السبت 9 أكتوبر 2021 05:42 م

في يونيو/حزيران 2017، قادت الإمارات والسعودية حصارا شاملا ضد قطر والذي تسبب في أذى كبير لنفوذ الدوحة الإقليمي. وواجهت قطر عزلة يقودها المحور الإماراتي السعودي المضاد للثورة، ولم يثمر استثمارها السياسي في جماعة "الإخوان المسلمين" عن نتائج تذكر. كما واجهت قطر ضغوطا لإغلاق أدواتها الإعلامية وعلى رأسها "قناة الجزيرة". ومع زيادة شعور القيادتين الإماراتية والسعودية بالثقة بسبب القرب من إدارة "ترامب"، بدا مستقبل قطر غير مؤكد.

وبعد أكثر من 4 أعوام، انقلب الوضع بشكل كبير. وشهدت الساحة الخليجية عودة حاسمة لتوازنها الجيوسياسي. وأعادت قطر تأكيد نفسها بسياسة خارجية تتجاوز حجمها الصغير. وتجد الإمارات نفسها الآن في موقف دفاعي، بعد أن عانت من ردود فعل سلبية على جبهات إقليمية متعددة. وقد يكون السبب في هذا الانقلاب للأوضاع هو التناقض الكبير في النهج الإقليمي الذي تبنته الدوحة وأبوظبي. فقد تبنت قطر استراتيجية تجاوزت المدى المنظور وقت الأزمة، في حين كانت الإمارات حبيسة تكتيكات قصيرة المدى.

الملف الأفغاني

ويعد أوضح مؤشر على استعادة قطر لمكانتها هو أفغانستان. وتماشيا مع عملها منذ فترة طويلة كوسيط في النزاعات الإقليمية، قررت قطر استضافة "طالبان" في عام 2013 ثم الوساطة في محادثات السلام لاحقا.

وفي أعقاب الانسحاب الأمريكي، أصبحت قطر الوسيط الرئيسي في أفغانستان بحكم كونها المحاور الأجنبي الأكثر ثقة لـ"طالبان". وسهلت الدوحة عمليات النقل الجوي لعدد هائل من الأمريكيين والأفغان المعرضين للخطر، ووافقت إلى جانب تركيا على تشغيل مطار كابل نيابة عن طالبان. وتعتمد العلاقات بين الغرب وطالبان الآن على قرارات الدوحة.

ويشير ذلك إلى تحول حاسم في كيفية توسع المصالح القطرية بما يتجاوز ما حققه منافسوها الخليجيون. فقد وضعت الأحداث في أفغانستان قطر الآن في موقف فارق. وفي السابق تم اتهام القيادة القطرية بموالاة الإسلاميين، وبالتالي ارتباطها بالإرهاب. والآن، تعمل الدوحة كقناة رئيسية للحوار مع طالبان، وأصبح لزاما على الجهات الفاعلة الخارجية الاعتماد على الدوحة من أجل مراقبة وتعديل سلوك طالبان.

ومع ذلك، يخبرنا التاريخ أن التقلبات الجيوسياسية في آسيا الوسطى لا تنهي "اللعبة الكبرى" بقدر ما تجلب لاعبين جددا إلى ديناميكياتها. ويجب على قطر أن تواجه قريبا نفوذ باكستان التي لها تاريخ طويل في دعم طالبان.

ويعود الانخراط العسكري الباكستاني في أفغانستان إلى الحرب الباردة، عندما سعت إلى عمق استراتيجي أكبر ضد الهند. كما سعت إسلام أباد إلى إحباط القومية البشتونية في الداخل من خلال دعم نسخة إسلامية منها على الجانب الآخر من الحدود الغربية. كما أن الانخراط الإضافي مع طالبان الآن سيسمح لها بإعادة تشكيل فروع طالبان والمدارس الدينية العاملة داخل حدودها، والتي تزداد شعبيتها بسرعة.

وبينما تستعرض قطر عضلاتها في أفغانستان، فإنها لن تغفل عن القضايا التقليدية والحيوية في العالم العربي. وقد تكون فلسطين هي الإنجاز القادم حيث ستسعى قطر إلى تكرار نجاحها الأفغاني من خلال العمل كوسيط بين "حماس" من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى.

وعلى عكس الإمارات، ما تزال قطر تتمتع بالمصداقية لدى الفلسطينيين بحكم عدم تطبيع العلاقات مع إسرائيل. وعلى عكس بقية المحور المضاد للثورة، يمكنها التعامل بصدق أكبر مع "حماس" لأنها لم تعلن مطلقا الجماعة الإسلامية جهة إرهابية.

كما يمكن لقطر أن تخفف من معاناة سكان غزة دون دعم صريح لـ"حماس"، وبالتالي الحفاظ على مصداقيتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل. 

تراكم أخطاء الجبهة المعادية للثورة

ويمكن القول إن الانتصار الاستراتيجي لقطر مرتبط بدرجة ما بسوء التقدير التكتيكي للإمارات والجبهة المضادة للثورة. واعتمدت قطر على القوة الناعمة والاستخدام الماهر للدبلوماسية المستقلة، فيما اعتمدت الإمارات على القوة الصارمة. وتحت رعاية وتواطؤ إدارة "ترامب"، قادت الإمارات تحركات خشنة لإفشال أي تحول ديمقراطي في المنطقة. كما استعملت تقنيات جديدة مثل "بيجاسوس" لمتابعة الأصوات المعارضة والمنتقدة في الخارج.

وأدت هذه السياسات إلى نتائج عكسية، وتؤكد الظروف الكارثية في ليبيا واليمن فشل الإمارات في تثبيت وضع مستدام. ولم يستطع الإماراتيون تحسين الأمور حتى في فلسطين خلال حرب غزة الأخيرة، لأن الدعم الحماسي لـ "صفقة القرن" في ظل إدارة "ترامب" أضر بقدرتها على التعامل مع الفلسطينيين على الأرض. وقد فشل حتى الحصار السعودي الإماراتي المفروض على قطر.

ولم يكن الوضع بهذه الطريقة سابقا، فقد أتقنت السعودية والإمارات ذات يوم ما يفعله القطريون الآن. وتمتعت السعودية سابقا بعلاقة خاصة في اليمن، بنفس الطريقة التي تتمتع بها قطر في أفغانستان الآن. وبالمثل، عندما حكمت طالبان أفغانستان في أواخر التسعينات، كانت السعودية والإمارات الدولتين العربيتين الوحيدتين اللتين اعترفتا بحكمها.

ومع ذلك، فقد ذابت قنوات الوصول والتأثير هذه في ظل الحملات المضادة للثورات بعد الربيع العربي، وكذلك من خلال إعادة ترسيخ الأنظمة الاستبدادية. وبالرغم من ذلك لم ينجح محور الثورة المضادة في سحق روح التغيير الديمقراطي وإرادة المشاركة في جميع أنحاء المنطقة. وتعثرت مهمة استعادة الاستقرار الاستبدادي مع استمرار الحركات الشعبية في الحشد على مدار العقد الماضي.

وأظهرت الموجة الثانية من الربيع العربي خلال 2018-2019 في الجزائر والسودان والعراق ولبنان حقيقة واضحة. فبينما يمكن للجبهة المعادية للثورة أن تعرقل التقدم الديمقراطي، إلا أنها لا تستطيع إعادة عقارب الساعة إلى الوراء وإعادة فرض ماض عفا عليه الزمن.

وهناك عامل آخر لتقدم قطر، وهو تراجع ​​تماسك المحور المضاد للثورة نفسه. وفي أعوام ما بعد الربيع العربي مباشرة، تحركت القيادات السعودية والإماراتية على قدم وساق، مع تنسيق سياساتهما الخارجية في العديد من المجالات. لكن في الآونة الأخيرة، أعادت السعودية صياغة نهجها، وتعلمت التصرف بشكل أكثر براجماتية من خلال الابتعاد عن الإمارات.

وتتعدد أسباب هذا الخلاف السعودي الإماراتي. فقد وجد النظام السعودي نفسه في كثير من الأحيان يقدم خدمات لأبوظبي دون تقدير من القيادة الإماراتية. وقد أنفقت الرياض موارد عسكرية هائلة على الحملات المعادية للثورة التي تقف وراءها الإمارات،في حين كان معظم الانتقادات الحقوقية تتوجه للسعودية.

علاوة على ذلك، كان السعوديون قلقين من التحرك الإماراتي لتطبيع العلاقات مع إسرائيل وهي الخطوة التي يري السعوديون أنها صعبة للغاية بالنسبة لهم. ولا يقتصر الأمر على أن المجتمع السعودي أكبر بكثير والمعارضة الداخلية أقوى بكثير، ولكن قيادته تتحمل أيضا العبء الرمزي المتمثل في حماية الأماكن المقدسة.

وفي الواقع، يحارب النظام السعودي على نفس الكعكة الجيوسياسية التي تحارب من أجلها القيادة الإماراتية، وقد خرجت هذه المنافسة الآن إلى العلن.

وأصبحت الخلافات بين الطرفين أكثر وضوحا، كما حدث في الخلاف هذا الصيف حول إنتاج النفط الذي مزق منظمة "أوبك+" مؤقتا. وقد ظهر هذا أيضا في القرار السعودي الأخير بوقف التعامل مع أي شركات عالمية لا يكون مقرها الإقليمي في السعودية.

