السبت 16 أكتوبر 2021 11:19 ص

يواجه التحالف التركي الأمريكي مشاكل في بعض المناطق. 

ففي الشهر الماضي، قال الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان": "لقد عملت بشكل جيد مع جورج دبليو بوش وباراك أوباما ودونالد ترامب، لكن لا يمكنني القول إننا بدأنا بشكل جيد مع جو بايدن".

والشهر الجاري، انتقد "بايدن" التدخل العسكري التركي شمال شرقي سوريا، زاعما أنه يساهم في تقويض الكفاح ضد تنظيم "الدولة".

وفي 29 سبتمبر/أيلول، التقى "أردوغان" نظيره الروسي "فلاديمير بوتين" في منتجع سوتشي لإجراء مباحثات حول مبيعات الأسلحة والتجارة والتعاون النووي بين البلدين.

ورغم كل ضغوط واشنطن، دعم "أردوغان" بقوة قرار بلاده شراء النظام الدفاعي الصاروخي "إس-400" روسي الصنع، ويسعى حاليا لشراء دفعة ثانية منه.

وعندما تحدث "أردوغان" عن العلاقات الدفاعية لبلاده مع موسكو (خلال لقاء سوتشي الأخير)، قال: "هناك خطوات اتخذناها بالفعل، ولهذا لا يوجد مجال للتراجع".

يتعين على إدارة "بايدن" اتخاذ قرارات صعبة فيما يتعلق بتنامي التعاون الدفاعي التركي الروسي، وهذه حقيقة واجهت إداراتا "أوباما" و"ترامب" صعوبة في معالجتها.

ويمكن وصف العلاقات بين تركيا وروسيا بـ"المعقدة". فمن ناحية، هناك توتر كبير بين البلدين؛ إذ تدعم أنقرة وموسكو الأطراف المتصارعة في نزاعات مختلفة من سوريا إلى أوكرانيا وليبيا إلى جنوب القوقاز.

ومن ناحية ثانية، يتعاون الأتراك والروس في مختلف القطاعات مثل الدفاع والطاقة والسياحة والاستثمار.

واللعبة التي تلعبها تركيا هي لعبة "التوازن الجيوسياسي. فـ"الورقة الروسية" تمنح حكومة "أردوغان" نفوذا أكبر في مواجهة الولايات المتحدة.

إذ ترغب أنقرة في بناء علاقات أعمق من "قوى بديلة" مع تقليق الاعتماد على واشنطن؛ لإيصال رسالة إلى المسؤولين الأمريكيين أن لديها خيارات أخرى في عالم متعدد الأقطاب بشكل متزايد.

وأصبح هذا النفوذ مهما بشكل متزايد لتركيا في ظل القضايا العديدة التي سببت تشققات في تحالفها مع الولايات المتحدة.

وتضمنت هذه القضايا الحساسة: دعم الولايات المتحدة لـ"وحدات حماية الشعب" (ي ب د) في سوريا، واستضافة زعيم تنظيم "كولن" الإرهابي في بنسلفانيا، وملف (المصرفي التركي) "محمد هاكان أتيلا" (الذي قضى 32 شهرا في سجون الولايات المتحدة قبل إطلاق سراحه)، و(ملف مدينة) فاروشا (القبرصية التركية المتنازع عليها مع  القبارصة الروم)، وبيان "بايدن" عن الإبادة الجماعية للأرمن، والدور المزعوم لواشنطن في المحاولة الانقلابية الفاشلة في تركيا عام 2016.

وفي هذا الصدد، يوضح مستشار السياسة الخارجية لمجموعة الديمقراطيين الاجتماعيين بالبرلمان الأوروبي "إلدار ماميدوف" أن استراتيجية "أردوغان" لتحقيق التوازن بين واشنطن وموسكو هي "ألا تكون مواليا للولايات المتحدة أو لروسيا".

ويضيف: "يتعلق الأمر بجعل تركيا مثل الورقة الجوكر في بيئتها الجيوسياسية. ويتطلب هذا أحيانا العمل مع الولايات المتحدة، وأحيانا مع روسيا، لكن الهدف دائما هو تعظيم قوة تركيا".

ومثل سابقاتها، تنظر إدارة "بايدن" بقلق إلى العلاقة الدفاعية المتنامية بين تركيا وروسيا.

ومن وجهة نظر الولايات المتحدة، فإن توجه تركيا إلى روسيا من أجل الحصول على "إس-400" أمر غير مقبول.

وبسبب تلك الأزمة، منعت الولايات المتحدة، في عام 2019، بيع 100 طائرة مقاتلة من طراز "إف-35"، التي تنتجها شركة "لوكهيد مارتن"، إلى تركيا.

