مالية الكويت: الإصلاح الضربي أساس لوقف العجز

​بسبب الأزمة المالية الكويتية بعد كورونا تكونت رغبة حقيقية لدى الحكومة بإعادة النظر في النظام الضريبي برمته وإدخال الضريبة على القيمة المضافة.

لم تعد الآثار الاقتصادية والاجتماعية السلبية وعدم جاهزية الإدارة الضريبية تشكل عائقاً أمام تطبيق الضريبة على القيمة المضافة وستكون آثارها السلبية ضعيفة.

النظام الضريبي الحالي لا يسهم في تحسين مالية الكويت ويتطلب إصلاح شامل استجابة لمبدأ العدالة في توزيع الأعباء العامة والتنمية الاقتصادية وتمويل المصروفات العامة.

*     *     *

تعتمد السياسة المالية في الكويت اعتمادًا شبه كلي على العوائد النفطية في تغطية الإنفاق العام، بيد أن هذه العوائد لم تعد قادرة على القيام بهذا الدور، حيث بات من الضروري العمل على تنويع مصادر الإيراد العام، ولذلك تتجه الأنظار نحو الضرائب.

لكن النظام الضريبي الحالي لا يسهم بفاعلية في تحسين الحالة المالية. بالتالي ينبغي القيام بإصلاح شامل لهذا النظام بحيث يستجيب لمبادئ العدالة في توزيع الأعباء العامة ولاعتبارات التنمية الاقتصادية، إضافة إلى دوره الأساسي في تمويل المصروفات العامة.

الضرائب الحالية

يتسم النظام الضريبي الكويتي بثلاث سمات أساسية:

- السمة الأولى: نظام غير متكامل يتكون من خمس ضرائب فقط. وهذه الضرائب هي: الضريبة على دخل الشركات الأجنبية وضريبة الدخل على الشركات الكويتية لدعم العمالة الوطنية والزكاة والضريبة على الملكية والرسوم الجمركية. لا توجد إذن ضرائب على دخول الأفراد ولا توجد ضرائب غير مباشرة على الإستهلاك كالضريبة على القيمة المضافة.

السمة الثانية: إختلاف المعاملة الضريبية حسب جنسية الشركات. فالشركات الكويتية تخضع لسعر ضريبي منخفض والشركات الأجنبية لسعر مرتفع نسبيًا.

السمة الثالثة: الضغط الضريبي (العلاقة بالنسبة المئوية بين حصيلة الضرائب بما فيها الرسوم الجمركية والناتج المحلي الإجمالي) منخفض حسب جميع المقاييس، فهو لا يتجاوز 1.5%.

ونلاحظ ضعف الضرائب الكويتية حتى عندما نقارنها مع الدول المجاورة كالسعودية، حيث أصبحت الضرائب في السنة الجارية أداة أساسية من أدوات المالية السعودية ويمكنها تغطية ربع النفقات العامة،حيث وصل الضغط الضريبي السعودي إلى 8.6% أي ستة أضعاف الضغط الضريبي الكويتي. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الضغط الضريبي يمثل 24% في الولايات المتحدة و33% في بريطانيا و47% في فرنسا.

يترتب على هذه السمة حصيلة متدنية. ففي عام 2020/2021 قدرت حصيلة الضرائب والرسوم بمبلغ 586 مليون دينار، ما يشكل 7.8% من الإيرادات الكلية ويسهم بتغطية 2.7% من النفقات العامة.

ويلاحظ أن الإرتفاع النسبي لمساهمتها في الإيرادات العامة للسنة المذكورة ناجم فقط عن هبوط حاد لإيرادات النفط جراء كورونا. إذ لم تشكل في العام السابق 2019/2020 سوى 3.6% من الإيرادات العامة.

الضريبة على دخل الشركات الأجنبية

وهي تفرض على الأرباح الصافية للشركات الأجنبية العاملة في الكويت بسعر 15%. وبلغت حصيلتها 110 مليون دينار أي 18.7% من مجموع الضرائب و57.8% من الضرائب المباشرة.

