الأربعاء 13 أكتوبر 2021 10:24 ص

وقع حدثان مهمان في تونس يوم 3 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، وكان الحدث الأول مظاهرة في شارع بورقيبة شارك فيها الآلاف من المواطنين ملوحين بلافتات تظهر دعمهم للقرارات التي اتخذها الرئيس "قيس سعيد" منذ 25 يوليو/تموز الماضي. وجاءت هذه المظاهرة للرد على منتقدي "سعيد" الذين نظموا قبل أسبوع مظاهرة ضد الانقلاب.

أما الحدث الثاني فكان اعتقال النائب الإسلامي "عبداللطيف العلوي"، ومقدم الأخبار التليفزيونية البارز "عامر عياد" بتهمة إهانة الشرطة. ومن المقرر أن يُحاكم الرجلان أمام محكمة عسكرية خاصة، ما يشير إلى النفوذ السياسي المتزايد للأجهزة الأمنية. ويعتقد "سعيد" أن الجمهور سوف يدعم مثل هذه الإجراءات الصارمة المشكوك فيها قانونيا.

وبعد يوم من الاحتجاجات، ورد أن "سعيد" وعد الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" بالبدء في حوار وطني، وبالرغم أن "سعيد" كان يهدف إلى طمأنة منتقديه في الداخل والخارج بأنه سيتبنى الحوار مع الجميع، فقد أشار "سعيد" مرارا وتكرارا إلى أنه لن يتحاور مع "الخونة".

وتأكيدا على هذا التهديد، أكد زعيم حزب "الشعب" المؤيد القوي لـ"سعيد" في 4 أكتوبر/تشرين الأول، أن حزب "النهضة" ذي التوجهات الإسلامية سيتم استبعاده من هذا الحوار لأنه "جزء من المشكلة ومسؤول عن الضرر الذي لحق بالبلاد".

وحتى لو كان هذا التقييم لدور النهضة محل نقاش، فإنه يقدم إشارة كاشفة حول الاتجاه الذي يسير فيه الرئيس التونسي. وربما لن يكون هناك حوار وطني شامل. وبدلا من ذلك، قد يكون حوارا مُدارا على مراحل، يمكن أن يكون بمثابة خطوة أولى في إنشاء نظام هجين جديد.

وباستفتاء على دستور جديد يصوغه "سعيد" وحلفاؤه، مدعوما بالتهديد الضمني بالقمع من قبل الدولة، من المحتمل أن يقضي النظام الجديد على حزب "النهضة"، والأحزاب الإسلامية الأخرى بينما يمنح سلطات هائلة لرئيس شعبوي لا يزال يركب موجة التأييد الشعبي.

وكما هو الوضع الآن، لن يواجه الرئيس صعوبة كبيرة في دفع أجندته إلى الأمام. وبالنظر إلى الكراهية واسعة النطاق للنخبة السياسية والانقسامات العميقة داخل الأحزاب السياسية وفيما بينها ورغبة العديد من الناشطين ذوي التوجهات العلمانية في معاقبة النهضة والتوسع في دور الأجهزة الأمنية، فهناك فرصة ضئيلة لتشكيل هذا النوع من التحالف متعدد الأحزاب والأيديولوجيات الذي قد يقف بوجه "سعيد".

ومع ذلك، كلما بدا أن "سعيد" نجح، زادت فرص نشوب صراع أهلي وانهيار اقتصادي كامل. وقد وعد "سعيد" بثورة تصحيحية لكنه ربما يدعو إلى عاصفة اجتماعية وسياسية متصاعدة.

المرسوم الجمهوري رقم 117

دعا مرسوم رئاسي في 22 سبتمبر/أيلول إلى إنشاء نظام دستوري جديد يحدد شروطه وأحكامه الأساسية رئيس لن يكون مسؤولا أمام برلمان منتخب أو مجلس أعلى، وكان هذا المرسوم الطموح طبيعيا بعد تلاعب "سعيد" بالمادة 80 من دستور 2014.

