الحرية لا تعرف "ما فيش فايدة"!

السعى إلى الحرية لا يضع شروطا استباقية للنجاح ولا يشترط أن يصل إلى محطة الحرية الكاملة.

نشرت مصادر "عربية" (نعم عربية!) تغطية للخبر بطريقة تلوم الحراسة الإسرائيلية لتهاونها في مراقبة هؤلاء الأسرى.

طبيعة التاريخ مخالفة لفكرة اليأس فالرغبة في التحرر فطرة إنسانية والأسرى الذين هربوا حققوا حلمهم حتى لو تم إلقاء القبض عليهم مرة أخرى!

السعي للحرية "عقيدة غير مشروطة النتيجة" بمعنى أن الساعي إلى الحرية لا يركن ولو بنسبة 1% إلى احتمال تحقيق حلمه لكنه يسير نحو أمله وكأنه على يقين تام بالتحقق.

*     *     *

بعد أن تمكنت إسرائيل من إعادة اعتقال بعض الأسرى الذين هربوا بطريقة أسطورية من أحد السجون بادر بعض الكتاب العرب بالعزف على اللحن القديم بأن إلقاء القبض عليهم جاء بخيانة من فلسطينيين من بني وطنهم، وهذا يعني أنه لا أمل في هذه القضية.

كان هؤلاء الكتاب قد أشاعوا منذ اللحظة الأولى أن طريقة الهروب توحي بأن فيلما سينمائيا مدبرا بحبكة فنية وليس أمرا واقعيا.

في ذات الوقت نشرت مصادر "عربية" (عربية !) تغطية للخبر بطريقة تلوم الحراسة الإسرائيلية لتهاونها في مراقبة هؤلاء الأسرى.

تصيبنا الدهشة حقا، كيف لجهة إعلامية عربية كبرى أن تحزن لهروب أسرى عرب، فقط لأنهم من فصيل سياسي مناهض لحكومة هذه الدولة العربية؟

النتيحة التي ستصل إليها وأنت تتابع المشهد كله هو أنه "ما فيش فايدة".

لكن الحقيقة أن طبيعة التاريخ مخالفة لفكرة ليأس، فالرغبة في التحرر فطرة إنسانية، وأولئك الأسرى الذين هربوا حققوا حلمهم حتى لو تم إلقاء القبض عليهم مرة أخرى.

وهناك تفاصيل مختلفة لمفهوم السجون في إسرائيل والسجون في عالمنا العربي. وأبسط مظاهر الفروقات أن سجون اسرائيل – مع التسليم بممارسة التنكيل والاعتقال والحبس والحرمان – لا تدمر شخصية السجين، وكثير ممن خرجوا من هذه السجون ربما زادت عزيمتهم وأصبحوا أكثر ثقافة ونضجا.

نحن لا نعرف شيئا عن الكفاح الفلسطيني سوى شعارات وعبارات مقولبة، وننتخب من الواقع الفلسطيني مشاهد الغدر والانقسام والخيانة فحسب، وهذا ظلم بين.

وأود أن أختم هذه الخاطرة الارتجالية باعتقاد شخصي وهو أن السعى إلى الحرية لا يضع شروطا استباقية للنجاح، ولا يشترط أن يصل إلى محطة الحرية الكاملة.

الفكرة التي لا يعرفها كثيرون هنا أن السعي إلى الحرية هو أصلا "عقيدة غير مشروطة النتيجة" بمعنى أن الساعي إلى الحرية لا يركن ولو بنسبة 1% إلى احتمال تحقيق حلمه، لكنه يسير إلى أمله وكأنه على يقين تام بالتحقق.

في زمن أفلام الأبيض والأسود تعلقنا بفيلم "أمير الانتقام" الذي يجسد فيه أنور وجدي قصة بطل مغدور ينقب السجن بطريقة ملعقة الطعام أيضا ليخرج منه لينتقم من أعدائه ثم يأخذنا في رحلة شيقة شائقة شائكة مليئة بالتشفي والمكر والخداع ورد الثأر الفردي.

في الحالة التي نتحدث عنها نحن لسنا أمام أسرى لديهم مشكلة فردية ورغبة في الانتقام لضياع تجارة أو الاختطاف من عروس في يوم الزفاف كحالة بطلنا في فيلم "أمير الانتقام"، هؤلاء الأسرى هم جزء من صورة أشمل لصراع جغرافي سياسي واستعماري... كلنا شهود عليه.

* د. عاطف معتمد أستاذ الجغرافيا بجامعة القاهرة

المصدر | facebook.com/atef.moatamed