الأربعاء 1 سبتمبر 2021 11:10 ص

قمة بغداد في بورصة التخويف من الإرهاب

لم يشر أحد المتحدثين لسبب مشاركة 18 بالمئة فقط، من العراقيين في الانتخابات السابقة رغم قرع كل طبول الديمقراطية.

أغرق مصطفى الكاظمي الشعب بوعود معاقبة قتلة المتظاهرين وكانت الحصيلة المزيد من المختطفين والمعتقلين والتعذيب والقتلى.

حفلت الخطب المعنونة «دعم ومساندة العراق» بمفردات: الأمن والاستقرار والسلام، مواجهة الإرهاب والتطرف، إعادة البناء، بناء الجسور والحوار.

كانت اجتماعات «الحوار» بين ممثلي الدول والمنظمات مغلقة واقتصر البيان الختامي على عموميات لتبقى الشعوب مجرد هامش لا يستحق التضمين.

الخطب والبيان الختامي لا يضيف جديدا باستثناء كونها صادرة عن أشخاص موجودين في قاعة واحدة قاسمهم المشترك المعلن هو التخويف من الإرهاب.

في حين تحدث الخطباء عن «عدم التدخل في الشؤون الداخلية للعراق» كان التدخل في الشأن العراقي سيد الموقف على مستويين: الانتخابات ومحاربة الإرهاب.

*     *     *

احتلت بغداد، يوم 28 آب/ أغسطس، حيزا إعلاميا، يعيد إلى الذاكرة أيام المؤتمرات الكبيرة الحاضنة للدول العربية والأجنبية في حقبة ما قبل الاحتلال الأنجلوأمريكي عام 2003.

ففي توقيت، تدّعي الحكومات الغربية، بأنه مفاجئ، فيما يخص استعادة حركة طالبان لأفغانستان والانسحاب المهين لقوات الاحتلال الأنجلوأمريكي، انعقد « مؤتمر بغداد للتعاون والشراكة» بحضور تسع دول جوار وفرنسا بالإضافة إلى الجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي ومنظمة التعاون الإسلامي.

ألقى ممثلو الحكومات من رؤساء ووزراء خارجية خطبا تكاد تكون في تشابهها، مثل وجبات مكدونالد. الوجبة نفسها بتعليب مختلف مع إضافة قطعة مخلل هنا أو شريحة طماطم هناك. حفلت الخطب المعنونة «دعم ومساندة العراق» بمفردات: الأمن والاستقرار والسلام، مواجهة الإرهاب والتطرف، إعادة البناء، بناء الجسور والحوار.

وكالعادة، كانت اجتماعات « الحوار» بين ممثلي الدول والمنظمات مغلقة، واقتصر البيان الختامي على العموميات، لتبقى الشعوب، كما هي، مجرد هامش، لا يستحق التضمين إلا في حالات ادعاء الحديث باسمها أو مخاطبتها باسلوب مبطن بالنظرة الفوقية واللوم على التقاعس، كما فعل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قائلا «أيها العراقيون أنتم أمة عريقة. ابنوا مستقبلكم ومستقبل أبنائكم».

وفي الوقت الذي تحدث فيه الخطباء عن « عدم التدخل في الشؤون الداخلية للعراق» كان التدخل في الشأن العراقي الداخلي هو سيد الموقف، على مستويين. الأول حول الانتخابات العامة المفترض إجراؤها بداية تشرين الأول/ أكتوبر المقبل، وهو التاريخ ذاته الذي انبثقت فيه انتفاضة تشرين الأول/ أكتوبر 2019. وكان المستوى الثاني حول العلاقة بـ«محاربة الأرهاب».

بالنسبة إلى الانتخابات، كان لمصر والكويت وفرنسا الدور الأبرز في الدفع باجراء الانتخابات. ذكر الرئيس الفرنسي ماكرون أن بعثات من الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة ستراقب الانتخابات، متجاهلا حقيقة أن الانتخابات السابقة تمت بإشراف البعثات ذاتها، وكانت النتيجة كارثية.

أما السيسي فقد أطلق موعظة «شاركوا في اختيار من يقودكم إلى الأمان» متغافلا عن مساره الفاشي في إرساء «الأمان» في مصر منذ أعوام، فضلا عن قيامه بدور الحارس، بالنيابة عن الكيان الصهيوني، على أهل غزة، في أحد أكبر السجون في العالم.

