الأربعاء 13 أكتوبر 2021 07:32 ص

الأردن… آلية عدائية لاختيار الوزراء

عندما تصبح وزيرا بالأردن تقضي جل وقتك مشتبكا مع مطبات وكمائن وألغام بيروقراطية والرد على سلسلة طويلة من مؤامرات صغيرة يومية.

ماذا يمكن أن يقدم من خدمات نوعية لمعالجة معضلة القطاع العام الأردني وزراء جدد من القطاع الخاص ولديهم سجلات إخفاقات ونجاحات معلنة؟

المسألة بعد الزحام أشبه بـ«رقص بالعتمة» بيروقراطيا فنستذكر الأغنية المعروفة «رقصني يا جدع على وحدة ونص» لنستبدلها أردنيًا «وزرني يا جدع على حقيبة ونص».

آلية انتقاء الوزراء بالية ومنتهية الصلاحية بل عدائية مضرة ومستفزة للشعب لا تخدم الدولة لأن الوزير سرعان ما يبحث عن ملاذ وجدار يحتمي به على الأغلب «شلة ما».

*     *     *

ما الذي يمكن أن يقدمه من خدمات نوعية على صعيد معالجة معضلة القطاع العام في المشهد الأردني وزراء جدد تم إحضارهم من القطاع الخاص، ولديهم سجلات معلنة من الإخفاقات والنجاحات؟

خاضت الحكومات الأردنية نفس التجربة عدة مرات في الماضي والنتائج يعرفها الجميع.

المسألة لها علاقة ببيئة العمل وتجاذبات المجتمع، وتقاطعات الملف الأمني والسياسي وليس بالرؤية أو المهنية والكفاءة فقط.

أحدهم في حكومة سابقة حضر من عاصمة خليجية كان يدير فيها قسما في أحد البنوك الكبيرة ثم أصبح وزيرا في الأردن بناء على اعتبارين لا علاقة لهما بكفاءة نادرة أو بعقم الأمهات عن إنجاب أمثال له، وهما عشيرته الكبيرة بمعنى الاعتبار الجهوي ثم طبيعة علاقاته الشخصية برئيس الوزراء آنذاك.

عندما تصبح وزيرا في الأردن وبصرف النظر عن طاقتك الإبداعية تقضي جل وقتك في الاشتباك مع مسألتين:

الأولى هي المطبات والكمائن والألغام البيروقراطية بالتوازي مع مراعاة الاعتبارات البوليسية، والثانية هي الرد على سلسلة طويلة من المؤامرات الصغيرة اليومية حيث كمين يزرعه أمام قدميك زميل أو جهة ما تقطع الكهرباء عن مكتبك وعشرات المحاولات أسبوعيا لقطع الطريق عليك ثم الإحتفال بتعثرك.

ما تبقى من وقت أي وزير يأتي على أساس المحاصصة المناطقية يقضيه مقسما بين نشاطين:

- الأول هو الخضوع لتوجيهات وتعليمات أصحاب الدولة والمستشارين والجنرالات ومحاولة إرضائهم جميعا.

- الثاني الامتثال لتلبية رغبة واحتياجات ملحة أحيانا وترفيه أحيانا أخرى لأبناء العائلة والأقارب أو أبناء العشيرة والمنطقة ما دمت وزيرا فرضته اعتبارات المحاصصة.

يجد الوزراء وقبل غسل وجوههم كل صباح مواطنين يتكدسون في صالونات بيوتهم أو على أبواب شققهم باسم العشيرة والأهل والمنطقة، ولديهم جميعا احتياجات بعضها محق وبعضها الآخر انتهازي ليس أكثر.

يغرق وزراء القطاع الخاص أبناء الشركات والبنوك الذين يهبطون بالمظلة بهذه الأوقات العصيبة، مما يبرر لاحقا صعوبة تسجيل حالة نجاح واحدة في السنوات العشر الأخيرة على الأقل لها علاقة بمن تم توزيرهم وأحدثوا فرقا.

ستكون من الوزراء المحظوظين إذا غادرت موقعك دون أن تدفع ما ورثته من جدك من أموال لإرضاء الناس. وغالبا ما تخطئ بسبب الانشغال الهوسي بالكمائن فتسجل عليك ملاحظة لدى هيئات الرقابة على الفساد، وتصبح مستقبلا منبوذا لا يمكن الاستثمار فيك.

إذا كنت محظوظا وسط مجتمع وبنية بشرية تنظر للمنصب والوظيفة دوما على أساس أنها حصة سيحتفي بك أقاربك أو أبناء منطقتك وستدخل في دهاليز ومنحنيات تقمص فكرة الزعيم الاجتماعي، وستخطفك أضواء التمثيل وسيكولوجيا الجماهير التي تصفق لك، وسرعان ما تقام احتفالات لاستقبالك أو توزع من أجل ابن المنطقة البار مئات من أطباق المناسف.

لاحقا ترمى على كتفيك عباءة الزعامة الوهمية، وهي دوما مصنوعة في تايوان بالمناسبة، فتخطفك أضواء السلطة وتدخل في حالة تقمص استثنائية، وسرعان ما تعتقد بأنك ضرورة ملحة للوطن وبأن الدولة عليها أن تستثمر فيك أكثر ولأنك أجدر وأحق برئاسة الوزراء من رئيسك القائم الذي انتقاك بهدف الولاء الشخصي له وليس للدولة.

تلك واحدة من تجليات انتقاء وزراء من القطاع الخاص ثم تركهم لمعركة شرسة يلعن فيها البلاط البيروقراطي الزائر أو الوزير الجديد يوميا ثم تسجل الحكومة برمتها أحد الاخفاقات وسرعان ما يؤدي مثل هذا التعلق الواهم إلى تعديل وزاري جديد ينبش فيه القادم بأوراق من سبقه فتنشغل هيئة مكافحة الفساد.

وتنقلب المعادلة في مبالغات ما يسمى بالتحقيق والتحقق تحت مقولة دولة القانون والمؤسسات، حتى يشعر الجميع بالاستنزاف في القطاع الخاص ويبدأ الخائفون القلقون من رجال المال والأعمال بالبحث عن ملاذ والإفلات من الكمين المقبل.

عجائب وغرائب محاصصات التوزير في الأردن مرهقة ومتعبة ومقلقة ولا معنى لها.

مجددا لا أحد يعرف بصورة محددة لماذا أصبح وزيرا، والاخطر والأهم أنه لا أحد يعرف لماذا غادر الوزارة وأقيل.

مفارقة بامتياز بمثابة ماركة مسجلة للمحاصصة التي تضرب هنا وهناك وعلى أساس الولاء للقبيلة والمنطقة وللأفراد، وليس حتى للدولة والنظام ولا للمجتمع.

النتيجة يعرفها الجميع: فوضى نخبوية وتكديس طموحات وتلاوم مع تبرير الإخفاق وحيث وزارة خدماتية واحدة تقلب عليها في عامين فقط سبعة وزراء، وبقي المعنيون بالقطاع طوال العامين يتظاهرون أمام الوزير الذي يتغير قبل أن يلتقط أنفاسه.

آلية انتقاء الوزراء في المشهد الأردني لم تعد بالية فقط ولا انتهت صلاحيتها بل أصبحت عدائية مضرة ومستفزة للشعب، ولا تخدم الدولة لأن الوزير سرعان ما يبحث عن ملاذ وجدار يحتمي به سيكون على الأرجح والأغلب «شلة ما».

المسألة بعد الزحام أشبه بـ«الرقص بالعتمة» بيروقراطيا حيث نستذكر الأغنية المعروفة..«رقصني يا جدع على وحدة ونص» لنستبدلها نحن الأردنيين بـ«وزرني يا جدع على حقيبة ونص».

* بسام البدارين كاتب وإعلامي أردني

المصدر | القدس العربي