وفرت الجغرافيا ظروفًا طبيعية خاصة لإيران حيث تقع على حدود 13 دولة، لكن الحقائق الجيوسياسية تمثل تحديًا كبيرًا أمام النظام الإيراني فيما يتعلق بتصدير النفط؛ نتيجة توتر علاقات طهران مع معظم جيرانها.

وقد يؤدي تصاعد التوترات بين طهران والمناطق الجنوبية من البلاد أو اندلاع الحرب مع جيرانها العرب إلى تهديد هدف النظام طويل الأجل المتمثل في زيادة صادرات النفط.

وتتطلب معالجة هذه الهشاشة مراجعة هيكل السياسة الخارجية لإيران وإعادة تركيز السياسة الإقليمية لمغازلة مجموعة أوسع من الشركاء المحتملين.

حقل غاز "تشالوس"

بالرغم أن إيران تمتلك ثاني أكبر احتياطيات غاز في العالم، إلا أن المستويات العالية من المفقود داخل أسواق الغاز المحلية تقلل من العائد الذي تتمتع به الدولة من مواردها الطبيعية.

ولا يوجد لدى الدولة الإيرانية نهج استراتيجي طويل الأمد تجاه صادرات الغاز، كما تفتقر إلى خطة لإنتاج الغاز للتصدير، حيث لم يكن الغاز أبدًا عنصرا في استراتيجية الطاقة الإيرانية، بالنظر إلى أن صادرات النفط هي المصدر الرئيسي لإيرادات البلاد من النقد الأجنبي.

وفي الواقع، تعمل إيران على تعزيز الاستهلاك المحلي من الغاز من أجل الحد من الاستهلاك المحلي للنفط وزيادة صادراتها النفطية. وتستهلك إيران 244 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي المنتج محليا، ولا تمثل صادرات الغاز الإيراني سوى 7% من إجمالي الاستهلاك المحلي. بعبارة أخرى، تستهلك إيران ما يقرب من 13 ضعفًا من الغاز الطبيعي الذي تصدره بالرغم من احتياطياتها الهائلة.

ولكي تفتح أسواقًا جديدة لصادرات الطاقة، يجب على وزارة النفط الإيرانية الانخراط بنشاط في دبلوماسية الطاقة في الأسواق الإقليمية للتعاون مع البلدان المصدرة والمستوردة للغاز. ويقدم اكتشاف حقل "تشالوس" (يحوي مخزونا ضخما من الغاز في بحر قزوين) فرصة مهمة لإيران لتنويع صادراتها ولعب دور أكبر في أسواق الطاقة الإقليمية.

ويقدر "علي أصولي"، الرئيس التنفيذي لـ"شركة خازار الإيرانية للاستكشاف والإنتاج" (كيبكو)، أن حقل "تشالوس" يحتوي على احتياطيات غاز تعادل ربع حقل الغاز الضخم "ساوث بارس"، الذي يحوي 18 مليار برميل من مكثفات الغاز، ويشكل حاليًا حوالي 40% من إجمالي 33.8 تريليون متر مكعب من احتياطيات الغاز في إيران وحوالي 80% من إجمالي إنتاج الغاز في البلاد.

ولدى هيكل "تشالوس" القدرة على الاحتفاظ باحتياطيات ضخمة من الغاز تبلغ 120 تريليون قدم مكعب من الغاز، وإذا تم استكشاف هيكل "تشالوس" بنجاح، فإن حجم الغاز القابل للاستخراج من هذا الهيكل وحده سيكون 5.1 أضعاف إجمالي الغاز القابل للاستخراج في أذربيجان ويعادل 30% من إجمالي الغاز القابل للاستخراج في دول حوض بحر قزوين، ةما يقدم لإيران فرصة ممتازة للاستفادة من احتياطياتها من الغاز الطبيعي والانخراط في دبلوماسية الطاقة الإقليمية.

سوق غير مطروقة

وإذا ثبتت صحة التقديرات الأولية لاحتياطيات الغاز في حقل "تشالوس"، فسيكون الغاز الإيراني قادرًا على توفير ما لا يقل عن 20% من احتياجات أوروبا من الغاز. وسيتطلب الاستغلال الناجح لهذه الثروات غير المستغلة تنسيق التصدير والأسعار والوجهة بين إيران وروسيا، حيث تهيمن الأخيرة على تصدير الطاقة إلى أوروبا.

ومع النقص المستمر في الغاز المحلي، يبقى السؤال حول ما إذا كانت إيران ستصدر الغاز إلى أوروبا حتى لو كان لديها إمكانية الوصول إلى إمدادات أكبر.

وفي تقرير بعنوان "مقارنة بين صادرات الغاز من خلال خطوط الأنابيب والغاز الطبيعي المسال"، درس "مركز الأبحاث البرلماني" في طهران ربحية صادرات الغاز الطبيعي بعيدة المدى؛ ووجد أن صادرات الغاز (سواء تم نقلها عبر خط الأنابيب أو في حاويات الغاز الطبيعي المسال) لا تمثل خيارًا اقتصاديًا مجديًا للبلد إذا ظلت أسعار النفط أقل من 50 دولارًا للبرميل، أو إذا وصلت المسافة التي يقطعها خط الأنابيب إلى أكثر من 3 آلاف كيلومتر، وينطبق هذا الشرط الأخير بالتأكيد على صادرات الغاز إلى أوروبا، فيما يظل مستقبل أسعار النفط متقلبًا.

ومما يزيد تعقيد الأمور أن الاستغلال الكبير لاحتياطيات الغاز في إيران يعتمد على الاستثمار الأجنبي واستخدام أحدث التقنيات، وهي عادة ما تكون السمة المميزة للشركات الأجنبية الكبيرة.

وطلبت شركة النفط الروسية المملوكة للدولة وأكبر منتج للنفط في روسيا من الرئيس الإيراني السماح للشركات الروسية بتصدير الغاز الطبيعي من حقل "تشالوس" واستخدام "غازبروم" كوكيل تصدير، وقد يكون مثل هذا الترتيب مفيدًا لإيران لأن روسيا هي المصدر الرئيسي للغاز الطبيعي المسال في أوروبا و"غازبروم" هي المصدر الوحيد للغاز الطبيعي في روسيا.

وقد تكون هذه القدرة التصديرية المتزايدة بمساعدة شركة "غازبروم" مفيدة لإيران، وإذا نجحت طهران في التفاوض بنجاح على إحياء خطة العمل الشاملة المشتركة الجديدة مع الغرب، فإن الشراكة مع شركة "غازبروم" ستدر عائدات كبيرة بمجرد رفع العقوبات المفروضة على صادرات الطاقة الإيرانية.

خطط أوروبا للتنويع

منذ عام 2008، حدد الاتحاد الأوروبي خطة أكثر شمولاً لاستيراد الغاز من مصادر أخرى غير روسيا عبر ما يسمى بـ"ممر الغاز الجنوبي".

وفي إطار هذا المسعى، دخل الاتحاد الأوروبي في شراكة مع أذربيجان وتركيا ومصر وجورجيا وكازاخستان والعراق لتسهيل استيراد الغاز، وينبغي لإيران أن تسعى لاستغلال هذا التطور.

وحتى عام 2017، شكلت 3 خطوط أنابيب رئيسية هذا الممر؛ وهي خط أنابيب جنوب القوقاز، وخط الأنابيب العابر للأناضول (تاناب) الذي يمر عبر تركيا، وخط الأنابيب العابر للبحر الأدرياتيكي (تاب)، الذي يمر عبر ألبانيا واليونان إلى إيطاليا.

ويتم توفير معظم الغاز في "ممر الغاز الجنوبي" من قبل أذربيجان من خلال مصادرها الواقعة في بحر قزوين بدعم مالي رسمي وصريح من الاتحاد الأوروبي. ولهذا، فمن أجل الاندماج بشكل فعال مع هذا الممر وجني ثمار زيادة القدرة التصديرية، سيتعين على إيران الانخراط دبلوماسياً مع الدول المجاورة لها.

وتجدر الإشارة أيضًا إلى أن إيران وقعت اتفاقيات استراتيجية مهمة مع الصين (اتفاقية مدتها 25 عامًا) وروسيا (اتفاقية استراتيجية لمدة 20 عامًا) والتي تؤثر على اعتباراتها الجيوسياسية عند تصدير الغاز، حيث قد تحبط مصالح الدول الأخرى الطموحات الإيرانية لتصدير الغاز الطبيعي إلى أوروبا.

وعلى سبيل المثال، تهتم روسيا بشدة بصادرات الطاقة وتعتبر الطاقة ركيزة أساسية لسياستها الخارجية، وهو ما سيكون له تداعياته على إيران، حيث أظهرت موسكو استعدادها لاستخدام أي إجراء للحفاظ على حصتها في سوق الطاقة العالمي، ولا تريد روسيا منافسًا جديدًا في السوق الأوروبية التي تعتبر الهيمنة عليه مصلحة حيوية.

مستقبل الغاز الإيراني

حتى لو كان استخراج حقل غاز "تشالوس" مجديًا اقتصاديًا، فستجد إيران صعوبة في نقله إلى أوروبا، وللتغلب على هذه العقبات، يمكن لإيران تحويل الغاز المنتج من حقل "تشالوس" إلى غاز طبيعي مسال وبيعه في السوق العالمية، لكن طهران تفتقر حاليًا إلى مرافق إنتاج الغاز الطبيعي المسال، والتي سيكون بناؤها مكلفًا ويستغرق وقتًا طويلاً.

من جهة أخرى، ينبغي أن ندرك أن الاتحاد الأوروبي يركز بشكل متزايد على تحول الطاقة ويُعطي الأولوية لتقليل حصة الوقود الأحفوري، وبالتالي فإن اتجاه الاستثمار في الطاقة المتجددة على حساب الوقود الأحفوري زاد بشكل حاد داخل الاتحاد الأوروبي، بل إن الاستهلاك السنوي للغاز الطبيعي قد انخفض في بعض الدول الأوروبية.

وتثبت هذه التطورات أن أوروبا لا تحتاج إلى واردات الغاز الطبيعي بشكل عاجل كما كانت في الماضي، وحتى لو ظهرت مثل هذه الحاجة في المستقبل، فستحتاج إيران إلى توفير رأس المال المطلوب لبناء خط أنابيب لنقل الغاز الطبيعي من حقل "تشالوس"، وهي مهمة صعبة في ظل ضغط العقوبات الاقتصادية.

وحاليا، تجد إيران نفسها في قلب منافسة جيوسياسية واقتصادية، ويعتبر حقل "تشالوس" مجرد جزء صغير من هذه المنافسة، وتشعر روسيا بالقلق من المنافسة الجيوستراتيجية الإيرانية في مجال تصدير الغاز، وبالتالي لعبت دورًا مهمًا في تحويل صادرات الغاز الإيرانية بعيدًا عن أوروبا.

ومن ناحية أخرى، يشعر الاتحاد الأوروبي بقلق عميق من الاعتماد على روسيا التي يتلقى منها أكثر من ثلث احتياجاته من الغاز، حيث أظهرت موسكو في العديد من النزاعات الجيوسياسية أنها لن تتردد في استخدام إمدادات الغاز للضغط على العواصم الأوروبية لتحقيق أغراض سياسية.

وفي حين أن الطلب الأوروبي على الغاز قد يمثل فرصة لإيران، سيتعين على طهران أن تدق إسفينًا بين أوروبا وروسيا بشأن واردات الغاز مع تجنب إغضاب بروكسل أو موسكو في خضم هذه الجهود.

المصدر | أوميد شكري/ منتدى الخليج الدولي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد