الأحد 3 أكتوبر 2021 03:06 ص

بعد مرور 3 سنوات على مقتل الصحفي السعودي "جمال خاشقجي" داخل قنصلية المملكة في إسطنبول بأوامر من ولي العهد "محمد بن سلمان"، لم تحاسب الولايات المتحدة القيادة السعودية عن تلك الجريمة والجرائم الأخرى الكثيرة التي ارتكبتها قواتها ووكلائها في اليمن.

ومما يدلل على ذلك زيارة "جيك سوليفان" مستشار الأمن القومي لـ"بايدن"، الذي سافر إلى السعودية يوم الإثنين واجتمع مع "بن سلمان" في نيوم. وفي حين أن "بايدن" ليس متحمسا للعلاقات مع السعودية مثلما كان سلفه، إلا أن عملية "إعادة ضبط العلاقات" التي وعد بها كانت محدودة وتجميلية فحسب.

تراجع عن الوعود

وخلافًا لمعاملة السعودية كـ"منبوذة" وفق تعهد "بايدن" عندما كان مرشحا، عززت إدارة "بايدن" ببطء وهدوء العلاقات مع الرياض، فضلا عن إعطاء ضوء أخضر لانتهاكات الحكومات التابعة للولايات المتحدة في مصر و الإمارات.

وبصرف النظر عن التعهد الكلامي بإنهاء الدعم الأمريكي لـ"العمليات الهجومية" السعودية في اليمن، فإن إدارة "بايدن" قامت بتغييرات محدودة بخصوص العلاقة مع السعودية ولم تفعل شيئًا للوفاء بتعهداتها المتكررة بشأن وضع حقوق الإنسان في قلب سياستها الخارجية، ومع إن هذا التغير في المواقف كان متوقعًا، إلا إنه نفاق غير مقبول.

قد تجادل الإدارة الأمريكية بأنه من الضروري مقابلة ولي العهد لإحراز تقدم في بعض القضايا، إلا إنه لا يوجد ما هو أسوأ من توقيت اجتماع "سوليفان" مع ولي العهد قبل وقت قصير من الذكرى الثالثة لاغتيال "خاشقجي".

وهذا هو السبب الذي دفع منظمة "الديمقراطية للعالم العربي الآن" (DAWN)، وهي منظمة الديمقراطية وحقوق الإنسان التي أسسها "خاشقجي"، لإدانة تلك الزيارة عبر تغريدة تقول: "قبل أيام من الذكرى السنوية الثالثة لقتل جمال خاشقجي، أعلن البيت الأبيض عن زيارة عالية المستوى إلى الرياض.. يجب على جيك سوليفان وبريت مكجورك ألا يلتقيا مع مهندسي عملية الاغتيال".

الديكتاتوريات تفلت من العقاب

ومن خلال القرار السابق بعدم معاقبة "بن سلمان" واجتماع "سوليفان" هذا الأسبوع، يتبين أن إدارة "بايدن" فتحت الباب لولي العهد السعودي ليفلت بفعلته في وقت كان ينبغي فيه أن تمارس الإدارة الأمريكية ضغطا أكبر.

ويأتي الاجتماع أيضا في أعقاب أشهر من فشل الضغوط على التحالف الذي تقوده السعودية لرفع الحصار عن اليمن، في وقت يتصاعد فيه تهديد المجاعة في البلاد. وأفادت تقارير بأن "سوليفان" ناقش حرب اليمن مع "بن سلمان" وأن هدف الاجتماع هو تحقيق قبول سعودي بوقف إطلاق النار.

وإذا كانت الإدارة الأمريكية قد حصلت على التزام سعودي جديّ بوقف إطلاق النار، فسيكون هذا تطورًا مرحبًا به. ولكن في غياب ضغط حقيقي، من غير المرجح أن يفعل ولي العهد ما يطلبه "سوليفان".

ومن المرجح أن يقاوم "بن سلمان" المطالبات بإنهاء الصراع وأن يصر على ضرورة استمرار الدعم الأمريكي، ولن تتعاون الحكومة السعودية بشكل كامل ما لم تعتقد أن العلاقة مع الولايات المتحدة على المحك، وما لم تضغط عليها إدارة "بايدن".

وافترضت الحكومات الاستبدادية في الشرق الأوسط أنها قادرة على الإفلات من العقاب لأن واشنطن ترفض معاقبتها بغض النظر عن ما تفعله، وقد وصل الأمر حد تورط مسؤولين إماراتيين في جهود ضغط عبر "توم باراك" داخل إدارة "ترامب"، دون أن تكون هناك عواقب عملية على دولة الإمارات أو المسؤولين وعلى رأسهم ولي عهد أبوظبي "محمد بن زايد".