تخضع الشركات الأجنبية لعبء ضريبي يعادل ثلاثة أضعاف العبء الذي تتحمله الشركات الكويتية. ولا تنجم هذه المعاملة التمييزية عن ثقل الضريبة على الشركات الأجنبية بقدر ما تنجم عن السعر المنخفض المفروض على الشركات الكويتية.

ضريبة الدخل على الشركات الكويتية لدعم العمالة الوطنية

تسري على الأرباح الصافية للشركات الكويتية المسجلة في بورصة الكويت كالبنوك ومؤسسات التأمين بسعر قدره 2.5%. وتخصص حصيلتها للكويتيين العاملين في القطاع الخاص.

تعد هذه الضريبة أداة أساسية من أدوات تنفيذ “برنامج إعادة هيكلة القوى العاملة والجهاز التنفيذي للدولة” الذي يسعى إلى تشجيع الأفراد على العمل في القطاع الخاص بدلاً من التوظيف الحكومي. وبلغت حصيلة هذه الضريبة 40 مليار دينار أي 6.8% من مجموع الضرائب و21.1% من الضرائب المباشرة.

تنص المادة الرابعة من القانون المنظم لهذه الضريبة على ما يلي: "إذا خُتم حساب أحد السنين بخسارة، فأن الشركة لا تخضع للضريبة عن هذه السنة، ولا تخصم هذه الخسارة من أرباح السنوات التالية الخاضعة للضريبة".

يتضمن هذا النص حكمين: أولهما غير منطقي وثانيهما لا ينسجم مع الدور الاقتصادي للضرائب.

الضريبة وفق المادة الأولى من هذا القانون تُفرض على الأرباح الصافية. الخسارة تعني ببساطة عدم وجود أرباح صافية، لذلك لا معنى لوجود الفقرة الأولى من المادة الرابعة.

 أما الفقرة الثانية، فتمنع ترحيل خسارة سنة إلى أرباح سنة أو سنوات لاحقة. وهذا الحكم يخالف ما استقرت عليه التشريعات في مختلف الدول التي تسمح بترحيل الخسارة (أو على الأقل جزء منها) لسنوات لاحقة تصل إلى خمس سنوات. إنّ منع ترحيل الخسارة في الكويت يقود إلى تردد الشركات في تحسين استثماراتها والتوسع في الإنتاج.

الزكــاة

تفرض الزكاة على الأرباح الصافية للشركات المسجلة في البورصة والشركات الكويتية المساهمة بسعر 1%، وقدرت حصيلتها بمبلغ 40 مليون دينار.

حسب وزارة المالية (القاعدة التنفيذية رقم 14 للقانون رقم 46 لسنة 2006 بشأن الزكاة) يحق للشركة الخاضعة للزكاة تسمية الجهة التي تصرف لها الأموال وفق الخدمات التي تحددها الدولة، وفي حالة عدم التسمية تتولى وزارة المالية إنفاق الأموال حسب السياسة المالية للدولة.

بلغت مساهمات الشركات في خدمات الدولة 32 مليون دينار منها 13 مليون دينار للخدمات الصحية و10 ملايين دينار للخدمات التعليمية. أما حصيلة الزكاة الواقعة تحت تصرف وزارة المالية فتبلغ 8 ملايين دينار.

وفق التشريع الإسلامي فالزكاة ضريبة ونفقة في آن واحد. هي ضريبة عندما تفرض على المكلفين بها ونفقة عندما تصرف على المستحقين.

إنها ضريبة على الأموال، والمال يشمل الربح ورأس المال. والزكاة في النظام الضريبي الكويتي تفرض على الأرباح فقط، كما يتعين صرف حصيلتها بالكامل على أصحاب الحقوق وفق النص القرآني، في حين لا يوجد هذا التنظيم في الكويت إلا على نحو جزئي. أما سعرها البالغ 1% فهو بعيد عن السعر الشرعي وقدره ربع العُشر أي 2.5%.

