الأحد 17 أكتوبر 2021 09:47 ص

تسيطر الأجواء الاحتفالية على الذكرى الأولى لتوقيع اتفاق التطبيع بين الإمارات والبحرين، مع الكيان الإسرائيلي، سبتمبر/أيلول 2020، وسط رغبات محمومة لجني المكاسب سريعا.

وتترقب الأطراف الثلاثة عاما ثانيا من التطبيع، يمكن أن يحقق ما تصبو إليه أبوظبي والمنامة وتل أبيب، خاصة في ظل مخاوف من تغيرات دراماتيكية في المشهدين الإقليمي والدولي، أبرزها غياب عراب الاتفاق، الرئيس الأمريكي السابق "دونالد ترامب"، والشريك الأساسي، رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق "بنيامين نتنياهو".

ومن المؤكد أن كل طرف يرصد المكاسب والخسائر الناجمة عن اتفاق التطبيع، الذي يحمل انعكاسات عدة على المنطقة في مختلف المجالات، خاصة الاقتصادية والأمنية والاستخباراتية.

صفقة القرن

اللافت أن الصفقة التي كان يروج لها تحت شعار "صفقة القرن" توارت كثيرا، مع غياب "ترامب" و"نتنياهو" عن المشهد، بل ربما انتهت كحلم إسرائيلي أمريكي، مع عدم تحمس إدارة الرئيس الجديد "جو بايدن" لدعمها.

بدا ذلك جليا في قيام الإدارة الأمريكية بتجميد "صندوق أبراهام" إلى أجل غير مسمى، وهو الصندوق الذي أعلن عن إنشائه بعد توقيع اتفاق التطبيع لتمويل مشاريع مختلفة، بمليارات الدولارات، وتوجهت إليه مؤسسات مالية كبيرة بهدف المشاركة في الاستثمار.

وكان الصندوق يهدف عبر شراكة أميركية إسرائيلية إماراتية، إلى توفير أكثر من 3 مليارات دولار لتعزيز التعاون الاقتصادي وتشجيع الازدهار في الشرق الأوسط، وتحفيز انضمام المزيد من الدول إلى اتفاقيات التطبيع.

وصادق الصندوق، بعد 3 أشهر من انطلاقته في أكتوبر/تشرين الأول 2020، على 11 مشروعا في مجالات الطاقة والنفط، وصناعة المحتوى والتكنولوجيا، لكن قرار التجميد أغلق باب المبادرات ومنع انضمام المزيد من كبرى الشركات لمشاريع تجارية.

ويبرر مدير المعهد الإسرائيلي "ميتفيم" المتخصص بالسياسات الخارجية لإسرائيل والشرق الأوسط، "نمرود جورن"، تجميد الصندوق من قبل إدارة بايدن، بأن تأسيسه جاء بشكل سريع، ودون دراسة عملية، وبلا أهداف واضحة، كما أنه جاء لدعم "نتنياهو"، الذي كان يواجه أزمة سياسية أطاحت به بعد 12 عاما بالحكمن بحسب "الجزيرة".

كما أعادت إدارة "بايدن" التأكيد على دور الأردن الذي كان يعتقد أن الصفقة تستهدفه عبر تهميش دوره في القضية الفلسطينية وخاصة ما يتعلق بالوصاية الهاشمية على المقدسات، إضافة إلى جعله وطناً بديلاً للاجئين الفلسطينيين عن أرضهم.

تقارب منقوص

يمكن التأكيد على أن الإمارات والبحرين كانتا ترغبان في علاقات أكثر قوة وشراكة مع الولايات المتحدة من خلال بوابة التطبيع مع إسرائيل، والتحالف أكثر مع "ترامب" والجمهوريين، لكن خروج الرئيس الأمريكي السابق من البيت الأبيض عصف بأحلام أبوظبي والمنامة.

وتشعر أبوظبي بأنها فقدت كثيراً من الحظوة التي كانت تتمتع بها في عهد "ترامب"، وأن علاقتها بالإدارة الجديدة ليس على المستوى السابق، مع توجه واشنطن لدفع مسار المصالحة الخليجية، والتفاوض مع إيران، واعتبار قطر وجهة دبلوماسية واستراتيجية لها.

كذلك فإن اتفاق التطبيع تعرض لضربة قاصمة مع اندلاع حرب غزة، مايو/آيار الماضي، وتبلور تعاطف غير مسبوق بين الديمقراطيين مع الفلسطينيين، وتوجيه انتقادات نادرة لإسرائيل، وتزايد حملات الدعم من دول عربية وخليجية أخرى للموقف الفلسطيني، ما وضع الإمارات في مأزق حرج، وصورها في شكل الداعم لجرائم وعدوان تل أبيب، مع قيام الاحتلال باقتحام المسجد الأقصى.

بشكل أكثر وضوحا، فإن الإمارات خسرت كثيرا من سمعتها جراء الارتباط بـ"ترامب"، ولم يوفر لها اتفاق التطبيع ما كانت تصبو إليه من مكانة دولية ونفوذ إقليمي، مع تغير معادلات المنطقة.

صفقة "إف-35"

على الجانب الآخر، تعد صفقة "إف-35" أحد مكاسب الإمارات الأساسية من التطبيع مع إسرائيل، بعد زوال الفيتو الإسرائيلي على الصفقة، حيث كانت إسرائيل ترفض منح هذه الطائرة الشبحية المتطورة لأي دولة عربية.

تعزز ذلك لاحقا بموافقة إدارة "بايدن" على المضي قدمًا في الصفقة بقيمة 23 مليار دولار، على أن يتم التسليم لهذه المبيعات بعد عام 2025.

وتتضمن الصفقة 50 طائرة من طراز "إف-35" وغيرها من الأنظمة الدفاعية، وهي الصفقة التي ستعزز قدرات الإمارات العسكرية في المنطقة، وتمنح سلاح الجو لديها قدرات نوعية فائقة التطور.

ولا شك أن اتفاق التطبيع، منح الجانب الإماراتي امتيازات لشراء برامج تجسس اسرائيلية، والحصول على  التكنولوجيات السيبرانية ذات الخصائص الهجومية والدفاعية.

وتعد الإمارات من بين زبائن الشركات الإسرائيلية لأدوات التجسس، ومن المحتمل أن يكون للاعتبارات الدبلوماسية دور في التعجيل بالصفقات بين الطرفين، بحسب "رويترز".

ويعزز اتفاق التطبيع كذلك من الشراكة الأمنية والاستخباراتية بين البلدان الثلاثة، وتبادل المعلومات، ومكافحة الإرهاب، مع فتح مقار لأجهزة الأمن الداخلي والمخابرات الإسرائيلية، تمهيداً لوضع خطط وتدريب عناصر محلية على مواجهة أي عمليات إرهابية تستهدف دولة الاحتلال في منطقة الخليج.

وسينشئ جهاز الأمن العام الإسرائيلي (شين بيت) محطة أمنية دائمة في الإمارات لحماية الطائرات الإسرائيلية ومنع إدخال أي متفجرات أو أسلحة إليها، كما سيقوم جهاز الموساد بتتبع أي محاولة لتنفيذ عمليات إرهابية ضد الإسرائيليين أو المصالح الإسرائيلية في منطقة الخليج.

مكاسب اقتصادية

يتوقع البلدان الوصول إلى تريليون دولار من التبادلات الاقتصادية، وتحقيق مكاسب كبرى من اتفاق التطبيع، لا سيما بالنسبة لدبي الباحثة عن شركاء جدد في قطاعات السياحة والتكنولوجيا والأعمال.

وبحسب مسؤولين إماراتيين، فإن البلدين وقعتا أكثر من 60 مذكرة تفاهم، ولديهم  600-700 مليون دولار من التبادل التجاري، ويتطلعان لتنفيذ اتفاق نفطي بين البلدين يرمي إلى نقل النفط الى ميناء إيلات على البحر الأحمر، ثم عبر خط أنابيب عبر الأراضي الاسرائيلية الى ميناء عسقلان على البحر المتوسط، ليتم شحنه بعد ذلك الى أوروبا.

ومنذ توقيع اتفاق التطبيع، ارتفع عدد الشركات الإسرائيلية الناشئة العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المالية والزراعة في البلد الخليجي، وزار دولة الإمارات خلال هذه الفترة نحو 250 ألف سائح إسرائيلي، بحسب وزير السياحة الإسرائيلي، "يوئيل رازفوزوف".

وفي 12 مارس/آذار 2021، أعلنت الإمارات تأسيس صندوق لدعم الاستثمار في إسرائيل بقيمة 10 مليارات دولار، ومن آن لآخر يتوالى الإعلان عن اتفاقات اقتصادية وسياحية وزراعية ورياضية وعلمية بين الجانبين.

وتقول الباحثة في مجموعة الأزمات الدولية "إلهام فخرو"، لـ"فرانس برس"، إن منافع الإمارات الرئيسية كانت اقتصادية، مشيرة إلى أن الدولة العبرية والإمارات "استفادتا من السياحة والتبادلات الثقافية والاتفاقات في مجال الأمن السيبراني والتبادل الدبلوماسي".

ويؤكد الرئيس الإقليمي للمركز البريطاني للدراسات، "أمجد طه"، لـ"بي بي سي" أن هناك كثيرا من الإنجازات التي تمكّن اتفاق التطبيع من تحقيقها ولا سيما على المستوى التكنولوجي والزراعي والأمني.

بينما يرى مدير مؤسسة الشرق الأدنى والخليج للتحليل العسكري في دبي "رياض قهوجي"، أن المكاسب السياسية محدودة ومتواضعة، وأن إنجازات اتفاق التطبيع هي معنوية قبل كل شيء آخر، تتمثل في إحداث ثغرة في حائط الجليد بين إسرائيل وبعض الدول العربية وجعل فكرة تواجدها كدولة في المنطقة أمراً مقبولا.

يمكن حصر المكاسب بعد عام من التطبيع في مزايا اقتصادية وسياحية وأمنية واستخباراتية، حصدتها الإمارات والبحرين، لكن سياسيا، يمكن القول إن رحيل "ترامب" و"نتنياهو" أفقد الاتفاق الكثير من قوة الدفع اللازمة لإنجاحه.

ولا شك أن تأخر انضمام السعودية للاتفاق، وتلكؤ سلطنة عمان، ورفض قطر والكويت، والتوتر القائم في الأراضي الفلسطينية، جعل الاتفاق في اختبار صعب خلال عامه الثاني على التوالي.

المصدر | الخليج الجديد