الخميس 14 أكتوبر 2021 08:34 م

رغم التصريحات المتكررة للرئيس الأمريكي "جو بايدن" أن الاتفاق النووي يمثل أولوية بالنسبة لإدارته، فإن الأمر يبدو غير ذلك. فقد أدت تأخيرات كل من الولايات المتحدة وإيران إلى إعاقة المفاوضات، بالرغم أن كل من الجانبين حذر الآخر أن الوقت ينفد. وتغيرت الديناميكيات بشكل كبير لدرجة أنه قد لا يكون هناك سبب مقنع للولايات المتحدة أو إيران للعودة الآن إلى طاولة المفاوضات.

ومع تصعيد إيران لبرنامج التخصيب النووي الخاص بها إلى ما يقرب من مستويات الاختراق، ومع استمرار العقوبات الأمريكية التاريخية على إيران، يبدو التوصل إلى صفقة بعيدا بشكل متزايد. 

إذن ما الذي يحدث بالضبط؟ ما هو واضح هو أن الاتفاق القديم قد مات وما يضغط عليه الجانبان هو صفقة جديدة يجب أن تراعي الحقائق التي تواجهها إدارتان لا تزالان في عامهما الأول (بايدن في واشنطن؛ إبراهيم رئيسي في طهران). وكلاهما يواجه أجندات محلية مختلفة تمامًا عن أولئك الذين تفاوضوا على الصفقة الأولى. وتغير البعد الدولي بشكل كبير منذ ذلك الحين أيضًا.

من منظور" بايدن"، تضاءلت المزايا السياسية لإبرام اتفاق مع إيران. فمن ناحية، حقق بالفعل أحد الوعود الرئيسية لحملته الانتخابية وهو الانسحاب من أفغانستان ما يعني أنه يشعر بضغوط أقل للوفاء بتعهد آخر صعب، مثل صفقة إيران. وبالرغم أن الديمقراطيين يشجعون على العودة إلى الاتفاق النووي ورفع العقوبات، فإن الجمهوريين يتهمون "بايدن" بأنه يتعامل بضعف مع إيران، وهو ما قد يكلف "بايدن" سياسيًا في انتخابات التجديد النصفي.

ومن وجهة نظر "رئيسي"، فإن الرفع الجزئي للعقوبات أسوأ من الإبقاء على الوضع الراهن خاصة إذا كان التغيير في رئاسة الولايات المتحدة في غضون 3 سنوات سيترجم إلى مجموعة جديدة من العقوبات. كما أن تخفيف العقوبات المؤقت من شأنه أن يزعزع استقرار الاقتصاد مرة أخرى خاصة أن إيران تكيفت اقتصاديًا مع الحياة مع العقوبات على مدى السنوات الثلاث الماضية. ونما اقتصادها بنسبة 6% هذا العام وأصبحت أقل اعتمادًا على النفط وتوجهت لتقوية العلاقات التجارية مع الشرق.

وكانت أول رحلة خارجية لـ"رئيسي" إلى آسيا الوسطى، حيث حصلت إيران الشهر الماضي على عضوية كاملة في مجلس شنغهاي للتعاون. وبالرغم أن فوائد هذه الخطوة ستأتي ببطء، إلا أنها قد تغير قواعد اللعبة، فقد ركزت إيران في السابق على الغرب وتطوراته التكنولوجية لكنها تحولت الآن إلى الاتجاه الآخر حيث ترى الصين والهند كوجهات جيدة بنفس القدر.

علاوة على ذلك، فإن قادة إيران ليس لديهم ثقة كبيرة في أن تجديد الصفقة سيؤدي إلى عودة الشركات العالمية إلى طهران. فلم يحقق تخفيف العقوبات أبدًا (حتى في ظل الاتفاق السابق) الانفتاح المالي أو مشاركة الشركات التي توقعها المفاوضون. وهذه المرة، أوضحت البنوك والشركات بالفعل أنها غير مطمئنة لأنه لا توجد ضمانات لعدم العودة إلى العقوبات مرة أخرى.

ويواجه "بايدن" حاليا معضلتين رئيسيتين. وتعد المعضلة الأولى هي المعدل السريع لتخصيب اليورانيوم والذي جعل إيران قريبة بشكل خطير من مستويات صنع القنبلة النووية. وقد خفضت تقديرات بعض الخبراء الأمريكيين الوقت الذي تحتاجه طهران لإنتاج قنبلة إلى أقل من شهر. ويعني ذلك أن إيران امتلكت بالفعل المعرفة والخبرة الكافية لصنع القنبلة، ولا يمكن إغفال ذلك.

لذلك لا يمكن أن تبدأ أي مفاوضات جديدة من حيث توقفت، ومع ذلك فإن تعيين إيران مؤخراً للمتشدد "علي باقري" لقيادة فريق فيينا يشير إلى أن طهران ليس لديها اهتمام كبير بالتخلي عن هذه الميزة. بالإضافة إلى ذلك، فإن عمليات التفتيش التي تجريها الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتي تعد جزءًا لا يتجزأ من الصفقة، يجب أن تكون أكثر اتساعا وتدقيقا لمراعاة الزيادة في قدرات التخصيب النووي.

ويسير الأمر حاليا في طريق مسدود، حيث منعت إيران المفتشين من مواقعها على مدى الأشهر العديدة الماضية. وعند نقطة معينة، ستصبح أي مفاوضات موضع نقاش حيث ستكون إيران قد تجاوزت الشروط الأصلية للاتفاق النووي بحيث تختفي قيمة عدم الانتشار.

