدي، تم تعزيز الأصولية الإسلامية بقوة في السعودية.

علاوة على ذلك، رعت الرياض أيضًا إنتاج مجموعة واسعة من المناهج المعادية للشيعة والإيرانيين، والمصممة لتسليط الضوء على التطلعات الطائفية للنظام "الخميني" والتخفيف من جاذبيته العالمية في جميع أنحاء المنطقة والعالم. أرادت السعودية فضح رؤية "الخميني" للإسلام من خلال التأكيد على هويته الشيعية.

بالإضافة إلى ذلك، ربطت المؤسسات التعليمية والمساجد الممولة سعوديًا الرياض بعلماء الدين في جميع أنحاء العالم، من نيجيريا إلى إندونيسيا. وبدلاً من مواجهة التطرف الناجم عن الثورة الإسلامية الإيرانية بإسلام معتدل، قررت السعودية هزيمة "الخميني" بنفس الطريقة وهو القرار الذي قالت القيادة السعودية الحالية إنه خطأ.

لا يعد النظام السعودي نظامًا ثيوقراطيًا مثل إيران ولكنه هيكل هجين، ليس علمانيًا بالكامل ولا دينيًا بالكامل. وتتولى الدولة الساحة السياسية والمؤسسة الدينية تشرف على الثقافة والمجتمع والدين.

وقد تبنت السعودية هويات مختلفة على مر السنين وكانت التغييرات مدفوعة بروايات سياسية. أولاً، تأسست القومية الدينية بعد إنشاء الدولة في عام 1932. ثانياً، ابتداءً من الستينيات، تم الترويج لهوية وطنية إسلامية عابرة للحدود في سياق الحرب الباردة حيث تبنى "جمال عبدالناصر" برنامجًا عربيًا. ثالثًا، في أعقاب ثورة "الخميني"، سيطرت حركة "الصحوة الإسلامية" على الثمانينيات، وهي جزء من الحرب الطائفية ضد إيران، عززت أهمية المملكة باعتبارها مهد الدين والمضيف لأكثر الأماكن المقدسة فيها.

أخيرًا، تحت قيادة ولي العهد الأمير "محمد بن سلمان"، كان هناك تراجع في القومية السعودية لجعلها متوافقة مع رؤية القيادة لعام 2030.

القومية مقابل الطائفية

كانت حركة الصحوة الطائفية، التي ازدهرت في الثمانينيات بسبب تهديد نظام "الخميني"، رجعية، لم تستمر. وذلك لأن السعودية دولة مسلمة وليست ثورة إسلامية، والدين موجود للحفاظ على شرعية البلاد واستقرارها.

وكانت أولوية السعودية هي الدولة والشعب وعندما أصبحت الهوية الطائفية غير متوافقة مع رؤية المملكة 2030 وتطورها، فقد احتضنت القومية السعودية التي وحدت البلاد.

تضع السياسة الخارجية "السعودية أولاً" مصالح الدولة والشعب أولاً، وتعني أن الشعب لم يعد رهينة الأحداث السياسية والأيديولوجيات الإقليمية.

في المقابل، لأن إيران هي أولاً وقبل كل شيء ثورة إسلامية والدولة وسيلة لدعم الثورة وإكمالها، فقد ظلت طائفية. إن الصعود الأخير "لإبراهيم رئيسي" إلى الرئاسة دليل على وجود الدولة لإكمال الثورة. منذ البداية، كان واضحًا أن "رئيسي" لم يترشح للرئاسة، بل كان مدعومًا من المرشد الأعلى للدفاع عن الثورة ضد أعدائها الداخليين والخارجيين.

تتوافق مؤهلات "رئيسي" مع متطلبات المرشد الأعلى "علي خامنئي" ليس فقط لمنصب الرئيس، ولكن أيضًا كخليفة محتمل حيث إن التزامه بالثورة واضح. وقد عمل "رئيسي" في النظام القضائي الإيراني كمدع عام في أوائل الثمانينيات وأشرف على مقتل آلاف السجناء السياسيين كما تم انتخابه لعضوية مجلس الخبراء في عام 2009، وهي هيئة مكلفة بمراقبة واختيار المرشد الأعلى.

في عام 2016، تم تعيين "رئيسي" رئيسًا لشركة "آستاني قدس رازافي" وهي تكتل اقتصادي إيراني يدير استثمارات ضريح "الإمام الرضا" في مشهد ويظهر شغل هذا المنصب أن "خامنئي" كان يثق به.

من المهم أن نلاحظ أن "رئيسي"، مثل "خامنئي"، يجسد الفكرة الرئيسية التي وحدت أيديولوجية إيران الثورية، وهي رفض الهيمنة الأجنبية على إيران، وخاصة نفوذ الولايات المتحدة. وينعكس ذلك في تصريحه بأن "العلاقات مع الغرب أو الشرق يجب ألا تكون أولوية بالنسبة للحكومة المستقبلية، بل هي خطوة براجماتية للحفاظ على المصلحة الوطنية". يظهر هذا أيضًا أن الأيديولوجية الثورية تستخدم لتحقيق غايات قومية.

إن التحول الكبير في الهوية السعودية من الطائفية إلى القومية السعودية، مقابل تشدد إيران في تمسكها بمبادئ ثورة 1979، يثبت أن الأنظمة السياسية يمكن أن تتغير حسب متطلبات العصر، بينما الأنظمة الأيديولوجية لا تتغير أبدًا. على العكس من ذلك، فإنها تصبح أكثر رسوخًا لأن التغيير يعني نهاية النظام.

المصدر | نجاة السعيد - معهد الشرق الأوسط – ترجمة وتحرير الخليج الجديد