الاثنين 25 أكتوبر 2021 06:28 ص

أردوغان ونعيق العقبان

رفض الرئيس التركي ما أسماه بالإملاءات الوقحة مؤكداً أنه وجه أوامره لاعتبار السفراء غير مرغوب فيهم.

السفراء العشرة أرادوا أن يحوموا فوق السيادة التركية كما تحوم العقبان فوق ليث جريح لكن الرد جاء حاسما.

يذكر سلوك السفراء هذا بممارسات السفراء الأوروبيين عقب الحرب العالمية الأولى حين كانت تعقد الاجتماعات لتقاسم "تركة الرجل المريض" بإسطنبول!

القرار يمثل تصعيداً دبلوماسياً جريئاً إن نفذ ولكن حلاً دبلوماسياً للأزمة ليس مستبعداً حيث سيكتفي الرئيس التركي غالباً بتراجع دبلوماسي من قبل هذه الدول.

أياً كان موقفك من أردوغان أو سياساته فهكذا بيان بحاجة لهكذا رد وحتى إن سويت المسألة دبلوماسياً وبقي السفراء فالرد الواضح يمنع هذه الانتهاكات مستقبلا.

*     *     *

في خطوة غير مسبوقة أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أنه وجه وزارة خارجيته لإعلان 10 سفراء غربيين شخصيات غير مرغوب بها، يأتي هذا التطور في المواجهة مع الغرب في أعقاب إصدار السفراء بياناً جماعياً يطالب بالإفراج عن عثمان كافالا رجل الأعمال المعارض والمقرب من جورج سوروس الملياردير الأمريكي المعروف بنشاطاته السياسية المثيرة للجدل.

البيان أشار إلى ما اعتبره السفراء استمراراً غير مبرر في اعتقال كافالا بعد تبرئته قضائياً واعتقاله مجدداً بتهم جديدة متعلقة بالمحاولة الانقلابية الفاشلة عام 2016، الرئيس التركي رفض في خطاب له بمناسبة افتتاح مشاريع خدمية كبرى في مدينة إسكي شهير ما أسماه بالإملاءات الوقحة مؤكداً أنه وجه أوامره لاعتبار السفراء غير مرغوب فيهم.

بغض النظر عن ظروف اعتقال كافالا ومحاكمته يتوج هذا البيان سلوكاً غربياً مستمراً في الدعم الانتقائي لحقوق الإنسان في تركيا والمنطقة، فبينما يأتي الضغط على أنظمة أخرى أكثر شمولية وعنفاً ناعماً ومتفهماً لا تجد هذه القوى حرجاً في إصدار سفرائها لهكذا بيان وبشكل يخالف الأعراف الدبلوماسية.

لا يعرف حتى لحظة كتابة هذا المقال ما إذا كانت الخارجية التركية ستنفذ قرار الرئيس أم أن الأمر ستتم مراجعته بعد الاتصالات الدبلوماسية المختلفة، حيث أعلنت عدد من الدول التي يمثلها هؤلاء السفراء أنهم لم يتلقوا عبر القنوات الرسمية تأكيداً لما ذكره أردوغان.

لا شك أن القرار يمثل تصعيداً دبلوماسياً جريئاً إن نفذ ولكن حلاً دبلوماسياً للأزمة ليس بعيداً، حيث سيكتفي الرئيس التركي غالباً بتراجع دبلوماسي من قبل هذه الدول.

معارضو الرئيس يتحدثون عن محاولته افتعال الأزمات مع الغرب للتغطية على الأزمات الاقتصادية والسياسية الداخلية، بينما يرى مؤيدوه أنه لا يمكن السكوت عن هذا التدخل السافر في الشؤون الداخلية.

هؤلاء السفراء أساؤوا على ما يبدو تقدير موقف الرئيس وحزبه، حيث اعتقدوا أن المناورات السياسية الداخلية والخارجية التي يقوم بها وقرب موعد اللقاء المفترض مع الرئيس الأمريكي في اجتماع مجموعة العشرين في روما ستمنعه من اتخاذ موقف حاسم تجاه البيان.

يذكر سلوك السفراء هذا بممارسات السفراء الأوروبيين في أعقاب الحرب العالمية الأولى حين كانت تعقد الاجتماعات لتقاسم "تركة الرجل المريض" في إسطنبول دون أن تتمكن الإمبراطورية المنهزمة في الحرب من منعها أو طرد السفراء من البلاد، لذلك لا يمكن فهم هذا البيان إلا في سياق رغبة لتكرار هذه الوصاية الغربية على تركيا وبالتالي ليس مستغرباً أن يكون الرد بهذا الحزم حتى ولو ارتبط بمكاسب داخلية أو رفع سقف تفاوضي مع الغرب.

السفراء العشرة أرادوا أن يحوموا فوق السيادة التركية كما تحوم العقبان فوق الليث الجريح، ولكن الرد جاء حاسماً، أياً كان موقفك من أردوغان أو سياساته فإن هكذا بيان بحاجة إلى هكذا رد، وحتى إن سويت المسألة دبلوماسياً وبقي السفراء فإن الرد الواضح سيمنع هذه الانتهاكات في المستقبل.

* د. ماجد محمد الأنصاري أستاذ الاجتماع السياسي بجامعة قطر

المصدر | الشرق