وتعد الإمارات مسؤولة أيضا عن العديد من جرائم الحرب في كل من ليبيا واليمن، وقد ارتكبت العديد منها بأسلحة أمريكية، ومع إن ذلك يوجب ألا تتلقى الإمارات أي مساعدة عسكرية أمريكية حاليا، إلا إن تطبيعها مع إسرائيل كان سببا في مكافأة أمريكية تتمثل في صفقة أسلحة هائلة سمحت بها إدارة "بايدن". وتعد زيارة "سوليفان" إلى الإمارات هذا الأسبوع علامة أخرى على أن "بايدن" يستمر في نفس السياسات كالمعتاد.

كما أعطى "بايدن" دكتاتورية "السيسي" في مصر نفس المعاملة المحابية، فقد حجبت الولايات المتحدة فقط جزءا من 300 مليون دولار من المساعدات العسكرية التي كان من المفترض أن تكون مشروطة بالتحسينات في مجال حقوق الإنسان، وسمحت واشنطن لمصر بتلقي بقية المبلغ بالرغم من الأدلة الكثيرة التي تشير إلى تصاعد قمع "السيسي" وانتهاكاته بحق المعارضين السياسيين.

وأدانت مجموعة من منظمات حقوق الإنسان قرار الإدارة الأمريكية وأشاروا إلى أن موقف "بايدن" من المساعدات العسكرية إلى مصر كان أضعف في الواقع من "ترامب".

وأضافوا في بيان: "من خلال تمهيد الطريق لتوفير الـ300 مليون دولار كاملة، تعطي الإدارة ضوءا أخضرا للحكومة المصرية لمواصلة ارتكاب انتهاكات حقوق الإنسان الفظيعة دون خوف من التداعيات"، كما انتقدت "لجنة مصر لحقوق الإنسان في الكونجرس" القرار، قائلة إنه "ينتهك روح القانون ومقاصده".

خطورة غياب الضغط الأمريكي

وفي البلدان التي تمتلك فيها الولايات المتحدة بعض النفوذ الذي يمكن أن تستخدمه لإجراء تحسينات متواضعة، اختارت إدارة "بايدن" باستمرار عدم استخدام نفوذها.

وما لم تواجه هذه الدول تكاليف ملموسة في علاقاتها مع الولايات المتحدة، فلن يكون لديها حافز للتعاون الذي تريده الولايات المتحدة لتقليص الانتهاكات المحلية وتهدئة التوترات الإقليمية.

وصحيح أن الضغط على هذه الحكومات لن يعالج جميع المشاكل ولن يحقق دائما للولايات المتحدة ما تسعى إليه، إلا إن تمكين الولايات المتحدة لها وتركها تفلت دائما من العقاب، يشجعها على ارتكاب المزيد من الانتهاكات التي تبدو الحكومة الأمريكية متورطة فيها.

كما إن تزويدهم باستمرار بالأسلحة والدعم جعلهم يطلبون المزيد فحسب، فيما يتجاهلون المناشدات الأمريكية بتغيير سلوكهم.

ولا ينبغي أن تكون العلاقات الأمريكية مع هذه الدول الاستبدادية هدفًا بحد ذاتها، ولا ينبغي معالجة الأمور على هذا النحو. ونظرا لأن هذه الحكومات أظهرت هشاشة أكبر في السنوات الأخيرة، فيجب على الولايات المتحدة أن تقوم بإعادة تقييم حجم الدعم ومساحة المناورة التي تقدمها لهم.

وتحتاج الإدارة الأمريكية إلى تذكر أن هذه العلاقات أكثر أهمية بكثير لهذه الحكومات منها للولايات المتحدة، وينبغي أن تكون واشنطن على استعداد لاستخدام نفوذها مع هذه الحكومات دون خوف من "خسارتها" لصالح منافسين.

وإذا أراد "بايدن" إخراج الولايات المتحدة من النزاعات في المنطقة وترجمة خطابته في مجال حقوق الإنسان بشكل عملي، فسوف يحتاج إلى اتخاذ خط أكثر حزما مع الدول التابعة المتهورة والاستبدادية، ويجب أن يبدأ ذلك بمحاسبة السعودية والإمارات على تصرفاتهم المدمرة المزعزعة للاستقرار فضلا عن وقف جميع العقود العسكرية معهما في المستقبل المنظور.

هذه هي الرسالة التي تحتاج الحكومات التابعة الاستبدادية إلى سماعها والتي ستوليها اهتمامًا على الأرجح.

المصدر | دانيال لاريسون - ريسبونسبل ستيتكرافت - ترجمة وتحرير الخليج الجديد