وكانت المادة تمنح الرئيس سلطة إعلان "الإجراءات التي تقتضيها الظروف الاستثنائية" لكن نصت المادة أيضا على أن "مجلس النواب يكون في حالة انعقاد مستمر". ومما لا شك فيه أن تعليق "سعيد" لمجلس النواب يشير إلى عزمه على فرض إرادته.

وقد برر هذا الفعل بحجة أن سيادة الشعب يجب أن تسود على الدستور الذي يدعي أنه "ليس أبديا" بالرغم أنه تذرّع بمادة دستورية لتبرير أفعاله.

ولإعادة التأكيد على هذا المنطق التعسفي الذي يخدم المصلحة الذاتية، يحافظ المرسوم 117 بشكل غير مباشر على المادتين 1 و2 من دستور 2014، التي تنص على أن الدولة "جمهورية" وأن النظام يقوم على "إرادة الشعب، وسيادة الشعب، وحكم القانون". لكن ما تبقى من المرسوم ينتهك هذه المبادئ بإعطاء الرئيس السيطرة على 29 منطقة نفوذ، مع اشتراط تشاوره مع مجلس الوزراء الذي يعينه بنفسه.

وتأكيدا على هذه الصلاحيات، تلغي المادة 21 المحكمة الدستورية المؤقتة، بينما تمنح المادة 5 الرئيس سلطة تنظيم الهيئات القضائية والمحاكم، وأخيرا، تنص المادة 22 على أن الرئيس سيضع "تعديلات تتعلق بالإصلاحات السياسية" ما يجعله السلطة القضائية والتنفيذية والتشريعية في محاولة لإعادة صياغة النظام السياسي.

معارضة منقسمة ومتناقضة

ولا يخفى على أحد خطورة هذه التدابير. وكان دستور 2014 قد تم إعداده من خلال عملية نقاش ومفاوضات أدارها حوار وطني أنتج مجموعة من الحلول الوسط التي عكست الطبيعة التعددية للمجتمع التونسي.

وكان اليوم الذي تم فيه اعتماد الدستور من قبل 200 نائبا من أصل 216 يمثل علامة فارقة ليس فقط لتونس ولكن أيضا للعالم العربي. وقد كرّس الدستور نظام تقاسم السلطة الذي أعطى كل مجموعة القدرة على إعاقة الآخرين. ولكن هذه الفكرة تسببت في حالة من الشلل السياسي والاجتماعي مما مهد الطريق لاستياء واسع النطاق من البرلمان.

وساعد هذا الاستياء في دعم قطاعات جماهيرية ودوائر نخبوية لفكرة مراجعة النظام السياسي، الأمر الذي يعطي سلطة حاسمة للسلطة التنفيذية.

وإذا كان هناك تحول شرعي إلى نظام رئاسي فعال وديمقراطي، فإن هذا سيتطلب اتفاق جديد يشمل جميع الأحزاب الرئيسية. ومع ذلك، فإن النخبة السياسية في تونس ليست منقسمة فقط؛ بل أيد العديد من الأحزاب والقادة الذين هاجموا "سعيد"، ضمنيا أو بالتصريح، إبعاد حركة النهضة والأحزاب الإسلامية الأخرى عن الساحة السياسية.

وقام "سعيد" بتضخيم هذه الانقسامات وتلاعب بها بذكاء، ناهيك عن تناقض العديد من الأحزاب الحداثية فيما يتعلق بقواعد اللعبة اللازمة لإنتاج نظام سياسي جديد أو إصلاح النظام القائم. ومع اقتراب احتمالات وحدة المعارضة من الصفر، من المحتمل أن يرى جزء لا يستهان به من المجتمع الدافع لوصف النظام بأنه غير شرعي وبالتالي معارضته. وسوف يتزايد الاستقطاب الذي وصل بالفعل إلى مستويات خطيرة.

وبالرغم أن الاتحاد العام التونسي للشغل بدأ في اتخاذ موقف واضح حيث أعلن أن "احتكار الرئيس للتعديلات" يشكل "خطرا على الديمقراطية"، لكن ذلك لا يشير إلى أي إجماع بين النهضة والاتحاد العام التونسي للشغل، الذي لطالما كان معاديا للأحزاب الإسلامية.

وبالرغم من اللغة القوية في بيان الاتحاد العام التونسي للشغل إلا أن همه الأساسي لم يكن مصير الديمقراطية في حد ذاتها، بل الاحتمال الحقيقي للغاية بألا يسمح "سعيد" للاتحاد أو الأحزاب السياسية المنتخبة بالمشاركة في مراجعة النظام السياسي.

وتضرب تناقضات مماثلة مواقف الأحزاب الحداثية. على سبيل المثال، في 28 سبتمبر/أيلول، عقدت 4 أحزاب وهي التيار الديمقراطي والتكتل والحزب الجمهوري وآفاق تونس، مؤتمرا صحفيا للإعلان عن تشكيل كتلة جديدة تعارض مرسوم الرئيس.

لكن واحدا فقط من هذه الأحزاب، وهو التيار الديمقراطي، شغل عددا معتبرا من المقاعد في البرلمان السابق، كما لم يشر أي من قادتها إلى الاستعداد لتوسيع ائتلافهم ليشمل الإسلاميين.

وبينما ردد زعيم الحزب الجمهوري الحاجة إلى التعددية وأصر على أن أي إصلاحات يجب أن تكون في إطار دستور 2014 وعلى أساس حوار وطني، فقد ردد مفردات الخطاب الشعبوي الخاص بـ "سعيد" من خلال التأكيد على أنه لن يكون هناك عودة "إلى الوضع السابق". وادعى قادة الحزب في اليوم التالي أن حزب النهضة مسؤول إلى حد كبير عن الأزمة السياسية والاقتصادية التي تواجه تونس.

وردد زعيم حزب العمال "حمة الهمامي" موقفا مشابها وحذر من أن "ما يفعله قيس سعيد يذكرنا بالأيام السوداء للديكتاتورية"، بينما ألقى باللوم أيضا على النهضة في خلق "الوضع الفاسد" الذي جعل "انقلاب سعيد" ممكنا في المقام الأول. ويبدو المعنى الضمني واضحا، وهو أن أي تحالف مع قوى أو قادة إسلاميين غير وارد.

طريق المجتمع المدني

ولعبت منظمات المجتمع المدني دورا رئيسيا في النقاش الذي اندلع منذ إصدار المرسوم رقم 117. على سبيل المثال، انضمت 12 منظمة غير حكومية تونسية إلى "هيومن رايتس ووتش" و3 منظمات دولية أخرى للتنديد بالمرسوم، في بيان تم إصداره في 27 سبتمبر/أيلول وتداولته الصحافة الوطنية والعالمية على نطاق واسع.

وشدد البيان على أن المنظمات "تدعم أي عملية تهدف إلى تجاوز الأزمة السياسية والدستورية الحالية" ما يعني أن هذه المنظمات تجنبت الانحياز بشكل واضح إلى أي طرف في النقاش السياسي بشأن الأحزاب التي ينبغي أو لا ينبغي إدراجها في أي مشروع إصلاحي.

وتجدر الإشارة إلى أن بعض المنظمات غير الحكومية الأكثر أهمية في تونس تشترك في الاقتناع السائد بأن النظام السياسي السابق لم يكن أكثر من "ديمقراطية زائفة" خدمت النخبة الفاسدة وبالتالي يجب استبداله بطريقة ما.

على سبيل المثال، أثناء إدانتها للمرسوم 117 اتهمت منظمة المراقبة (وهي المنظمة غير الحكومية الأكثر صوتا ونشاطا في مكافحة الفساد) البرلمان السابق بإيصال تونس إلى نقطة الأزمة هذه.

وأضافت الفوضى في المعسكر الإسلامي عنصرا آخر من عدم اليقين إلى الأزمة السياسية في تونس. وفي 25 سبتمبر/أيلول، أصدر 113 عضوا من حزب النهضة بيانا عاما أعلنوا فيه استقالاتهم، وتم إلقاء اللوم على رئيس حزب النهضة "راشد الغنوشي" في معاناة الحزب.

وكان الاستياء من قيادته بين صفوف الشباب في الحزب منتشرا منذ عدة أعوام. لكن من الواضح أيضا أن الحزب ينقسم حول كيفية الرد على استيلاء "سعيد" على السلطة. وكانت دعوة "الغنوشي" في الأول من أكتوبر/تشرين الأول للنواب لاستئناف عمل البرلمان تعبيرا عن الإفلاس. وفي حين أن عدم الحضور الفعلي في البرلمان ربما يكون ناتجا عن مخاوف من أن يصبح أولئك الذين استجابوا لدعوة "الغنوشي" أهدافا للشرطة، فإن الحضور الشعبي المحدود يشير إلى تراجع حظوظ الحزب.

وسيجعل انقسام الحزب من الصعب تضييق الفجوة بين المعسكر الإسلامي والجماعات الحداثية. ومن غير الواضح ما إذا كان أي من المعارضين الذين غادروا النهضة يتمتعون بما يلزم من الشرعية للتواصل مع الجانب الآخر من المعارضة، ناهيك عن التواصل مع "سعيد".

ويناسب هذا الوضع رئيسا يستمد نفوذه السياسي جزئيا من قدرته على تعزيز الانقسام داخل وبين الفاعلين السياسيين والمجتمع المدني في تونس.

تكاليف نجاح "سعيد"

وكانت إحدى علامات استراتيجية "فرق تسد" هذه قرار "سعيد" بتعيين الأستاذة "نجلاء بودن" رئيسة للوزراء. وكانت "نجلاء" سابقا وزيرة للتعليم العالي، وكان تعيينها، وهو الأول من نوعه في العالم العربي، مصمما بالتأكيد لإغراء المجموعات الحداثية.

وفي حين أشاد العديد من القادة التونسيين بهذه الخطوة على نطاق واسع، فإن أي سلطة ستمارسها ستكون بأمر من الرئيس ومقيدة بالمرسوم الذي جعل تعيينها ممكنا. ومؤكدا هذه الحقيقة المزعجة، أشار الحزب الجمهوري إلى أن "هذا التعيين وهذه الرمزية كان من الممكن أن يكونا أقوى إذا حدث وفق أحكام الدستور القائمة على الفصل بين السلطات وتوازنها".

وفي الوقت الحالي، تبدو احتمالات استعادة التوازن في المشهد السياسي التونسي بعيدة. ومع دفع "سعيد" بمشروعه إلى الأمام، سيصبح المجتمع التونسي أكثر انقساما واستقطابا. ولن تزيد الآفاق السياسية المظلمة من صعوبة معالجة الأزمة الاقتصادية الرهيبة فحسب، بل قد تؤدي إلى مواجهات عنيفة بين تلك القوى التي تخشى استبعادها من الساحة السياسية وتلك التي قد ترحب بهذه النتيجة أو على الأقل لن تفعل شيئا لمنع ذلك.

والأسوأ من ذلك، أن العناصر الإرهابية الكامنة قد ترى في مثل هذه الاشتباكات فرصة لإحداث الفوضى. ولن يؤدي مثل هذا التطور إلا إلى زيادة الضغط على قوات الأمن، وربما الجيش نفسه، للدخول في المعادلة السياسية بطرق يصعب عكسها.

لقد أطلق "سعيد" العنان لعاصفة كاملة لن يتمكن من السيطرة عليها. ولا يزال هناك متسع من الوقت أمامه وأمام أنصاره لحفظ ماء الوجه والأمة من خلال التراجع عن جهودهم لفرض نظام سياسي على المجتمع التعددي في البلاد.

ويجب على جيران تونس والمجتمع الدولي الأوسع المساعدة من خلال إعادة التأكيد على رسالة مشتركة مفادها أن أمن تونس ومنطقة المغرب العربي يتطلبان مقاومة إغراءات الاستبداد ومخاطر الإقصاء السياسي.

المصدر | دانييل برومبرج/المركز العربي واشنطن دي سي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد