الثلاثاء 21 سبتمبر 2021 01:11 م

تردد في إدلب صدى ما حدث في كابل قبل انتصار "طالبان" بوقت طويل، حيث أثرت الحركة الأفغانية على استراتيجية وخيارات "هيئة تحرير الشام" التي كانت تراقب الوضع منذ بداية مفاوضات "طالبان" مع الأمريكيين في الدوحة قبل سنتين.

وكان الدرس الرئيسي المستفاد بالنسبة لـ"هيئة تحرير الشام" هو أن الابتعاد عن تنظيم "القاعدة" والامتناع عن إطلاق عمليات خارجية قد يؤدي إلى قبول دولي.

تمهيد لتحركات براجماتية جريئة

ومن خلال تحليل خطاب "هيئة تحرير الشام"، نجد أن هذا النهج لم يتم تقديمه داخليا فقط باعتباره مربحا استراتيجيا وإنما تم شرعنته دينيا أيضًا، بموجب مبدأ "المصلحة العامة" الإسلامي.

وبالتالي فإن هذه المبررات الدينية إلى جانب نجاح "طالبان"، تمهد الطريق لتحركات براجماتية أكثر جرأة من قيادة "هيئة تحرير الشام" التي قد تتخذ شكلًا من التعاون مع تركيا وما يسمى بـ"الجيش الوطني السوري" الذي تدعمه.

وبدأت "هيئة تحرير الشام" بالفعل في استخدام ما حدث في أفغانستان في حملات التجنيد وفي محاولاتها للفوز بدعم قادة الجهاديين والمنظّرين الذين يشككون في فعالية نهج "الجولاني" في طمأنة الغرب ونفي تهمة الإرهاب.

الابتعاد عن "القاعدة"

وخلال السنوات الأربع الماضية، انفصلت "هيئة تحرير الشام" أيديولوجيا واستراتيجيا وتنظيميًا عن "القاعدة". وكانت الجماعة تسمى سابقًا بـ"جبهة النصرة"، وقد دفعها الخوف من هيمنة تنظيم "الدولة الإسلامية" في أبريل/نيسان 2013، لأن تصبح رسميا الفرع السوري لـ"القاعدة".

ولكن في يوليو/تموز 2016 بعد التدخل العسكري الروسي الثقيل، قام "الجولاني" بإعادة تسمية الجماعة لتصبح "جبهة فتح الشام"، وأعلن أنها لم تعد فرعا من تنظيم "القاعدة". وردا على ذلك، أعلن مجموعة من الجهاديين المتشددين عن جماعة سموها "حراس الدين"، لتكون الممثلة الجديدة لـ"القاعدة" في سوريا.

ومنذ أوائل عام 2017، كانت استراتيجية "الهيئة" هي ركوب موجة المعارضة السورية والتعبير عن أجندتها المحلية، لذلك كان من الحتمي أن تشتبك "هيئة تحرير الشام" مع "حراس الدين"، لكن سرعان ما أصبح من الواضح أن "الهيئة" كانت قادرة على احتواء "حراس الدين" وأي متعاطفين مع "القاعدة" في شمال غرب سوريا.

أما اليوم، فلا توجد علاقة بين "هيئة تحرير الشام" وتنظيم "القاعدة" ببساطة لأن أي تفاعل مفتوح أو تعاون مع تنظيم "القاعدة" سيقوض محاولاتها المستمرة لإظهار "الاعتدال" و "الانتماء السوري"، وهي ركائز استراتيجيتها لتأمين الاعتراف الإقليمي والدولي لسلطتها في شمال غرب سوريا.

وهناك عاملان أعطيا لـ"هيئة تحرير الشام" القدرة على البقاء العسكري رغم أنها تبدو محصورة في إدلب. أولا هو استحواذ "النصرة" سابقًا على القواعد العسكرية الاستراتيجية مثل قاعدة "أبو الظهور" الجوية، وقاعدة "مصطومة" مع معظم ما تحتويانه من مركبات وذخيرة ومعدات، كما استحوذت أيضا على أسلحة مهمة واستراتيجية من فصائل الجيش السوري الحر مثل "الفرقة 13" و"حركة حزم".

وثانيا، صحيح أنه كانت هناك مواجهات متقطعة حول المناطق التي تسيطر عليها "هيئة تحرير الشام"، إلا أنه لم تحدث أي عمليات عسكرية كبرى منذ إنشاء مناطق تهدئة التصعيد و"مواقع المراقبة" حول إدلب في أواخر عام 2018، مما سمح لـ"هيئة تحرير الشام" بالحفاظ على الكثير من قدراتها.

أما بالنسبة للعامل الاقتصادي، فيُعتقد أن التمويل الخارجي للهيئة لا يتخطى الحد الأدنى (إن كان هناك تمويل)، لهذا تحولت المجموعة إلى الاعتماد على الاقتصاد المحلي من خلال الضرائب والتعريفات، بما في ذلك الإيرادات الناتجة عن المعابر الحدودية، بالإضافة إلى إدارة القطاع المصرفي والزكاة.

والأهم من ذلك، أن المجموعة تستفيد بشكل كبير من المصادر الدينية المحلية التي تجمع التبرعات من الأفراد والجمعيات الخيرية الإسلامية.

هل ستكون إدلب مثل درعا؟

لم تتوقف قوات النظام السوري وروسيا عن مهاجمة أطراف إدلب منذ سيطرة "هيئة تحرير الشام" على المحافظة، ولكن هناك تشابهات واختلافات بين السياقات في الجنوب والشمال الغربي، حيث يريد نظام "الأسد" استعادة السيطرة الكاملة على المحافظتين بأي وسيلة ممكنة.