الضريبة على الملكية

في الواقع ليست ضريبة على ذات الملكية. أي ليست ضريبة سنوية على رأس المال بل تفرض فقط بمناسبة انتقال الملكية بالبيع مثلًا. وتسري على الأبنية والأراضي بسعر 0.5% من ثمن البيع سواء تعلق الأمر بالأفراد أم بالشركات. وبلغت حصيلتها 18 مليون دينار أي 3.1% من مجموع الضرائب و9.4% من الضرائب المباشرة.

الرسوم الجمركية

 تسهم الرسوم المفروضة على استيراد السلع مساهمة كبيرة في المالية الكويتية. حيث بلغت 378 مليون دينار أي ما يعادل ثلثي حصيلة جميع الضرائب. بل كانت لغاية السبعينات من القرن الماضي المصدر الضريبي الوحيد في ميزانية الدولة.

تفرض الرسوم الجمركية بموجب إتفاقية خليجية مشتركة بسعر عام قدره 5%. كما يمكن زيادة هذا السعر في حالات معينة شريطة احترام أحكام منظمة التجارة العالمية.

 يتضح من هذا العرض ضعف مساهمة الضرائب في المالية الكويتية. وبسبب الضائقة المالية التي تمر بها البلاد والتي اشتدت بفعل كورونا بات من اللازم العمل على إيجاد مصادر ضريبية أخرى.

الإصلاح الضريبي

دلّت التجارب في دول مجلس التعاون، خاصة في السعودية، على مدى أهمية الضريبة على القيمة المضافة والضريبة الإنتقائية في تمويل الإنفاق العام وتغطية العجز المالي.

وأشارت التقارير إلى أن خسارة الكويت جراء عدم تطبيق الضريبة على القيمة المضافة تقدر بحوالي 1600 مليون دينار والضريبة الإنتقائية بمبلغ 600 مليون دينار. هكذا تفقد ميزانية العام الجاري إمكانية تغطية 18% من عجزها جراء هذه الخسارة.

أضف إلى ذلك خسارة أخرى ناجمة عن عدم تطبيق ضريبة على دخول الأفراد. ولهذا أكدت تقارير صندوق النقد الدولي (مشاورات المادة الرابعة) على ضرورة أن يتناول الإصلاح المرتقب إدخال هذه الضرائب المباشرة وغير المباشرة.

في نوفمبر 2016 وقّعت دول مجلس التعاون الست على الإتفاقية الموحدة للضريبة على القيمة المضافة، وتم الاتفاق على سعرها العام البالغ 5%. وفي مطلع عام 2018 طُبقت في السعودية والإمارات، وأصبحت نافذة في البحرين في بداية عام 2019، كما باتت تسري في عمان اعتباراً من أبريل/نيسان 2021، لكنها لم تدخل في النظام الضريبي لكل من قطر والكويت.

بسبب الأزمة المالية الكويتية خاصة بعد وباء كورونا تكونت رغبة حقيقية لدى الحكومة بإعادة النظر في النظام الضريبي برمته وإدخال الضريبة على القيمة المضافة.

كما لم تعد الآثار الاقتصادية والاجتماعية السلبية وعدم جاهزية الإدارة الضريبية تشكل عائقاً أمام تطبيق الضريبة على القيمة المضافة، وستكون آثارها السلبية ضعيفة لثلاثة أسباب:

- السبب الأول أن السلع والخدمات الضرورية ستعفى منها.

- السبب الثاني أنّ المقدرة التكليفية للكويتيين عالية نظراً لارتفاع دخلهم الفردي.

- السبب الثالث أن سعرها البالغ 5% معتدل. وبالتالي ستكون مساهمتها ضعيفة في ارتفاع معدل التضخم البالغ حاليا 2.1%.

علمًا بأن السعودية التي بدأت بهذا السعر قررت لاحقاً رفعه إلى 15% بسبب أزمتها المالية، وهذه النسبة لا تختلف كثيراً عن الأسعار السائدة في البلدان الصناعية.