ولم يشر أحد المتحدثين إلى سبب مشاركة 18 في المئة، فقط، من العراقيين في الانتخابات السابقة، على الرغم من قرع كل طبول الديمقراطية، وكيف أجبر المتظاهرون رئيس الوزراء عادل عبد المهدي على الاستقالة، وكيف أغرق من حل محله، أي مصطفى الكاظمي، الشعب بفيضان من وعود بمعاقبة قتلة المتظاهرين. وكانت الحصيلة المزيد من المختطفين والمعتقلين والتعذيب والقتلى.

وإلقاء نظرة سريعة على تقارير مجلس حقوق الأنسان في الأمم المتحدة، ومفوضية حقوق الانسان في العراق، بالاضافة إلى منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش (في حال عدم ثقة ممثلي الدول بالتقارير المحلية) كانت ستبين لهم أن كراسيهم الفخمة، في قاعة الاجتماع، غارقة بدماء العراقيين!

وأن خطاب الكاظمي وتصريحات وزير الخارجية يدلان بوضوح، كما شمس العراق، إلى ما ستتمخض عنه الانتخابات المقبلة: إعادة تدوير الوجوه نفسها، ربما بأقنعة مغايرة. لا لأن العراقيين لن يختاروا «الأمناء» كما نصحهم السيسي، بل لأن لغة الانتخابات الأولى والأخيرة هي الفساد.

وألف باء لغة الفساد في العراق الغني هي مليارات الدولارات. وتفكيك الانتخابات سيُظهرعقود نهب ومشاريع ووظائف وهمية وأموال رشاوى باذخة يتم غسلها في بنوك الغرب. فالدول التي تُخّرب البلدان غير المطيعة صباحا، تتظاهر بمد يد الإحسان والمساعدة والبناء مساء.

بالنسبة إلى «مكافحة الأرهاب» وهو المشروع الذي صّنعته وسوّقته الولايات المتحدة، وتبناه الحكام العرب لكي لا يحيدوا عن الصراط الأمريكي، قدمه المشاركون في القمة بعنوان «دعم العراق في مواجهة الإرهاب» لتحقيق الأمن والاستقرار.

هنا يتبدى التدخل في الشأن الداخلي بشكل أوضح. إذ تحدث كل مشارك باستفاضة عن الجهة التي يراها مصدرا للإرهاب، الذي يستهدف بلده هو، من داخل العراق، وحسب تعريفه هو للإرهاب.

يرى الرئيس الفرنسي إنه الإرهاب العالمي، ويجب مساعدة العراق للتخلص منه. وصرح وزير الخارجية التركي «لا مكان للإرهاب في مستقبل العراق» والإرهاب بالنسبة لتركيا هو «أي وجود لحزب العمال الكردستاني على الأراضي العراقية» بينما يتعامى عن عسكرة القوات التركية على أراض عراقية.

وكالصدى كرر وزير الخارجية الإيراني «أن العراق تضرر كثيرا بفعل الإرهاب» والإرهاب بالنسبة إلى إيران هو «التدخلات الأجنبية» على رأسها أمريكا، وكأن تدخل إيران وميليشياتها شأن عراقي داخلي وطني بحت.

وهذا يذكرنا بتصريح مماثل لوزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد في واحدة من خطبه، عقب غزو العراق، قائلا بأن مشكلة العراق هي التدخل الخارجي. وكأن قوات الاحتلال الأمريكية عراقية وطنية أبا عن جد. وترى السعودية أن محاربة الإرهاب تتم بالتعاون مع قوات التحالف برئاسة أمريكا.

إن متابعة الخطب والتصريحات والبيان الختامي للقمة، لا يضيف شيئا جديدا لما سمعناه في خطب وتصريحات سابقة، باستثناء كونها صادرة عن أشخاص موجودين في قاعة واحدة قاسمهم المشترك، المعلن، هو التخويف من الإرهاب. الإرهاب الذي يقدم كل واحد منهم تعريفه الخاص به، وعجنه بالخوف واحد من أكثر طرق سيطرة الأنظمة على عقول الشعوب نجاحا.

تم تصوير « قمة بغداد» بأنها ستمنح شعوب الدول المجتمعة الأمل بتحقيق الأمن والاستقرار. إلا أن ما لم يتم التطرق إليه إطلاقا سواء من قبل المجتمعين أو إعلاميا هو أن معظم شعوب هذه الدول، وليس العراق وحده، تعيش خارج قاعات الاجتماعات الباذخة واقعا يراوح ما بين المزري واللا إنساني، وأن وجود المضاربين، ممثلي شركات متنافسة بشراسة، في مبنى البورصة لايعني اتفاقهم حول توحيد الأسعار في الأسواق لصالح المستهلكين.

* د. هيفاء زنكنة كاتبة وطبيبة من العراق

المصدر | القدس العربي