الجمعة 10 سبتمبر 2021 02:48 ص

مع انتقال طالبان مرة أخرى من حالة التمرد إلى الحكم، تدور الكثير من الأسئلة حول السياسة الخارجية التي ستنتهجها الحركة، فهل ستنضم، على سبيل المثال، إلى النظام الإقليمي في آسيا الوسطى، أم ستجعل أفغانستان قاعدة للتطرف في جميع أنحاء العالم؟

وسيكون لأي من الجوابين تداعيات كبيرة على أصحاب النفوذ الإقليميين مثل روسيا والصين، وبدرجة أقل الهند وتركيا. ولدى هذه الدول مصلحة في الحفاظ على العلاقات مع حكومة طالبان حتى مع وجود مخاوف جدية بشأن ما قد يعنيه وجود طالبان في الحكم.

طالبان والدولة الإسلامية

من المعروف أن زعيم طالبان "الملا محمد عمر" حكم أفغانستان وفقًا للشريعة قبل الغزو الأمريكي عام 2001، لكن من المهم أن نتذكر أن أفغانستان في ذلك الوقت كانت دولة إسلامية، وليس "الدولة الإسلامية". ولم تمد طالبان رايتها أبدًا إلى ما وراء حدود أفغانستان. ففي عام 1998، قال "عمر" إن هدف حركته هو "إنهاء الظلم في البلاد، وإحلال السلام والأمن، وحماية الأرواح والثروة والشرف، وفرض الشريعة، والجهاد ضد القادة الذين استبدوا بالسلطة، والسعي لجعل أفغانستان دولة نموذجية".

وكتجربة في الجهاد العابر للحدود، ربما تكون أفغانستان تجربة فاشلة، لكنها أصبحت واحدة من الملاذات الرئيسية للجماعات المسلحة في جميع أنحاء العالم.

وفي منتصف عام 2010 عندما بدأ تنظيم "الدولة الإسلامية" يعمل في ساحة العراق، كان هناك الكثير من الجماعات الإسلامية الأخرى قبله - القاعدة، حماس، الإخوان المسلمون، طالبان، حزب الله، الجهاد الإسلامي الفلسطيني، الجهاد الإسلامي المصري، بوكو حرام، حزب التحرير وإمارة القوقاز، على سبيل المثال لا الحصر - لكن لم يكن أي منها يمثل تهديدًا منهجيًا مثل تنظيم "الدولة الإسلامية". بالنسبة للجماعات الأخرى، كانت الخلافة هدف ثانوي، ليس لأنهم لا يريدون ذلك ولكن لأنهم يعتقدون أن الظروف التاريخية لم تنضج بعد.

علاوة على ذلك، تم تشكيل العديد من هذه الجماعات على أسس جغرافية وعرقية وعلى هذا النحو كانت إما أقل ملاءمة أو أقل اهتمامًا بالهيمنة العالمية.

وبصفته كيانًا أوسع من العرق، كان تنظيم "الدولة الإسلامية" مختلفًا، وكان أكثر ترويعًا بالنسبة لأولئك المعرضين لخطر هجماته. والآن بعد عودة طالبان إلى السلطة، تعيد الجماعات العاملة في أفغانستان، مثل تنظيم "الدولة الإسلامية في خراسان"، إحياء تلك المخاوف.

ومع ذلك، قد تكون هذه المخاوف في غير محلها إلى حد ما، حيث كانت العلاقات بين طالبان و"الدولة الإسلامية" متوترة منذ البداية. ولطالما اعتبرت طالبان تنظيم "الدولة الإسلامية" وجودًا غريبًا في البلاد، وبالتالي خصما سياسيا، كما أن اختلافاتهم الأيديولوجية تجعل مبادئ المذهب الحنفي الذي تتبناه طالبان بمثابة "هرطقة" بالنسبة لسلفيي "الدولة الإسلامية".

علاوة على ذلك، من المهم أن تحقق طالبان درجة معينة من التطبيع والاستقرار، وقد يشمل ذلك الاستعداد لمحاربة "الدولة الإسلامية" للحفاظ على ما استغرق 20 عامًا لاستعادته.