وكان التقارب بين تركيا ومصر في صالح قطر، وهو ما يتكشف وسط تحول جديد في الموقف الإقليمي من الإسلاموية. ويظهر الدفء في العلاقات هذا أن "أردوغان" مستعد لتقليل الدعم التركي لجماعة "الإخوان المسلمين"، الأمر الذي شجع بدوره قطر على أن تحذو حذوها.

ويدرك كلاهما أن الجهات الإسلامية الفاعلة، مثل جماعة "الإخوان المسلمين" في مصر و"النهضة" في تونس وحزب "العدالة والتنمية" في المغرب، آخذة في التراجع.

ومن المؤكد أن هذه مجموعات مختلفة تعمل في بيئات متمايزة للغاية. ومع ذلك، تكشف أوضاعها الحالية عن اتجاه عالمي وهو الفشل المزدوج في اجتذاب الدعم الشعبي على أسس أيديولوجية، وكذلك في إحداث اختراق مؤسسي في الدول الاستبدادية التي لا ترفض اختراق الإسلاميين لهياكلها.

ولا يعني هذا نهاية الإسلاموية كقوة سياسية بأي شكل من الأشكال، لأنه لا تزال هناك قطاعات كبيرة من هذه المجتمعات على استعداد لدعم برنامجها المحافظ الذي يجمع بين الدين والسياسة. ومع ذلك، فقد وفر تراجع الإسلام السياسي فرصا جديدة للتقارب السعودي القطري من خلال إزالة الإسلاموية كنقطة خلاف.

تغيير قواعد اللعبة

ولا ينبغي لعودة قطر أن تثير أي افتراضات جامحة حول التزاماتها الأيديولوجية. ولا تروج قطر لليبرالية ولا تدعو إلى ربيع عربي آخر، فقطر ليست جزءا من الثورة المضادة، لكنها أيضا ليست طرفا ثوريا، بل هي فاعل براجماتي يفهم اتجاه التاريخ.

وبالمثل، فلا ينبغي لتعثر الإمارات أن يقلل من قوتها المحلية. وتفتخر دولة الإمارات بإدارة فعالة للدولة وقدرات مؤسسية عالية تجذب طيفا واسعا من الشركات والعمال العالميين. كما تمتلك الإمارات احتياطيات كبيرة من الطاقة. وفي حين أن نظامها السياسي لا يزال مغلقا مثل السعودية، فإنه أقل عرضة للمعارضة الداخلية والاحتجاجات العامة نظرا لمجتمعها الأصغر وأساليب الاحتواء التي تعتمد على التكنولوجيا. ومن ثم، فإن انتكاساتها في جميع أنحاء المنطقة لن تترجم بالضرورة إلى نكسات في الداخل.

ومع ذلك، فإن النهضة الاستراتيجية لقطر تنذر بتداعيات محورية على التطورات الإقليمية.

أولا، بعد تخفيض التصعيد بين قطر والإمارات في الساحات التقليدية، ستبحث كلتا الدولتين عن طرق جديدة للتغلب على الأخرى.

وتستغل قطر الموارد التعليمية والإعلامية والثقافية لتوسيع النفوذ بنفس الطريقة التي تستخدمها الإمارات. ومع ذلك، لا تزال قطر تتعلم كيف تفعل ما فعلته الإمارات، وهو ترجمة هذه العناصر غير الملموسة إلى نتائج اقتصادية مربحة، مثل كفاءتها في إدارة الموانئ. كما استثمر الإماراتيون في قطاعات اقتصادية مهمة في بلدان أخرى وتمكنوا من الوصول إلى الموارد الحيوية في الخارج.

ثانيا، ستعتمد الإمارات على علاقتها مع الصين.

وعلى عكس الولايات المتحدة، يعتمد وجود الصين في الشرق الأوسط على الاتفاقيات الاقتصادية بدلا من الأصول العسكرية. وداخل منطقة الخليج، التزمت الإمارات بشكل فريد بدخول الصين إلى المنطقة. على سبيل المثال، كانت الإمارات مركزا رئيسيا في دبلوماسية اللقاحات الصينية، حيث ساعدت في إنتاج وتوزيع لقاحات "كوفيد-19" الصينية إلى بقية العالم العربي.

وتكمن المنافسة التالية في التعامل مع المصالح الصينية الكبرى في الخليج بما في ذلك مبادرة "الحزام والطريق" والتي ستتطلب اتفاقيات أكثر تعقيدا فيما يتعلق باللوجستيات والنقل وسلاسل التوريد.

باختصار، بدأت دولتان خليجيتان صغيرتان لهما طموحات كبيرة جولة أخرى من المنافسة الجيوسياسية. وقد تكون النتائج غير متوقعة مثل النتيجة الأخيرة.

المصدر | هشام علوي/ Orient XXI - ترجمة وتحرير الخليج الجديد