وردت تركيا، آنذاك، بأنها لم يكن لديها خيار آخر سوى اللجوء إلى الكرملين لشراء "إس-400" بعد أن رفض البيت الأبيض في عهد "أوباما" بيعها نظام الدفاع الصاروخي "باتريوت".

ومن المفارقات أن الرئيس "ترامب" أبدى تفهمه للرد التركي؛ ما مكنه من القيام بشيء كان يحب فعله دائما كرئيس (وهو إلقاء اللوم على "أوباما").

لكن في ديسمبر/كانون الأول 2020، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على تركيا بموجب قانون "كاستا" كواحدة من التحركات الأخيرة للإدارة المنتهية ولايتها في الساحة الدولية.

وبحسب تقارير إعلامية الشهر الجاري، قدمت تركيا طلبا للولايات المتحدة لاقتناء 40 طائرة مقاتلة من طراز "إف-16"، إضافة إلى معدات أخرى لتحديث 80 من طائراتها الحربية.

تأتي هذه المفاجأة في وقت يسعى فيه الأتراك إلى تحديث سلاحهم الجوي في أعقاب انهيار صفقة "إف-35".

وزعم المسؤولون الأتراك أن إدارة "بايدن" أبدت ميلها لدعم بيع مقاتلات "إف-16" إلى أنقرة بقيمة 6 مليارات دولار.

وبغض النظر عن الحديث التركي، فإن موافقة الكونجرس ضرورية للمضي قدما في هذه الصفقة؛ لذا فمن غير المرجح أن تتم.

إذ من المتوقع أن يدعو المشرعون الغاضبون من قضية "إس-400" وبعض نقاط الاختلاف الأخرى في التحالف الأمريكي التركي إلى رفض طلب أنقرة.

وسترى أصوات كثيرة في واشنطن في ذلك فرصة لإرسال رسالة أخرى عالية وواضحة لتركيا حول تعاونها الدفاعي المتنامي مع روسيا.

والسؤال هنا: هل تشعر أنقرة تركيا أيضا بشأن العقوبات الجديدة التي فرضتها عليها إدارة "بايدن" (التي أبقت حتى الآن على عقوبات كاستا على تركيا)؟

ربما يكون هذا صحيحا، لكن المسؤولين الأتراك ربما يراهنون أيضا على اكتساب بلادهم قيمة استراتيجية أكبر لواشنطن بسبب التطورات الأخيرة في أفغانستان والدور المحتمل لأنقرة في ذلك البلد الذي مزقته الحرب.

وقد يؤدي ذلك إلى سعي إدارة "بايدن" لتجنب استعداء الأتراك، الذين من المرجح أن يرغب البيت الأبيض في العمل معهم إلى جانب القطريين بشأن القضايا المتعلقة بأفغانستان.

والوقت وحده سيوضح إلى أي مدى يمكن لأنقرة، من الناحية العملية، أن تساعد واشنطن والعواصم الغربية الأخرى فيما يتعلق بأفغانستان.

في الوقت نفسه، قد تشعر إدارة "بايدن" بالقلق من أن رفض طلب تركيا منحها مقاتلات "إف-16" قد يدفعها إلى اللجوء إلى روسيا أو الصين للحصول على طائرات مقاتلة.

وربما قدمت تركيا طلب شراء مقاتلات "إف-16" وهي تعلم أن الولايات المتحدة ستقول "لا"؛ وذلك لتمهيد الطريق نحو توجهها إلى موسكو أو بكين.

مثل هذه النتيجة لن تؤدي إلا إلى تقويض التعاون الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وأهم حليف لها في العالم الإسلامي.

ويحذر بعض الخبراء من أنه لا يمكن استبعاد هذا السيناريو حتى لو كان يتطلب من تركيا المرور بالعديد من العقبات اللوجستية الصعبة وقبول المخاطر الجيوسياسية.

وعن ذلك، يقول الخبير العسكري التركي "ميتين جوركان": "بصفته شخصا (يقصد أردوغان) تابع عن كثب صفقة استحواذ تركيا على أنظمة إس-400، فإنه لا يمكن استبعاد مثل هذا السيناريو، رغم كل الحجج القائلة بأن استخدام تركيا للطائرات الحربية الروسية غير قابل للتطبيق من الناحية الفنية".

ويضيف "جوركان" أن "مصادر في أنقرة قالت إن الحكومة التركية تعتبر الطلب آخر اختبار للثقة في إدارة بايدن، مؤكدة أن الإدارة يمكن أن تقنع الكونجرس بالموافقة على البيع إذا كانت حريصة حقا على منع تركيا من الانجذاب إلى روسيا. ويُنظر إلى الطلب على أنه مفترق طرق؛  حيث تستعد أنقرة لاستراتيجية جديدة، اعتمادا على استجابة واشنطن".

المصدر | نيوزلوكس/جورجيو كافيرو - ترجمة وتحرير الخليج الجديد