الخميس 14 أكتوبر 2021 02:00 م

القرآن الكريم وفقه التاريخ

الواجب كتابة التاريخ من خلال الاستقراء منهج الله فلم يتحدث القرآن الكريم عن تاريخ أمة أو شعب أو حاكم أو فرد إلا من خلال هذا المنهج.

راجعوا التاريخ في القرآن الكريم واكتبوا تاريخكم من خلال منهجه غفر الله لنا ولكم ما تقدم من أخطاء بسبب ما أضلنا من فكر الغرب ومناهجهم الافتراضية الظنية.

اتباع منهج الله في كتابة التاريخ هو لصالح الشعوب والحكام فإن كان التاريخ تجارب وصح تسجيلها أمكن الاستفادة منها وعدم الوقوع أخطاء العصور السابقة.

منهج الاستقراء يبين الأسس التي استند عليها في تأريخه واصفا طبيعة الشخصية ومحللا لها وناقدا أعمالها ومستنتجا نتائج ذلك ثم طارحا لتداعيات هذه النتائج والرؤية المستقبلية لهذه الشخصية.

*     *     *

كتابة التاريخ خضعت لمناهج شتى، بين مؤرخي الحكام الذين كان يهمهم تأليه الحاكم بما حقق من بطولات، ربما يسوقها الظلم والفهر والعسف، وربما تنكرحق من ساهم في هذه البطولات، وربما تهدم ما بناه من قبله من الحكام.

في حين خرج علينا المؤرخون المعاصرون بمنهج التاريخ الشعبي، أي أن التاريخ ينبغي أن يكتب ويدرس باعتباره تجربة عصرية لشعب، وليس سجلا لحاكم وأعماله وفتوحاته.

لا شك أن منطق المنهج الأول ظالم ولا يتفق مع التفكير السليم، لأنه مهما بلغت قوة الحاكم ومهما بلغ علمه ومهما كانت حكمته فإنه لا يستطيع أن يجعلنا نصدق أنه من أنجز ما زعم أنه أنجزه، كما أن المنهج الثاني تنحرف به الاشتراكية إلى ضياع حق أصحاب الفضل والمخلصين ممن تحقق بهم الإنجازات التي زعم المنهج أنها من عمل الشعب، فمن الشعب من هو خامل ومن هو سلبي ومن هو أناني ومن هو مخرب فاسد.

الحق أقول لكم أن منهج القرآن في تسجيل التاريخ أصلح كل ما ورد في تاريخ الأمم لأنه منهج حق. إن الأحق بالتقدير هو مل ذكره العلماء من أن ثلث القرآن كان عبارة عن قصص، والأجدر أن يسمى هذا الثلث تاريخا حقيقيا، فأن يشغل التاريخ ثلث القرآن الكريم لهو إشارة من المولى عز وجل إلى أهمية التاريخ وأهمية تسجيله، وضرورة اتباع منهج القرآن في تسجيل تاريخ الشعوب والأمم.

لأن اتباع منهج الله في كتابة التاريخ هو لصالح الجميع شعوبا وحكاما، فإذا كان التاريخ تجارب وصح تسجيلها أمكن حسن الاستفادة من هذه التجارب، وعدم الوقوع في نفس الأخطاء التي حدثت في عصور سابقة.

من الأمثلة الصارخة ما عانى منه التاريخ المصري من ظلم، وما أدى بالحكام إلى تكرار الأخطاء التي وقع فيها من تولى قبلهم، خاصة وأن مصر كانت مطمع الغزاة والأمم الأخرى من قديم الزمان.

فلقد تمت صياغة تاريخ مصر القديم من خلال فكر أعداء مصر وأولهم بنو إسرائيل الناكرين لجميلها وجميل أهلها الذين رحبوا بهم منذ عهد يوسف عليه السلام، فقد وصفوا حكام مصر بالفراعنة، كما عمموا هذه التسمية على مصر والمصريين.

رغم أن ما لاقوه من عنت كان على يد حاكم أجنبي محتل، وكانوا يلجأون للمصريين لحمايتهم من هذا الحاكم الظالم حتى إتاهم موسي عليه السلام من أجل تخليصهم من هذا الحاكم المحتل الظالم، فأمر الله موسى عليه السلام أن يتخذ من مصر بيوتا وأن يجعلها قبلة للناس.

لقد قام القرآن الكريم بتصحيح ما افتراه بنو إسرائيل على مصر من تاريخ ظالم، حيث أنه فرٍق بين ملوك مصر الوطنيين وبين حكامها من الأجانب المحتلين، فقد منح اسم الملك للحاكم من أصل مصري وطني، وسمى الحاكم المغتصب باسم فرعون، مؤكدا أن الحكام الوطنيين ليسوا فراعنة وأن المصريين ليسوا فراعنة أيضا.

بل جعل منهم العبد الصالح الذي سعى موسى للتعلم على يديه ما لم يتعلمه من التوراة، كما أبان عدم مصرية فرعون من أقواله وأفعاله، فلو كان فرعون مصريا ما أمر وزيره أن يوقد له على الطين ليبني له صرحا يعلوه ليطلع على إله موسى في السماء.

فهذا دليل على عدم إلمامه بالتقدم العلمي في البناء الذي كان أشهره معجزة بناء الأهرامات، كما كان قوله بافتخاره احتلال مصر: أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي، دليل على جهله بالديانة المصرية التوحيدية.

في حين أن الله سبحانه لم يذكر حاكم مصر في عهد يوسف إلا بالملك وليس بالفرعون، فهدا هو التأريخ الحق، والإنصاف لحكام مصر وشعب مصر.

من الواجب علينا أن نعيد كتابة التاريخ من خلال منهج الله وهو منهج الاستقراء، فلم يتحدث القرآن الكريم عن تاريخ أمة أو شعب أو حاكم أو فرد إلا من خلال هذا المنهج الذي ببن الأسس التي استند عليها في تأريخه، واصفا طبيعة الشخصية الوطنية ومحللا لها وناقدا حديثها وتصرفاتها، ثم مستنتجا نتائج هذا الكلام وهذه التصرفات، ثم طارحا لتداعيات هذه النتائج والرؤية المستقبلية لهذه الشخصية.

راجعوا التاريخ في القرآن وأعيدوا كتابة تاريخكم من خلال منهجه، يغفر الله لنا ولكم ما تقدم من أخطاء بسبب ما أضلنا من فكر الغرب ومناهجهم الافتراضية والظنية،

ألا هل بلغت اللهم فاشهد.

* د. محمد السعيد عبد المؤمن أستاذ الدراسات الإيرانية بجامعة عين شمس.

المصدر | فيسبوك