ديمقراطية الذهن لا ديمقراطية الواقع

كيف استقبل الذهن البشرى الديمقراطية كفكرة وكيف تعامل بها ومعها بعد ذلك؟

دخل مفهوم الديمقراطية في الذهن العربى ليخرج منه شيئاً آخر ليس له نصيب منه سوى الاسم.

الكلام كثير عن الديمقراطية لكن الناتج صفر فالصور القبلية أو الأفكار الأولية هي صاحبة السيادة.

تطورت الفكرة بتطور الذهن البشرى وإزالته لما يحول واستيعابها تدريجيا عبر تعرجات تاريخية مؤلمة ومع ذلك تشكلت الديمقراطية بما احتواه الذهن من تصورات قبلية.

الصور الذهنية القَبْلية ثابتة بحيث تطرد أو تشوه الفكرة وتصطاد مزاياها عند ارتطام قيم الديمقراطية بصور الذهنية العربية الاساسية فتخرج شيئا آخر يذبح المفهوم ذبحا.

*     *     *

دخل مفهوم الديمقراطية فى الذهن العربى ليخرج منه شيئاً آخر ليس له نصيب منه سوى الاسم.

من المعروف أن الفكرة، أي فكرة، أو الصورة عندما تنطبع فى ذهن الفرد لا تخرج منه أو لا يمكن رؤيتها كما هي في ذاتها وإنما كما صورها له ذهنه بما كان يحمله من صور وأفكار قبلية نتيجة التجربة والتربية بالإضافة إلى عاملي الزمن والمكان هذه قررها "كانط" منذ قرون ونقل بها الفكر الإنساني نقلة كبيرة من الإيمان بأن هناك حقيقة يتفق عليها كل البشر إلى نسبية هذه الحقيقه ليمكن إثر ذلك التعايش بسلام بين بني البشر.

على كل حال ما يهمنا هنا هو كيف استقبل الذهن البشرى الديمقراطية كفكرة وكيف تعامل بها بعد ذلك؟

كانت فكرة طوبائية يونانية وتطورت بتطور الذهن البشرى نفسه وكنسه لما قد يحول واستيعابها شيئا فشيئا عبر تعرجات تاريخية مؤلمة ومع ذلك تشكلت هذه الديمقراطية بما احتواه الذهن البشرى من "تصورات قبلية"، فنرى مثلا الديمقراطية الفرنسية تختلف عن تلك القائمة فى بريطانيا أو تلك الأخرى فى أمريكا أو فى الدول الاسكندنافيه أو فى ألمانيا.

جميع هذه الاختلافات كانت أساسيا لاختلاف "التصورات القبلية" المترسخة في الذهن.

انظر إلى الممالك الدستورية هى انعكاس للذهنية القبلية السائدة سابقا لم يستطيعوا محوها ولكن كيفوها مع العصر المعاش،

انظر الى الأحزاب الدينية في أوروبا لم يتخلصوا منها كصور قبلية فى ذهن الأوروبى للعصر الدينى الذى عايشته أوروبا ولكن ادمجوها بالعصر،

انظر الى الديمقراطيات الاشتراكية لأن الماضى الاشتراكى لتلك الشعوب وصوره القبلية فى الذهن لا يمكن محوها بسهولة ولكن حدثوها وجعلوا منها طريقا للمستقبل. والأمثلة كثيرة هناك.

تعال الآن إلى عالمنا العربى واستبساله في تلهفه لمفهوم الديمقراطية فى الوقت الذى يكرس فيه تصوراته وأفكاره القبلية الموجودة فى ذهنه ولا يسمح بأن تمس أو تعدل مسايرة للعصر فتصطدم الفكرة بالصورة القبلية المتجسدة والمحفورة حفرا فى ذهن العربى ليخرج المنتج مسخا كالذى نراه أو نسمعه، جملوكيات ديمقراطية وجمهوريات شعبية ديمقراطيه وديمقراطيات إسلامية.

الصور الذهنية القَبلية من الثبات بمكان أنها تطرد أو تشوه جمال الفكرة واصطياد محاسنها، عندما ترتطم قيم الديمقراطية بصور الذهنية العربية الاساسية تخرج شيئا آخر يدمي القلب ويذبح المفهوم ذبحا.

فاصطدام مفهوم المساواة مثلا بصور التمييز الحية فى ذهنية العربى يكون النتاج فئويا ومحصورا بلاشك كأن تكون للرجال دون النساء أو لفئة دون غيرها، انظر لما تصطدم قيمة الحرية بذهنية العربي وصورها الاستعبادية والتمييزية الكثيرة طبقا للعائلة والطائفة والعرق ماذا ينتج وكيف يمكن للعربى صاحب هذه الذهنية أن يراها كقيمة. فالكلام كثير عن الديمقراطية ولكن الناتج صفر. الصور القبلية أو الأفكار الأولية هي صاحبة السيادة أيها السادة.

* عبد العزيز الخاطر كاتب صحفي قطري

المصدر | الشرق