الخميس 30 سبتمبر 2021 10:13 ص

مع تقليص الولايات المتحدة لالتزاماتها في جميع أنحاء الشرق الأوسط، سيزداد اعتمادها على الشركاء الإقليميين. وقد انسحبت إدارة الرئيس الأمريكي "جو بايدن" بالفعل من أفغانستان ووعدت بإبعاد القوات الأمريكية في العراق عن الأدوار القتالية. وتمهد هذه الاتجاهات الطريق لدور إقليمي أكثر نشاطا وأهمية لقطر.

وتتمتع قطر بموقع استراتيجي وقد أظهرت ديناميكية دبلوماسية مميزة في توسطها بين الولايات المتحدة والجماعات الإسلامية المعادية لأمريكا. وبينما تعيد الولايات المتحدة تركيز جهودها على شرق آسيا، فإنها تتطلع إلى شركاء نشطين مثل قطر لتعزيز مصالحها في المنطقة.

واكتسبت قطر أهمية كشريك استراتيجي للولايات المتحدة في العقود الأخيرة بسبب الوجود العسكري الأمريكي الكبير في شبه الجزيرة العربية. وتستضيف قطر أكبر قاعدة أمريكية في الشرق الأوسط، حيث رحبت الدوحة بتوسيع قاعدة "العديد" الاستراتيجية في الوقت الذي أبدت فيه العديد من دول الخليج الأخرى الحذر والحساسية بشأن تواجد القوات الأمريكية على أراضيها.

وتعتبر المنشآت العسكرية الأمريكية في قطر مركزية أيضا للوضع الاستراتيجي للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، حيث إنها بمثابة "مركز قيادة وقاعدة انطلاق ومنصة لوجيستية للأنشطة العسكرية الأمريكية في جميع أنحاء منطقة عمليات القيادة المركزية الأمريكية".

على سبيل المثال، أصبحت هذه القواعد ذات أهمية قصوى خلال عملية غزو أفغانستان والعراق. كما أنها تعد رادعا مهما لإيران، فضلا عن  الدور الفعال الذي لعبته في مكافحة الإرهاب في العديد من الدول مثل العراق وسوريا.

وفي الأعوام الأخيرة، تجاوزت الدوحة دورها اللوجستي من خلال قيادة جهود الوساطة بين الولايات المتحدة وحلفائها ومختلف الجماعات الإسلامية. وتاريخيا، أدى صعود الحركات الإسلامية في الشرق الأوسط إلى قيام الدول المهتمة بالتفاوض معها، حتى لو كان ذلك لأهداف محدودة وتكتيكية.

ومن الأمثلة على ذلك حركة حماس التي فازت في الانتخابات الفلسطينية وحكمت غزة منذ عام 2006. وبمباركة واشنطن، وعدت الدوحة في عام 2014 بتقديم مليار دولار لإعادة إعمار غزة بعد فترة قصيرة لكنها مدمرة من الحرب بين حماس وإسرائيل.

وفي عام 2018، ساعدت قطر إسرائيل عبر تحويل أموال الإغاثة للفلسطينيين الفقراء، وربما ساهم ذلك في تجنب حرب أخرى في غزة. وخلال العام الحالي، توسطت الدوحة في وقف إطلاق النار بين غزة وإسرائيل لإنهاء حرب استمرت لأسابيع.

وحالت المساعدات التي تقدمها قطر لسكان غزة دون وقوع كارثة إنسانية، وقللت من احتمال اندلاع مزيد من الاشتباكات العسكرية بين حماس وإسرائيل.

ولعبت قطر أيضا دورا أساسيا في جلب كل من الولايات المتحدة وطالبان إلى طاولة المفاوضات حيث سعت الولايات المتحدة إلى تخليص نفسها من مستنقع أفغانستان. وفي وقت مبكر من عام 2010، وصل ممثلو طالبان إلى الدوحة للتفاوض على اتفاق سلام وتبادل الأسرى. بعد ذلك، سهلت قطر العديد من جولات المفاوضات بين طالبان من جهة، والولايات المتحدة والحكومة الأفغانية من جهة أخرى.

وفي فبراير/شباط 2020، وقعت الولايات المتحدة وطالبان اتفاق سلام في قطر؛ فيما استمرت المفاوضات بين الحكومة الأفغانية وطالبان في وقت لاحق.

وبعد أن سحبت الولايات المتحدة قواتها من أفغانستان، ظلت قطر واحدة من الدول القليلة المشاركة في محادثات دبلوماسية نشطة مع كابل، ومن المقرر أن تساعد في استئناف العمل في مطار كابل.

وبالرغم من الانتقادات الموجهة لقطر بسبب صلاتها بالحركات الإسلامية، فإن قدرتها الناجحة على التوسط تظهر فائدتها للقوى الكبرى. وبالفعل، صرح المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية "ديفيد بتريوس" أن الولايات المتحدة طلبت من قطر استضافة وفدي حماس وطالبان.

وأخيرا، أثبتت قطر أنها شريك مهم في أفغانستان عندما ظهرت أزمة إجلاء الولايات المتحدة لمواطنيها والأفغان الذين عملوا مع الولايات المتحدة لعقود. وقد هبط ما يقرب من 40% (58 ألف شخص) ممن تم إجلاؤهم من أفغانستان في قطر.

وبنت الحكومة القطرية مستشفى ميداني للطوارئ، وشيدت ملاجئ للأفغان، وتواصل تقديم أكثر من 50 ألف وجبة لهم في اليوم. علاوة على ذلك، عرضت الخطوط الجوية القطرية استخدام 10 طائرات لنقل الأفغان من الدوحة إلى دول أخرى.

وحازت هذه الجهود على إشادة العديد من الأصوات في الولايات المتحدة، بما في ذلك وزير الخارجية "أنتوني بلينكين" ووزير الدفاع "لويد أوستن".

وتسمح الاستراتيجية الجديدة للولايات المتحدة في الشرق الأوسط لدول الخليج مثل قطر بتعزيز شراكتها مع الولايات المتحدة من خلال التعاون اللوجستي والدبلوماسية الذكية. ولدى قطر مصلحة راسخة في بيئة دولية مستقرة، وهي تشترك مع الولايات المتحدة في هذا الهدف. وهكذا، مع تراجع ​​الوجود الأمريكي على الأرض، سوف يزداد أهمية دور قطر الإقليمي.

المصدر | مصعب الألوسي - منتدى الخليج الدولي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد