الاثنين 20 سبتمبر 2021 09:45 ص

«أوكوس» طعنة ثلاثية في الظهر الفرنسي

تلقت فرنسا طعنة جديدة من حلفائها الغربيين واستمرار العلاقة الاستثنائية للدول الناطقة بالإنجليزية عبر الأطلسي!  

يمثل التفكك الغربي فرصة للصين وروسيا ويبدو أن إدارة بايدن ورغم الشعارات الرنانة ستستمر في مسلسل التردد والخطأ والاعتذار في سياستها الخارجية.

يترافق هذا التوتر كله مع عزلة فرنسية ناتجة عن سياسات ماكرون الخارجية التي تحاول استدعاء الدور التاريخي لفرنسا مع غياب قوتها وتأثيرها السابقين.

عاد العداء البريطاني الفرنسي يطل بوجهه مع تلقي باريس طعنة بريطانية جديدة إثر قرار أستراليا إلغاء عقد الغواصات الفرنسية والتحول نحو بريطانيا وأمريكا.

اتسع نطاق التوتر حين ظهر أن سويسرا أيضا ألغت عقداً لشراء مقاتلات فرنسية لتستبدل بها أخرى أمريكية ما حدا ماكرون إلغاء لقاء مقرر مع رئيس سويسرا.

تكرر إبعاد أوروبا عن ملف الصين ومواجهتها أمريكيًا بعد خلاف حاد في الناتو حول التعامل مع التهديد الصيني وسبق الاتفاق الثلاثي اتفاق رباعي بين أمريكا وأسترالياا الهند واليابان.

*     *     *

في الثالث من يوليو عام 1940 فوجئ الأسطول الفرنسي في ميناء المرسى الكبير في الجزائر بهجوم بريطاني مباغت، بعد ساعات قليلة هدأ صوت المدفع وهدير الطائرات ليكتشف الفرنسيون خسارة 1297 من البحارة وغرق سفينة وإعطاب خمس سفن أخرى!

جاء هذا الهجوم بعد استسلام فرنسا لقوات ألمانيا وإيطاليا وتوقيع اتفاقية سلام معها، ورغم تأكيدات الأدميرال فرانسوا دارلان أنه لن يسلم الأسطول الفرنسي لحكومته المتصالحة مع ألمانيا إلا أن وينستون تشرشل وحكومته وجدوا أن ترك الأسطول بهذا الشكل مغامرة لا يمكن القبول بها.

كانت هذه الخسارة الفرنسية الأكثر إيلاماً في الحرب بعد سقوط باريس، وظلت العلاقات الفرنسية البريطانية في حالة توتر حتى بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بل وحتى رحيل شارل ديغول الرئيس الفرنسي الذي كان في لندن يلقي بيان المقاومة الأول فيها قبل شهر من الحادثة.

ديغول منع بريطانيا من دخول اتحاد الفحم والحديد الأوروبي وخلفه التجمع الاقتصادي الأوروبي، ولم تدخل بريطانيا النادي الأوروبي الذي جاءت الدعوة لتأسيسه من تشرشل نفسه إلا عام 1973 بعد تولي بومبيدو رئاسة فرنسا.

هذا السرد التاريخي يعود بالأذهان إلى حقبة صعبة تمثل امتداداً لقرون من العداء البريطاني الفرنسي، هذا العداء يطل بوجهه هذه الأيام مع حديث باريس عن طعنة بريطانية جديدة في الظهر إثر القرار الاسترالي بإلغاء عقد الغواصات مع فرنسا والتحول نحو بريطانيا وواشنطن، الرد الفرنسي جاء عالي الصوت عبر استدعاء السفراء للتشاور.

أما البريطانيون فجاءت تصريحاتهم باردة بشكل يتناسب مع السلوك الإنجليزي السياسي بتصريح مفاده أن الاتفاق الدفاعي الثلاثي (أوكوس) البحري لا يستهدف دولة بعينها بالضرر.

فرنسا فعلت دبلوماسيتها بشكل متسارع متوعدة بمراجعة شاملة لتحالفاتها ولميثاق حلف الناتو، وفي ترقب حذر رحبت باريس بطلب بايدن إجراء اتصال مع ماكرون في أقرب وقت.

لكن التوتر اتسع نطاقه حين ظهر أن سويسرا هي الأخرى ألغت عقداً لشراء مقاتلات فرنسية لتستبدلها بأخرى أمريكية، ما حدا بماكرون إلى إلغاء لقاء مقرر مع رئيس الاتحاد السويسري، يترافق هذا كله مع عزلة فرنسية ناتجة عن سياسات ماكرون الخارجية التي تحاول استدعاء الدور التاريخي لفرنسا مع غياب قوتها وتأثيرها السابقين.

الاتحاد الأوروبي بقوتيه الرئيستين فرنسا وألمانيا تنفسوا الصعداء جماعياً بعد رحيل ترمب خاصة مع تأكيدات بايدن على ضرورة العودة لتقوية التحالفات التاريخية لواشنطن عبر الأطلسي.

لكنها على ما يبدو فرحة لم تتم مع تكرار إبعاد أوروبا عن ملف الصين ومواجهتها أمريكيا، بعد الخلاف الحاد في الناتو حول أسلوب التعامل مع التهديد الصيني، الاتفاق الثلاثي سبقه اتفاق رباعي بين واشنطن وكانبرا ونيودلهي وطوكيو لذات الغرض.

وفي إطار الخلاف الحالي تحاول فرنسا توثيق علاقتها بالهند كبديل استراتيجي، ولكن فرنسا، القوة الآفلة منذ عقود، ليست شريكاً مغرياً خاصة مقارنة بأمريكا.

طعنة جديدة تتلقاها فرنسا من حلفائها الغربيين، واستمرار للعلاقة الاستثنائية للدول الناطقة بالإنجليزية عبر الأطلسي، هذا التفكك الغربي لا شك يمثل فرصة للصين ومن بعدها روسيا، أما إدارة بايدن فيبدو أنها ورغم الشعارات الرنانة ستستمر في مسلسل التردد والخطأ والاعتذار في سياستها الخارجية.

* د. ماجد محمد الأنصاري أستاذ الاجتماع السياسي بجامعة قطر

المصدر | الشرق