ويميل النظام السوري في درعا على ما يبدو إلى التفاوض على اتفاق محلي وإرسال أولئك الذين رفضوه إلى الشمال الغربي، وهي الاستراتيجية التي ثبت نجاحها في الماضي وشجعتها روسيا، لكن التعامل مع الوضع في إدلب أكثر تعقيدًا.

ويعود هذا إلى قوة "هيئة تحرير الشام" وتشابكها في النسيج الاجتماعي الشمال الغربي، والذي هو أيضا المعقل الوحيد المتبقي للمعارضة.

وإذا شن النظام هجوما بريا واسعا، فمن شأن ذلك أن يدفع "هيئة تحرير الشام" لمد يدها لفصائل "الجيش الوطني السوري" الذي لديه مصلحة في توسيع منطقة عملياته وأخذ حصة في حكم إدلب. وهكذا ستصبح الجهود المبذولة لعزل "الهيئة" مستحيلة تقريبا، مما يقوض أهم أولويات روسيا في سوريا.

إظهار الطابع المحلي

طلبت "هيئة تحرير الشام" مؤخرًا من القبائل في إدلب أن تنسق معها، بما في ذلك تشكيل مجلس شورى ومجالس لشؤون العشائر، ويمكن رؤية هذه الخطوة من زاويتين.

أولًا، هناك مصلحة مشتركة لدى كل من "هيئة تحرير الشام" والقبائل المحلية في تشكيل مجالس الشورى القبلية، فمن شأن ذلك السماح لـ"هيئة تحرير الشام" بأن تظل اليد العليا وتثبت هيمنتها باعتبارها صانعة القرار السياسي في إدلب. أما بالنسبة للقبائل، فإن ذلك يحافظ على دورها التقليدي ويمنحهم رأيًا في إدارة الشؤون الاجتماعية والقضائية.

ومن ناحية أخرى، فإن إنشاء مجالس قبلية يعكس تعمق انخراط "هيئة تحرير الشام" في السياق السوري، حيث تريد إظهار طابع محلي لها بعد انفصالها عن الجهاد العالمي، زاعمة أنها تمثل إرادة العرب السنة في سوريا.

ويمكن أن ينظر إلى تشكيل مجالس شورى القبائل كتحرك آخر من قبل "هيئة تحرير الشام" لتعزيز مشاركتها في الشؤون المحلية وإثبات فهمها للديناميات الاجتماعية المحلية.

الاستعداد لانسحاب أمريكي

أما بالنسبة للمستقبل الذي ينتظر الجماعة المحاصرة من كل الجوانب بالنظام السوري أو تركيا، والمدرجة على قوائم المنظمات الإرهابية في العديد من البلدان، في ظل شعبية جماهيرية غير عالية، فبالرغم من كل ذلك ما زال أمام "الهيئة" مسارات واعدة ممكنة حيث لا يزال هناك إمكانية لشطبها من قوائم الإرهاب، و"الحوثيون" في اليمن مثال على ذلك.

ويمكن إزالة "هيئة تحرير الشام" من قوائم المنظمات الإرهابية، بعد تدقيق طويل وشامل في وعودها بالسماح بالنشاط المدني والاستعداد لفتح السجون ومراكز الاحتجاز لتفتيش منظمات حقوق الإنسان.

كما يعد الطريق ممهدًا أمام "الهيئة" للتعاون مع تركيا، سواء بشكل مباشر من خلال حكومة إنقاذ تابعة للجماعة في إدلب أو بشكل غير مباشر من خلال التعاون عسكريا مع الفصائل المدعومة من تركيا في الشمال.

وهناك بالفعل دلائل على وجود تقارب بين "هيئة تحرير الشام" وبعض فصائل "الجيش الوطني السوري"، ويأتي هذا على خلفية عدة تطورات.

أولا، تواجه "هيئة تحرير الشام" ضغوطا متزايدة سواء من المتطرفين الساخطين على براجماتية "الجولاني" والسكان المحليين الساخطين على إدارة المجموعة للشؤون الاجتماعية والاقتصادية. ويزيد ذلك من احتمالية تحرك "الهيئة" أكثر نحو تقبل تركيا كراعية إقليمية والامتثال للمبادرات الدولية من أجل السلام والمصالحة في المستقبل، أوعدم الوقوف في وجهها على الأقل.

ثانيا، ستستفيد "الهيئة" من هيمنتها الفعلية على إدلب لمحاولة تأمين اعتراف بدورها وسلطتها للتعويض عن الشرعية العسكرية المتناقصة.

ثالثا، فإن هناك مخاوف لدى جميع الجهات المعنية بالصراع السوري حول ما تردد بشأن انسحاب أميركي مفاجئ، على غرار ما حدث في أفغانستان مؤخرا.

لكن هذا السيناريو لا يزال غير مرجح نظرا لأن الوضع في سوريا مختلف إلى حد كبير كما أن انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان جاء بعد التوصل الى اتفاق مع حركة "طالبان".

لكن مجرد وجود هذه الاحتمالية تدفع جميع الأطراف الفاعلة، بما في ذلك "هيئة تحرير الشام"، للتحضير لهذا السيناريو لأنه إذا حدث فسوف يغير ميزان القوى لصالح إيران وروسيا والنظام على الأرجح.

المصدر | عزام القصير - مركز كارنيجي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد