الأربعاء 13 أكتوبر 2021 05:58 ص

تفاقم الديون العراقية: ما هي الحلول؟

هل المؤسسات المستفيدة من القروض قادرة على تمويل الديون الناجمة عنها؟

السياسة المالية المنشودة تخصص القروض للمشاريع الصناعية والزراعية فقط ويمنع على الحكومة الاقتراض لتمويل الإنفاق التشغيلي.

مطلوب تحديد سقف الاقتراض بموجب القانون وآلية تلزم بعدم تجاوزه حدا معينا وهي آلية ضرورية لتنظيم الميزانية وتحسين التصنيف الائتماني.

الاقتراض للإنتاج فقط لا لتغطية عجز مالي ناجم عن نفقات تشغيل غير ضرورية بل مضرة كالإنفاق العسكري ونفقات الحشد الشعبي واعتمادات مخصصة للأوقاف.

يصنف العراق من قبل الوكالات الدولية المتخصصة ضمن البلدان الأكثر فساداً في العالم من الناحية المالية ولا يمكن التصدي لأزمة المديونية دون معالجة الفساد المستشري.

*     *     *

بلغت الديون العامة في العراق 143 مليار دولار محققةً رقمًا قياسيًا لم يسبق للبلد تسجيله في أحلك الأحوال. ولعدم وجود سياسة اقتصادية ملائمة وحلول فاعلة للمديونية يزداد الوضع المالي تأزمًا. في سبعينيات القرن المنصرم، كانت إيرادات النفط أعلى من جميع نفقات الدولة، المدنية والعسكرية، الأمر الذي وفّر أموال قدرت بمبلغ 35.5 مليار دولار.

لكن على خلاف دول الخليج، لم تستغل بغداد هذه الفوائض لتكوين صندوق سيادي، بل أودعتها في بنوك أجنبية لتدر فوائد سنوية قيمتها 4.2 مليار دولار. كانت هذه الفوائد كافية لتغطية واردات المواد الغذائية والأدوية، كما كان العراق من الدول الدائنة التي تمنح المساعدات لبلدان عربية.

بعد نشوب الحرب مع إيران، تغيرت الموازين المالية ولم تعد الإيرادات النفطية كافية لتمويل العمليات العسكرية. فخلال الفترة بين 1981 و1988 صرفت الدولة 166.1 مليار دولار للدفاع والأمن في حين لم تبلغ إيرادات النفط سوى 77.6 مليار دولار.

وهكذا، نفذت تقريبًا جميع الأموال المودعة في البنوك خلال السنوات الثلاث الأولى من الحرب، ومع انتهاء الحرب أصبح العراق مدينًا بنحو 130 مليار دولار، وانتقل البلد من دائن إلى أكبر مدين في العالم العربي.

كانت هذه الديون وفق حسابات خاطئة من الأسباب الرئيسية لاحتلال الكويت، وفرضت مقاطعة أممية صارمة على الشعب مدمرة مالية الدولة ومراكمة ديونًا خارجية، بالإضافة إلى تعويضات الكويت. وازداد تدهور المالية الخارجية العراقية بعد حرب العراق، ثم الهيمنة الإيرانية على اقتصاد الدولة .

تقدير حجم المديونية

رغم إلغاء القسط الأكبر من ديون العراق بموجب إتفاقات نادي باريس لعام 2004، عادت هذه الديون إلى الارتفاع مجدداً بسبب العجز المزمن لميزانية الدولة. وترتب على ذلك تخصيص أموال إضافية لخدمتها فتراجعت القدرة على التنمية وتدهور الوضع المعيشي للمواطنين.

يدفع العراق سنويًا 12 مليار دولار لسداد فوائد وأقساط ديونه العامة، وسوف ترتفع خدمة الديون ارتفاعاً كبيراً تحت تأثير استمرار العجز المالي. وحسب الإحصاءات الرسمية، تبلغ الديون العامة الداخلية والخارجية التي تدفع عنها الفوائد والأقساط 70 مليار دولار.

وتقدر الديون الداخلية بنحو 42 مليار دولار ناجمة عن قروض قدمها البنك المركزي ومصرف الرافدين ومصرف الرشيد والمصرف العراقي للتجارة وهيئة التقاعد الوطنية، وجميعها مؤسسات حكومية، ولا يوجد إكتتاب للأفراد في القروض الحكومية لانعدام الثقة بمالية الدولة.

وفي يونيو/حزيران 2020 أقر مجلس النواب قانونًا يسمح بموجبه للحكومة باقتراض 12 مليار دولار من الداخل لمواجهة المشاكل المالية المترتبة على كورونا، ما جعل الديون الداخلية تصل لمجموع 54 مليار دولار.

أما الديون الخارجية فتبلغ 28 مليار دولار مستحقة لمؤسسات دولية ولحكومات دول نادي باريس ودول أخرى. وبمقتضى القانون المذكور أعلاه إقترضت الحكومة خمسة مليارات دولار خاصة من صندوق النقد الدولي، فأصبح مجموع الديون الخارجية 33 مليار دولار.

لا بد من الإشارة هنا إلى أمرين هما: تعويضات الكويت والديون المستحقة للسعودية.

بموجب الفقرة 21 من قرار مجلس الأمن رقم 1483 لعام 2003 يتعين على العراق دفع 5% من عوائده النفطية إلى صندوق الأمم المتحدة للتعويضات، لكن النسبة عُدلت لاحقًا، حيث تم تقدير الضرر الذي أصاب الأفراد والشركات والمؤسسات بمبلغ 52.4 مليار دولار، ولغاية شهر مارس/آذار 2021 دفع العراق 49.5 مليار دولار. الباقي إذاً 2.9 مليار دولار.

أما الديون المستحقة للسعودية فلا يوجد تقدير دقيق لها. وهي على خلاف مستحقات الكويت غير محسوبة في المبالغ المذكورة أعلاه المتعلقة بالديون الخارجية. وتشير التقارير إلى 41 مليار دولار ناجمة عن مساعدات نقدية وأسلحة منحت للعراق من قبل دول الخليج لا سيما السعودية خلال الحرب ضد إيران. لذلك ترى الحكومة العراقية أنها "ديون بغيضة" غير جديرة بالإعتراف ولا تسدد بغداد فوائدها وأقساطها.

في الواقع لا يوجد إجماع حول كون هذه الديون بغيضة، أي ناجمة عن قروض ممنوحة لصالح نظام الحكم السابق وليس لصالح الدولة. كما لا تمنح الديون البغيضة حقاً قانونياً للدولة المدينة بعدم الاعتراف. فالديون البغيضة مبنية أساساً على مفاهيم سياسية لا على مبادئ قانونية.

في عام 2004 حصل العراق في إطار نادي باريس على حذف ديونه الخارجية لعدة أسباب في مقدمتها دور الولايات المتحدة، ولم توافق الدول الرئيسة الدائنة (اليابان وفرنسا وألمانيا وروسيا) على الحذف إلا بعد حصولها على امتيازات استثمارية في العراق، بمعنى أن العراق اعترف بهذه الديون رغم أنها كالديون السعودية ناجمة فقط عن قروض عسكرية خلال فترة الحرب ضد إيران.

وقد يكون سبب عدم الإعتراف هو غياب الإتفاقات بشأنها. الجدير بالذكر أن الرياض أعلنت عدة مرات عن عدم رغبتها في إعفاء العراق من ديونه، كما لم يصدر عنها ما يفيد بعدم وجود الإتفاقات.

يمكن النظر إلى الديون السعودية من جانب آخر. كانت إيران في الثمانينيات من القرن المنصرم تشكل خطراً جسيماً على أنظمة الحكم في دول الخليج خاصة السعودية، وكان العراق يصد هذا الخطر نيابة عن هذه الدول بكلفة عالية من الأرواح والأموال، ناهيك عن الدمار الذي لحق بالبنية التحتية والخسائر النفطية وتراجع جميع الأنشطة.

بالتالي، كانت المساعدات السعودية تمثل الثمن الأدنى الذي يتعين دفعه مقابل صد هذا الخطر. إذاً هي هبات بصورة قروض وليست ديوناً بغيضة.

وإذا ما أدرجنا المساعدات السعودية ضمن الديون البغيضة فأن ذلك يعني ضرورة حسابها ضمن الديون المستحقة على العراق. عندئذ يكون التقدير النهائي للديون كما يلي: تبلغ قروض السنة الجارية 2021 حوالي 15 مليار دولار، وعلى هذا الأساس فأن ديون العراق بما فيها مستحقات السعودية تصل حاليا إلى 143مليار دولار أي ما يعادل 61% من الناتج المحلي الإجمالي. وهي نسبة عالية نظراً للوضع المالي المتردي.

يمثل هذا المبلغ الكلي الحد الأدنى للديون العراقية. وهنالك مبالغ أخرى غير محددة بدقة، ناجمة عن قروض أبرمها إقليم كردستان إضافة إلى مستحقات الشركات النفطية الأجنبية العاملة فيه. علماً بأن تصريحات رسمية كردية تقدر مديونية الإقليم بمبلغ 31.6 مليار دولار. ويتعين التعامل مع هذا الرقم بحذر شديد لأنه يحتوي على بيانات غير متفق عليها مع بغداد.