وتجدر الإشارة إلى أن الحكومة الكويتية لا تملك صلاحية زيادة أسعار الضرائب لأن تعديل الضرائب لا يتم إلا بقانون (المادة 134 من الدستور) ولابد إذن من موافقة برلمانية.

أما في نطاق الضرائب المباشرة فأعدّ مجلس الوزراء في عام 2016 “برنامج الإصلاح الاقتصادي والمالي” الذي يقترح إنشاء ضريبتين: ضريبة دخل عامة تسري على الأفراد بسعر 10%، ويتكون وعاؤها من الأرباح التجارية والعقارية والمرتبات وغيرها. وضريبة أخرى على الشركات الكويتية والأجنبية بسعر مماثل.

جميع هذه المقترحات تصطدم بمعارضة برلمانية شديدة، لكن الإصلاح الضريبي أصبح ضرورياً بسبب ارتفاع العجز المالي. وباتت الحكومة مهتمة بهذا الإصلاح الذي سيبدأ برقمنة الضرائب، إذ تتجه أنظارها إلى شراء منظومة جديدة (ايتاس: نظام إدارة الضرائب المتكامل والخدمات الإلكترونية) مستعينة بالخبراء الأجانب لتشغيله.

انه تحول جوهري من الناحية الفنية وعلى درجة كبيرة من الأهمية خاصة من حيث الجاهزية الإدارية. فالنظام كفيل بتنفيذ جميع العمليات الضريبية بصورة سريعة وشفافة. وسيتولى تطبيق الضرائب الحالية (ضريبة الدخل والزكاة وضريبة الملكية وضريبة دعم العمالة الوطنية)، كما يمكنه بسهولة إدارة أية ضريبة أخرى كالضريبة على القيمة المضافة والضريبة الانتقائية.

سيكون لكل مكلف رقم ضريبي موحد يمكنه عن طريقه متابعة حقوقه وواجباته الضريبية، وسيسهل العمل الإداري المتعلق بربط الضريبة وتحصيلها بصورة آلية. كما ورقمنة النظام الضريبي معتمدة في جميع الدول الصناعية والكثير من الدول النامية بما فيها العربية.

لكن المشكلة الضريبية في الكويت ليست فنية بقدر ما هي سياسية وتتمثل في عدم موافقة البرلمان على فرض أية ضريبة جديدة، بل أن البرلمان يعارض ايتاس ويعتبره وسيلة لفرض ضرائب جديدة.

ورغم الأهمية الفنية القصوى لايتاس إلا أنه لا يعني سلامة النظام الضريبي، فهو يعالج مشكلة ترتبط بالإدارة بالدرجة الأولى.

يتعين بذل الجهود في سبيل إصلاح شامل للتوصل إلى نظام ضريبي يقوم على ثلاثة أهداف: الحصيلة والعدالة والتنمية. يحتاج الكويت إلى نظام يتصدى بفاعلية للعجز المالي المفرط عن طريق مكوناته من ضرائب مباشرة وغير مباشرة وأسعارها وربطها ومعالجة التهرب منها.

وعبر نظام يوزع الأعباء العامة بصورة عادلة حسب المقدرة الاقتصادية للمكلفين لا حسب جنسيتهم. ونظام يقود إلى تحسين الأداء الاقتصادي بتشجيع الاستثمارات المحلية والأجنبية وتطوير إنتاج السلع والخدمات.

لا شك أن تناقضاً قد يحدث بين هذه الأهداف، فالعدالة تستوجب التضحية بالحصيلة، والتنمية تفترض التنازل عن العدالة وهكذا.إذن فالنظام الضريبي الأمثل هو الذي يستطيع التوفيق بين هذه المتناقضات بما يتناسب مع الخصوصيات الكويتية.

* ​صباح نعوش باحث اقتصادي

المصدر | البيت الخليجي للدراسات والنشر