وهكذا تواجه حكومة طالبان الجديدة تحديين. الأول هو الحصول على الاعتراف الدولي والشرعية بحيث يمكنهم الحكم والتجارة وجذب الاستثمار والمشاركة في النظام العالمي (إذا أرادوا). والثاني هو منع الجماعات المتطرفة أو المتمردين الآخرين من تحدي حكمهم.

وما يعقد الأمور أكثر هو أن تنظيم "الدولة الإسلامية في خراسان" يعتبر نفسه جزءًا لا يتجزأ من الخلافة المستقبلية، حيث كان الكثير من قادته من مقاتلي طالبان السابقين. بعبارة أخرى، تشترك بعض الفصائل من طالبان في الأجندة الثورية العالمية لـ"الدولة الإسلامية"، وبالتالي قد يكونون أقل ميلًا لبناء دولة قومية.

وسواء أعجبنا ذلك أم لا، قد يكون من الأسهل التعامل مع هذه التحديات بالاعتراف والدعم الدولي. وقد تدعم القوى الأوراسية مثل روسيا والصين وتركيا وإيران والاتحاد الأوروبي، حركة طالبان إذا اعتقدوا أنه يمكن الوثوق بالجماعة للحفاظ على الاستقرار خاصة إذا كان ذلك سيساعد في منع صعود تنظيم "الدولة الإسلامية" مرة أخرى.

مخاوف القوى الأوراسية

لم يكن من السهل هزيمة "الدولة الإسلامية"، لكن لم يكن من الصعب تشكيل تحالف ضدها. وعندما سيطر التنظيم علي مناطق شاسعة في العراق، كان قريبا من أماكن ذات أهمية استراتيجية مثل تركيا وشمال القوقاز والبلقان والاتحاد الأوروبي. كما كانت تهديدًا وجوديًا للأنظمة الملكية العربية الإقليمية.

وفي حال صعود "الدولة الإسلامية" مرة أخرى، فلن يقوم أحد بتجميع قوة عسكرية دولية لحماية طالبان من الإطاحة بها في هذه المرحلة. لكن الضرورة غالبًا ما تفرض السلوك، وإذا اعتقدت القوى الدولية أن تنظيم "الدولة الإسلامية" يمثل تهديدًا أكثر خطورة من طالبان، فقد يؤيدون بشكل ضمني طالبان حتى لو لم يدعموها ماديًا بشكل مباشر.

ولدى القوى الرئيسية في محيط أفغانستان مجموعة من الاعتبارات عندما يتعلق الأمر بعودة طالبان.

روسيا والصين

لدى موسكو تاريخ طويل في مواجهة الجماعات الإسلامية في شمال القوقاز، وخاصة في المناطق المضطربة في الشيشان وداغستان. وخلال التسعينيات، واجهت روسيا مستويات كبيرة من المقاومة من السكان المسلمين غير السلافيين هناك، حتى أن الكرملين شن حربًا كاملة ضد الشيشان.

إلى الشرق من شمال القوقاز، لا يزال لموسكو نفوذ كبير في الدول السوفيتية السابقة في آسيا الوسطى. وقد شهدت هذه الدول نفسها صراعًا بين القوى العلمانية والإسلامية قبل عقدين من الزمن.

واليوم، لدى هذه الدول أيضًا تأثير على ما يحدث في روسيا، لا سيما أن ملايين المهاجرين من آسيا الوسطى يعيشون في روسيا. وبالنظر إلى أن 3 دول في آسيا الوسطى تشترك في الحدود مع أفغانستان، فإن موسكو تشعر بالقلق من أن عدم الاستقرار هناك يمكن أن يمتد إلى آسيا الوسطى ثم ينتشر إلى شمال القوقاز.

في الواقع، لقد تغيرت صورة "الإرهابيين" في روسيا خلال السنوات القليلة الماضية. فقد ازداد عدد "الإرهابيين" المنحدرين من آسيا الوسطى مقارنة بمن ينحدرون من شمال القوقاز. كما يزداد تأثير تنظيم "الدولة الإسلامية" بين هذه الجماعات.

ووفقًا لجهاز الأمن الفيدرالي الروسي، فقد شارك 20% من السكان المسلمين في منطقة الشرق الأقصى في خاباروفسك (ومعظمهم من المهاجرين) وجهات نظر ورؤية "الدولة الإسلامية".