ترشيد الاقتراض

المالية السليمة لا تتجنب القروض الداخلية والخارجية بل تضع سياسة ملائمة للوضع المالي تنسجم مع المؤشرات الاقتصادية خاصة النمو والإنتاج والتشغيل والتصدير. إذ تتطلب معالجة الأزمة المالية مشاريع صناعية وزراعية هائلة يمكن تمويلها عن طريق القروض. وحتى لا نعالج مشكلة فنقع في أخرى يتعين أن تستند سياسة الإقتراض إلى ضوابط محددة بدقة.

حالياً تقوم وزارة المالية بتحضير ميزانية الدولة التي تتضمن القروض لتغطية العجز المالي. ويتولى البرلمان الموافقة على هذه الميزانية. بمعنى أن القروض تنظم بقانون. وبسبب عدم وجود ميزانية في عام 2020، وبالنظر لحاجة البلد للقروض لتغطية العجز المالي صدر قانون خاص بالإقتراض المحلي والخارجي رقم 5 بتاريخ 25 حزيران 2020. وهو قانون يسمح لوزير المالية بالإقتراض تحت شرطين:

- أولهما ألا يزيد حجم القروض عن 5 مليارات دولار من الخارج و15 ترليون دينار من الداخل.

- ثانيهما أن تخصص نسبة لا تقل عن 15% من مجموع القروض للمشاريع الاستثمارية.

لكن ضوابط هذا القانون غير كافية بل غير ملائمة. كما أنه لا يضع سياسة مستديمة بل يسري لغاية نهاية عام 2020 بسبب عدم صدور الميزانية العامة.

من هنا نقترح سياسة للقروض تعتمد على ثلاثة شروط:

الشرط الأول: تحديد سقف الاقتراض بموجب القانون: لابد من وضع آلية تلزم بعدم تجاوز حد معين من الإقتراض. وهذه الآلية ضرورية لتنظيم الميزانية وكذلك لتحسين السمعة الإئتمانية للدولة المتردية حاليًا وفق تصنيف جميع الوكالات الدولية المعروفة. وهنالك تجارب عديدة لهذه الآلية: على سبيل المثال دول منطقة اليورو التي توجب عدم تجاوز الديون العامة 60% من الناتج المحلي الإجمالي، كما توجد تطبيقات مماثلة في الدول العربية كالسعودية والكويت.

يتعين إذن دراسة هذه النقطة بدقة. ونقترح هنا أن تكون النسبة 100%. وهي بلا شك نسبة مرتفعة، لكن حجم الأزمة يتطلب ذلك. ويتعين تقليص هذه النسبة بعد اجتياز فترة معينة تحددها الضوابط الأخرى.

الشرط الثاني: الاقتراض للإنتاج فقط: في الوقت الحاضر تقترض الدولة لتغطية العجز المالي، وهذا العجز ناجم بالدرجة الأولى عن نفقات تشغيلية قد تكون غير ضرورية بل مضرة كالمصروفات العسكرية ونفقات هيئة الحشد الشعبي والاعتمادات المخصصة لهيئات الأوقاف.

السياسة المالية المنشودة تخصص القروض للمشاريع الصناعية والزراعية فقط، ويمنع على الحكومة الاقتراض لتمويل الإنفاق التشغيلي.

الشرط الثالث: المؤسسات المستفيدة من القروض قادرة على تمويل الديون الناجمة عنها. والتمويل قد يكون بطريقة مباشرة أو بطريقة غير مباشرة: بطريقة مباشرة أي إنتاج سلع قابلة للتصدير، وبالتالي ترتفع الصادرات فتسدد الديون بسهولة. وبطريقة غير مباشرة أي إنتاج سلع للإستهلاك المحلي بدلاً من إستيرادها، وبالتالي تنخفض الواردات فيتحسن مركز ميزان المدفوعات وتُسدد الديون.

يصنف العراق من قبل الوكالات الدولية المتخصصة ضمن البلدان الأكثر فساداً في العالم من الناحية المالية. وبالتالي لا يمكن التصدي للأزمة المالية خاصة المديونية العامة دون معالجة هذا الفساد المستشري.

وعلى هذا الأساس تندرج المقترحات المذكورة أعلاه ضمن خطة اقتصادية تسعى إلى خدمة المواطنين وتنمية البلد. أنها خطوط عريضة لجانب مهم من جوانب السياسة المالية المستقبلية.

* ​صباح نعوش كاتب وباحث اقتصادي

المصدر | البيت الخليجي للدراسات والنشر