الأربعاء 20 أكتوبر 2021 12:36 م

مؤشرات جديدة في انتخابات العراق

بعث الناخيون الراغبون بالتغيير الرسائل اللازمة إلى القوى السياسية وفحواها عدم القبول باستمرار مسار الحكم على حاله.

جاء التصويت ضد فصائل مسلّحة مناوئة للدولة ومرتبطة بأجندة خارجية لم يعد مرغوباً بها أيّاً تكن هويتها وجاء مع أحزاب لا تمانع بتعزيز الدولة ودورها.

بظهور النتائج الأولية رفضتها الميليشيات وطالبت بمراجعتها وأطلقت تهم التزوير والتلاعب وحتى ألتهديد باستخدام القوة لإحباطها وكل ذلك أكّد هزيمتها وارتباكها.

*     *     *

لم تُحدِث الانتخابات العراقية التغيير المنشود، ولم يكن متوَقّعاً أن تفعل، كما أن الخيارات المتاحة أمام الراغبين في التصويت (لم يتجاوزوا، بحسب الرقم الرسمي، 41 في المئة) لم تكن مريحة ولا واعدة.

لكنهم مع ذلك بعثوا بالرسائل اللازمة إلى القوى السياسية، وفحواها عدم القبول باستمرار مسار الحكم على حاله. وأمكن إجمال التصويت في اتجاهَين متلاقيين:

- أولهما، ضد الفصائل المسلّحة المناوئة للدولة والمرتبطة بأجندة خارجية لم يعد مرغوباً فيها أيّاً تكن هويتها.

- والآخر، مع الأحزاب غير الممانعة في تعزيز الدولة ودورها، حتى لو كانت لبعضها فصائل منضوية في القوات المسلّحة.

ما يؤكّد الاتجاه الأول إعراض الناخبين عن «تحالف الفتح»، الإطار السياسي لمليشيات «الحشد الشعبي»، وعودة شريحة منهم إلى «تحالف دولة القانون» باعتبار أن زعيمه نوري المالكي لا يقود فصيلاً مسلّحاً لكنه بقي سياسياً حليفاً لإيران.

أما الاتجاه الثاني فتمثّل بميل مزيدٍ من الناخبين الى التيار الصدري، وقد حاول قائده مقتدى الصدر أن يتموضع في «الوسط»، فبدا غير بعيد عن الدولة والمرجعية الشيعية، وأجرى تفاهمات أولية مسبقة مع تحالف «تقدّم» السنّي و«الحزب الديمقراطي الكردستاني» (وهو الأكبر في إقليم كردستان العراق).

كما حاول، ولم يوفَّق، الإيحاء بأنه جزء من نسيج «انتفاضة تشرين» التي كانت في أساس الدعوة إلى إجراء انتخابات مبكّرة وتعديل قانون الانتخاب.

غير أن أقليةً ممَن يسمّون «التشرينيين» جرّبت الاستفادة من هذا القانون ونجحت في بعض المحافظات، أما الغالبية ففضّلت مقاطعة الاقتراع لقناعتها المسبقة بأن الانتخابات ستعيد تثبيت المتسلّطين على الحكم في مواقعهم.

لم يكن المقاطعون مخطئين في هذا التقدير للنتائج، لكنهم أخطأوا في اعتبار أن المقاطعة نفسها يمكن أن تحقّق لهم أي أهداف، كما في اعتقادهم أن تضحياتهم في الشارع ستحمل السياسيين الفاسدين على التنحّي من تلقاء أنفسهم.

والواقع أن أي تغيير سياسي لا يحصل دفعة واحدة، فالنظام السياسي الحالي في العراق ولد واستمرّ طوال ثمانية عشر عاماً في كنف المليشيات التي رسّخت وجودها داخل الدولة وخارجها وعلى حسابها، تارة في إطار صراعات على النفوذ بين الأحزاب وتارة أخرى في سياق مكافحة إرهاب «داعش».

وإذ أظهرت تجارب عربية عدّة في العقد الماضي خطورة التسرّع والتجريب، فإن محاولات حكومة مصطفى الكاظمي لتوسيع حيّز القبول بمنطق الدولة في الداخل، ولتجنيب العراق تداعيات الصراعات الإقليمية والدولية بزيادة الانفتاح على الخارج، استطاعت أن تُحدث فارقاً وأن تضع المليشيات في موقع المسؤول عن الأزمات التي يعيشها الشعب العراقي بكل فئاته، وهذا ما انعكس عملياً على مخرجات الانتخابات.

مع ظهور النتائج الأولية انبرت الميليشيات لرفضها والمطالبة بمراجعتها، ولإطلاق اتهامات بالتزوير والتلاعب، وحتى للتهديد باستخدام القوة لإحباطها، وكل ذلك أكّد هزيمتها وارتباكها. ذاك أنها كانت تتهيّأ لأدوار تسلّطية جديدة اعتماداً على الانسحاب الأميركي بحلول نهاية السنة.

لكن التهويل لن يغيّر الكثير في وضعها، فهي تخشى مواجهة أهلية لن تكون في مصلحتها، خصوصاً أن التحدّي جاءها مباشرةً من بيئتها المذهبية التي يعاني أبناؤها الصعوبات المعيشية كسواهم في البيئات الأخرى.

لن يبقى أمام الميليشيات سوى محاولة تعويض هزيمتها بأن تأتي برئيس للحكومة موالٍ لها، لكن من شأن ذلك أن يشعل الشارع مجدّداً.

* عبد الوهاب بدرخان كاتب صحفي لبناني

المصدر | الاتحاد