وقد أدت التوترات المتصاعدة بين العرقية الروسية والمهاجرين من آسيا الوسطى في المدن الروسية الكبرى إلى مزيد من العزلة والتطرف لهذه الجماعات في السنوات الأخيرة.

لذلك، من المهم بالنسبة لموسكو أن تظل الأنظمة العلمانية في السلطة في آسيا الوسطى. وقد أصبحت هذه الأنظمة نفسها مهتمة بشكل متزايد بالوضع في أفغانستان عندما بدأت الحكومة في كابول في الانهيار. وأطلقت منظمة معاهدة الأمن الجماعي التي تقودها روسيا، والتي تضم بين أعضائها 3 دول من آسيا الوسطى، مناورات واسعة النطاق في طاجيكستان بالقرب من الحدود الأفغانية في الأسابيع الأخيرة.

كما نسقت روسيا ودول آسيا الوسطى ردودها عن كثب مع الصين التي تتعلق مخاوفها بشأن أفغانستان بسكانها من الإيجور. ولكن يتركز معظم الإيجور المسلمين في مقاطعة شينجيانج بشرق الصين، مما يمنح بكين ميزة على روسيا، حيث ينتشر السكان المسلمون في جميع أنحاء البلاد. ومع ذلك، فإن شينجيانغ مرتبطة بأفغانستان عبر ممر واخان، مما يعني أن "العناصر المتطرفة" هناك لا تزال تشكل خطرًا على بكين.

الهند وباكستان

تتعلق مخاوف الهند وباكستان من عودة ظهور طالبان بمنطقة كشمير المتنازع عليها حيث تعرضت باكستان لانتقادات من الهند لدعمها طويل الأمد لطالبان والجماعات المسلحة القريبة. وقد عزز صعود طالبان إلى السلطة مكانة باكستان في المنطقة وجعل الهند شديدة اليقظة بشأن زيادة النشاط المناهض للحكومة في كشمير التي يهيمن عليها المسلمون. وقد يؤدي ذلك إلى جر باكستان والهند إلى مواجهة مباشرة.

كما أن لباكستان علاقات وثيقة مع الصين التي لها نزاعات إقليمية مع الهند في منطقة لداخ شرقي كشمير. لذلك يجب على الهند أن تنظر في رد الصين المحتمل على أي تحركات تقوم بها ضد باكستان.

تركيا

ومن جهة أخرى، فإن تركيا ليست في وضع جيد للعمل في أفغانستان مثل الدول الأوراسية الأخرى، لكنها اتخذت خطوات للبقاء نشطة في المجالات السياسية والدبلوماسية. وتحاول أنقرة توسيع نفوذها في آسيا الوسطى من خلال الاستثمارات الاقتصادية والاستفادة من روابطها الثقافية مع الدول التركية الأخرى في المنطقة.

ويكمن قلق أنقرة بشأن أفغانستان من احتمال قيام المتطرفين بإعادة إشعال المشاكل التي تتعلق بتركيا. وهناك حزب التحرير، وهو جماعة عابرة للحدود الوطنية تهدف إلى إقامة خلافة عالمية، وهو مصدر قلق خاص بسبب محاولاته لتوحيد الشعوب التركية في آسيا الوسطى خلف رؤيته.

تبنت القوى الأوراسية في الغالب نهج الانتظار والترقب مع طالبان في الوقت الحالي. وبالرغم من إعلان طالبان قيام الإمارة الإسلامية في أأفغانستان، فإن المجتمع الدولي لا يرغب في تشكيل قوة أو تحالف عسكري مناهض لها.

لم يتم تشكيل التحالف ضد "الدولة الإسلامية" بسبب تهديدها كمنظمة إرهابية فقط ولكن أيضًا لأن الغرب والقوى الأوراسية والأنظمة العلمانية في الشرق الأوسط أرادت سحق الحركة التي بادرت بشكل جاد نحو تطبيق نظام الخلافة للمرة الأولى منذ الدولة العثمانية. لكن طالبان مختلفة، وثورتهم الإسلامية محصورة في أفغانستان.

المصدر | رضوان باري إركوستا / جيبوليتكال فيوتشرز – ترجمة وتحرير الخليج الجديد