وقد تؤدي الصفقة بالفعل إلى تراجع المخزون وقدرة التخصيب، ولكن نظرًا لأن إيران تنتج الآن مستويات أعلى بكثير من اليورانيوم المخصب ومعدن اليورانيوم، وباستخدام أعداد أكبر بكثير من أجهزة الطرد المركزي، فإنها تصل بسرعة إلى النقطة التي يصبح فيها التراجع الكامل غير قابل للتنفيذ في الحدود الزمنية المتفق عليها ضمن الاتفاقية الأصلية (كان من المفترض رفع القيود في عام 2030).

أما المعضلة الثانية لـ"بايدن" فهي إسرائيل، التي شنت خلال العام الماضي حملة تخريبية سرية لكنها شديدة الضرر ضد إيران لتقويض برنامجها النووي. وترى إسرائيل أن نهجها كان فعالا. ومع ذلك، فإن ذلك لا يضغط فقط على إيران، ولكن على المحادثات النووية، حيث أنه يغذي الشك الإيراني العميق في الدوافع الأمريكية ويقوي موقفها.

وتعتقد طهران أن الولايات المتحدة وشركائها الدوليين يوافقون ضمنيا على الهجمات الإسرائيلية، وقد صرحت في وقت سابق من هذا الشهر أنه إذا أرادت الوكالة الدولية للطاقة الذرية إجراء عمليات تفتيش في إيران، فعليها أن تدين علنًا "الهجمات الإرهابية" ضد مراكزها التكنولوجية.

ورد رئيس أركان الجيش الإسرائيلي "أفيف كوخافي"، في لحظة نادرة من الصراحة، بالقول إن استهداف البرنامج النووي الإيراني سيستمر بل سيزداد. وبالرغم من تأكيدات إدارة "بايدن" أن الدبلوماسية هي الطريق الأمثل، فإن فشلها في تقييد الإجراءات الإسرائيلية يشير إلى أن واشنطن أقل التزامًا بمحادثات فيينا مما قد يبدو خاصة أن "بايدن" أكد لإسرائيل أنه في حالة فشلها، فإنه يمكن اللجوء إلى إجراءات أخرى ضد إيران.

وبالنسبة للرئيس الإيراني، فقد تغيرت البيئة الدولية أيضًا. ومع الانسحاب الأمريكي من أفغانستان ولاحقا العراق، تتغير الديناميكية الاستراتيجية في المنطقة. وحاليا تجري طهران محادثات جادة وجهاً لوجه مع السعودية والإمارات حول قضايا الأمن الإقليمي والحرب في اليمن كما انتعشت التجارة عبر الخليج أيضًا.

وإذا أثمرت هذه المفاوضات الأولية، فيمكن معالجة قضايا أخرى بما في ذلك الصواريخ ودور الجهات الفاعلة غير الحكومية مثل الميليشيات. ومع تراجع ثقة دول الخليج في الدعم العسكري الأمريكي، فهناك زخم قوي بين قادتها للتوصل إلى تفاهم مع طهران. يقلل ذلك من دوافع إيران لإبرام صفقة جديدة مع واشنطن.

تشير هذه الأسباب إلى عدم وجود دافع كبير لإنجاح الجولة التالية من المحادثات في فيينا. علاوة على ذلك، من المرجح أن يصل الاحتكاك المستمر بين الوكالة الدولية للطاقة الذرية وإيران إلى ذروته خلال الشهرين المقبلين، مما يدفع الوكالة إما إلى لوم إيران رسميًا أو إحالة القضية إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. وسيضع كلا الخيارين مزيدا من العراقيل أمام المفاوضات، وقد يؤدي ذلك إلى عودة عقوبات الاتحاد الأوروبي وربما عقوبات الأمم المتحدة أيضًا.

هل هناك خطة بديلة لإيران أو للولايات المتحدة؟ تسعى إسرائيل بالفعل إلى تنفيذ الخطة "ب" المعروفة بـ "الموت بألف جرح" لتقليص قدرات إيران النووية وزعزعة استقرار حكومتها. ومن وجهة نظر إيران، فإن أي اعتداء خارجي (باستثناء غزو الأراضي على نطاق واسع) يمكن أن يكون نعمة سياسية لأنه سيثير الغضب الشعبي ويزيد الدعم الوطني، كما قد يوفر المبرر لاختراقات كبيرة باتجاه امتلاك القنبلة النووية بالفعل.

وبالنسبة لـ"بايدن"، لن تكون الصورة جيدة حيث سيكون التدهور الواسع للأمن والاستقرار في المنطقة المجاورة لإيران أمرًا لا مفر منه، مع تصاعد الصراع العسكري وعمل الميليشيات في الخليج، والاضطرابات الاجتماعية، والمزيد من الانهيار الإقليمي، والهجمات الإرهابية عبر الحدود.

وبينما يتطلع "بايدن" إلى التركيز أكثر على التحديات التي تمثلها الصين، فإن اندلاع حريق بطيء في الشرق الأوسط سيكون بمثابة تحول غير مرحب به. لذلك فإن الطريقة الوحيدة للتغلب على ذلك هي التفاوض على صفقة جديدة ومستدامة.

المصدر | روكسان فارمانفرمايان/ ريسبونسبال ستيتكرافت – ترجمة وتحرير الخليج الجديد