الثلاثاء 21 سبتمبر 2021 02:47 م

بعد عقود من البحث عن الذات لتعريف نفسها كدولة، تقوم مصر ببناء دولتها الحضارية الخاصة بها وتسعى للانضمام إلى نادي الدول الناشئة الذي يركز على التقاليد التاريخية والثقافية في السياسات والهياكل الإدارية ويرفضون الهيمنة الثقافية للغرب.

إن الدولة الحضارية هي النظارة التي يجب على العواصم الغربية من خلالها رؤية وفهم تحركات السياسة الداخلية والخارجية لمصر.

في أبريل/نيسان الماضي، أقامت مصر حدثًا فريدًا هو "العرض الذهبي للفراعنة"، حيث نقلت الحكومة خلاله 22 مومياء لملوك وملكات مصر القديمة من المتحف المصري إلى المتحف القومي للحضارة المصرية الذي تم إنشاؤه مؤخرًا. كان للموكب الذهبي للفراعنة هدف ثقافي وسياحي، لكنه يمثل أيضًا ويرمز إلى الخطاب الأيديولوجي الجديد للقاهرة ويهدف إلى بناء دولة حضارية بسردها الثقافي والتاريخي والسياسي المتميز.

من خلال القيام بذلك، تطمح القاهرة إلى الانضمام إلى عصبة الدول الحضارية الأخرى -بما في ذلك الصين وروسيا والهند- التي تعتقد أن أنظمتها تمثل حضارات ويجب أن تحافظ على العقيدة والتقاليد والتراث، والتي، من وجهة نظرهم، تتعارض بطبيعتها مع الديمقراطيات الليبرالية متعددة الثقافات ما بعد القومية والدينية والنظام العالمي الليبرالي المهيمن.

الهوية المتغيرة للجمهورية الجديدة

دافع الرئيس "جمال عبدالناصر" عن القومية العربية العلمانية "القومية العربية"، بينما تبنى الرئيس "أنور السادات" خطاب "مصر أولاً". ومع ذلك، في عهد "حسني مبارك"، ظلت مصر راكدة أيديولوجيا لأكثر من 3 عقود. وقد مثّلت ثورة التحرير عام 2011 لحظة فريدة في الخطاب الأيديولوجي المصري مع ظهور العديد من الروايات السياسية التي تنافست على تعريف مصر، بشكل أساسي "الإخوان المسلمون" و"القوميون".

منذ عام 2013، كانت مصر في رحلة لتحديد الهيكل السياسي الناشئ للبلاد بعد "مبارك" ما بعد الثورة. ورث حكام مصر الجدد مجتمعا استهلكته الاضطرابات السياسية والصراعات الاجتماعية، ويواجه تمردًا إسلاميًا متزايدًا في سيناء والبر الرئيسي.

منذ عام 2013، كانت الحكومة في القاهرة عدوًا لدودًا للإسلام السياسي، سواء في مصر أو في جميع أنحاء المنطقة، وكانت من أشد المنتقدين للمؤسسة الدينية لرفضها تجديد الخطاب الديني واستعادة الدين من المنظمات الإرهابية. بالإضافة إلى رفضها للحركات الإسلامية، لم تتبنَّ حكومة الرئيس "عبدالفتاح السيسي" السردية الناصرية أيضًا. وقد أمضى "السيسي" فترة ولايته الأولى في البحث عن نموذج يناسب رؤيته لمصر الجديدة والجمهورية التي يلتزم ببنائها. ليس من المستغرب أن يظهر التراث الفرعوني المصري مرة أخرى كأساس لمصر "السيسي".

ما هي دولة الحضارة؟

على عكس الدولة القومية "الويستفالية"، تشير الدولة الحضارية إلى الأمم ذات الطبيعة الاجتماعية والسياسية المتميزة التي تنبع من وحدتها الثقافية واستمراريتها التاريخية، وهناك دول قائمة تشمل الصين والهند وروسيا وتركيا.

ومن وجهة نظر "برونو ماتشيس"، يتم تنظيم الدولة الحضارية حول الثقافة بدلاً من السياسة ويجب أن تحمي تقاليدها الثقافية. يرتبط صعود الدولة الحضارية بصعود القوى الآسيوية التي تتحدى الثقافة الغربية الحالية ونظام القيم الذي سيطر على المسرح العالمي منذ الهيمنة الأوروبية. يجادل "ماتشيس" بأن "الدول القومية هي اختراع غربي، وبطبيعة الحال عرضة للتأثير الغربي، والحضارات هي بديل للغرب".

التعريف الاستعماري لمصر

أعطى الغزو الفرنسي لمصر (1798-1801) واحتلال بريطانيا العظمى لمصر (1882-1956) احتكارًا استعماريًا لباريس ولندن لعلم المصريات والسيطرة المادية على التراث المصري نفسه.

وفي التصور الاستعماري الغربي، كانت الحضارة المصرية "الفرعونية" القديمة جزءًا من تراث أوروبا بسبب الروابط العرقية والثقافية "المتصورة" مع روما واليونان. ونتج عن ذلك غزو استعماري متعمد لإثبات الطبيعة الأوروبية لمصر القديمة، وفصلها عمداً عن الحضارات القبطية والإسلامية التي تلتها.

وقد أدى هذا في النهاية إلى حدوث انقطاع في الهوية الثقافية المصرية، ما جعل مصر القديمة تبدو وكأنها حضارة غريبة بالنسبة للمصريين المعاصرين، الذين يرتبطون في المقام الأول بالحضارات الإسلامية والقبطية.

ببساطة، كان علم المصريات معدّاً من قبل الأوروبيين للأوروبيين دون أي إدراج للمصريين في دراسة وفحص تراثهم حتى ثورة 1919 ضد الاستعمار البريطاني.

بعد ثورة 1919، سعت الحركة الوطنية المصرية المشكلة حديثًا إلى تمصير التراث المصري وسحبه من الاستعمار البريطاني والأوروبي. وقاتلت حكومة حزب الوفد المنتخبة ديمقراطياً -بقيادة "سعد زغلول"، زعيم ثورة 1919- الاستعمار البريطاني على ملكية مقبرة الملك "توت عنخ آمون".

نجحت حكومة "زغلول" في الاحتفاظ بكنوز الملك "توت عنخ آمون" في المتحف المصري، وهي معركة ركزت على دور التراث المصري القديم في تشكيل القومية المصرية.

قضية الدولة الحضارية المصرية

وبالمضي سريعًا إلى الأمام حتى عام 2021، فإن مصر دولة التي تضم 100 مليون نسمة تكافح للخروج من الاضطرابات السياسية والصراع الاجتماعي والتمرد الإسلامي في شمال سيناء الذي سيطر على فترة ما بعد ثورة التحرير.

تتميز مصر في الوقت الحاضر بخلافاتها العامة مع المؤسسة الدينية المحلية، وبصراعها مع الإسلام السياسي، وعدم ارتياحها للعروبة. وقد تزامن الأخيران مع علاقات مصر المضطربة والمعارضة المفتوحة -في أعقاب الثورة- مع الغرب ونظام قيمه الذي يركز على الحقوق الفردية. في النهاية، بدأت القاهرة في النظر في نموذج جديد يلخص رؤيتها للجمهورية المصرية الجديدة.

العرض الذهبي للفراعنة

أعطت الجمهورية الجديدة المتصورة الأولوية لتقديم مصر المعاصرة على أنها استمرار لمختلف الحضارات القديمة في مصر. مما لا يثير الدهشة، أنه في العرض الذهبي للفراعنة، تم إرسال 22 مومياء ملكية إلى متحف الحضارة المصرية، جنبًا إلى جنب مع القطع الأثرية التي تنتمي إلى عصور مختلفة من مصر: الفرعونية، والبطلمية، والقبطية، والإسلامية.

بالإضافة إلى ذلك، تضمن موكب المومياوات أغنية مصرية قديمة مستخرجة من أغنية "ترانيم لإيزيس" مع أداء راقص لافت للنظر. واختُتم العرض بالترحيب بالرئيس "السيسي" واحترامه لـ22 مومياء ملكية، وهو رمز للانتقال السلس بين الماضي والحاضر حيث ينقل ملوك وملكات مصر العظيمة الهراوة إلى رئيسها الحالي، "السيسي". وقد نظر العديد من المصريين -وخاصة الطبقة الوسطى في المدن الكبرى- إلى العرض الذهبي للفراعنة على أنه محاولة جادة وإيجابية بقيادة الدولة لإعادة تصور الهوية المصرية واحتضان التراث الفرعوني باعتباره حجر الزاوية لها. وقد كانت لحظة نادرة للالتفاف حول العلم.

ما بعد العرض

في حين أن العرض الذهبي للفراعنة هو التمثيل المرئي الأكثر رمزية للدولة الحضارية المتصورة في مصر حتى الآن، فإن هناك جهدا منهجيا أوسع لاحتضان الرموز الفرعونية في المدن الجديدة قيد الإنشاء حاليًا، من القصر الرئاسي على شكل "عنخ آمون" إلى ساحة الشعب الجديد، ومن المقر الثماني الجديد لوزارة الدفاع إلى القصر الرئاسي الجديد بالساحل الشمالي. وإلى جانب إدراج الرموز الفرعونية ونجاح العرض الذهبي للفراعنة، فقد أعلنت وزارة التربية والتعليم عن تدريس اللغة الهيروغليفية في المدارس، مما يشير إلى مدى جدية الحكومة في رغبتها في دمج الهوية الفرعونية في النظام التعليمي.

نظام ليبرالي دولي غير عادل

يعتقد الجيش ومؤسسة السياسة الخارجية والمؤسسات الفكرية في مصر على نطاق واسع أن النظام الدولي الليبرالي هو وسيلة للهيمنة الثقافية الغربية. اقترن هذا الاعتقاد بالغزو الأمريكي للعراق عام 2003 واشتد بعد الربيع العربي وتأثيره الجذري على الديناميكيات الأوسع داخل الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وفي الواقع، فإن بناء دولة حضارية مصرية على أساس تقاليدها الثقافية المتميزة يخدم مصر كطريقة للرد على النظام الدولي الليبرالي الذي يهيمن عليه الغرب وقيادته وقيمه الثقافية الليبرالية والتدخل الليبرالي.

لا يخجل المسؤولون المصريون من سخطهم على النظام الدولي الليبرالي في لقاءاتهم مع نظرائهم الغربيين. والجدير بالذكر، أن "السيسي" دحض في مؤتمر صحفي مشترك مع الرئيس "إيمانويل ماكرون" في عام 2020، تعريف "ماكرون" لليبرالية الغربية وأوضح أن جمهوريته تؤمن بأن القيم الدينية المستوحاة من الله -في إشارة إلى الديانات الإبراهيمية الثلاثة- هي أقدس وتحل محل القيم الغربية المنشأ والتي يهيمن عليها الإنسان.

مصر.. دول الحضارة وصعود البقية

من خلال خلق استمرار حضاري بين مصر القديمة ودولة مصر الحديثة بخصائصها الإسلامية، تهدف الحكومة المصرية إلى بناء دولة حضارية متميزة تقف على النقيض من الدولة القومية الغربية التي يهيمن عليها الغرب وقيمها الليبرالية.

في نهاية المطاف، ستنضم مصر إلى نادي دول مثل الصين وروسيا والهند وهي الدول الحضارية البارزة التي تركز تقاليدها التاريخية والثقافية في سياساتها وهياكلها الإدارية وترفض "الهيمنة الثقافية" للغرب.

لفهم مصر اليوم لابد من الاعتراف بأن القاهرة تبني دولتها الحضارية الخاصة بها. وإذا كانت السياسة العالمية تقترب من عصر التعددية القطبية وصعود البقية، فإن حالة مصر ليست فريدة من نوعها، وقد تمثل الدول الحضارية القاعدة الجديدة.

المصدر | محمد سليمان | معهد الشرق الأوسط - ترجمة وتحرير الخليج الجديد