الاثنين 25 أكتوبر 2021 02:49 م

الهيمنة بوصفها قوّة

بلغت قوّة الهيمنة مبلغاً لا سابق له في الشّدّة منذ وَلَجتِ البشريّةُ حقبةَ العولمة منذ ثلاثين عاما.

لم تَعُدِ الهيمنةُ، في الحقبة الإمبريالية تحتاج إلى توسُّل أدوات السّيطرة (القوّة المسلّحة)، بل باتت تُنتِج لنفسها أدواتها الخاصّة المناسبة.

تعاظمت مع العولمة فرصُ ربط البلدان التّابعة واقتصاداتها بشبكة علاقات التّبعيّة التي تُديرها متروبولات الرّأسماليّة الكبرى المتحكّمة في الاقتصاد العالميّ.

حتّى المحاولات الجريئة والمستميتة التي بذلتْها بلدانٌ من الجنوب– كانت مصر النّاصريّة في صدارتها– انتهت إلى الانتظام، مجدّداً، تحت سقف التبعيّة الخانق.

يفرض المهيمِن إرادتَه على مَن يفرض عليه الهيمنة ويشلّ قدرتَه على الردّ والتّحرُّر وبالتّالي يَشْطَطُّ في استخدام قوّة الهيمنة ضدّه حتّى لا نقول إنّه يُصادِر بها قوّة الخاضع لهيمنته.

*     *     *

تفرض الهيمنة نفسها اليوم، بل منذ ما يزيد على المائة عام، بوصفها فعْلاً من أفعال ممارسة القوّة. بل ليس من مغالاةٍ في القول إنّها تقدّم نفسها، في الغالب من أحوالها، بما هي شططٌ في استخدام القوّة رّغم أنّها قد لا تتوسّل في الفعل، دائماً، أدوات القوّة المسلّحة.

لكنّ حصيلة أرباحها تكفي كي تدُلَّنا على ذلك المقدار من القوّة الذي تنطوي عليه، والذي هو ما يفسّر قدرتَها على بلوغ أهدافها. فلقد تكون القوّة محايِثة أو مُضْمَرة بحيث لا تنكشف للعيان.

غير أنّ عدم القدرة على تبيُّنها أو تحسُّسِ فعلها ليسَ قرينةً على غيابها أو انعدامها؛ إذ يكفي الكشفُ عن آثارها وتحليلُ هذه الآثار لبيان مقدار تلك القوّة الخفيّة الذي يحمله معه فعْلُ الهيمنة.

قلنا إنّ الهيمنة شططٌ في استخدام القوّة. وليس معنى ذلك أنّها مسبوقةٌ، حكماً، بقوّةٍ معلومة تستند إليها وتفرض نفسَها من طريق حمْل مَن يقع عليه فعْلُها على أخْذها، كقوّة، في الحسبان والامتثال لها بالتّبِعة، بل هي شطط لسبب آخر نستنتجه من آثار الهيمنة في مَن تقع عليه.

حين يمارس طرفٌ القوّةَ الماديّة العارية على طرفٍ ثانٍ، يملك الأخير أن يردّ عن نفسه بعضَ فعْلِ القوّة الغاشمة الواقعة عليه ولو في الحدّ الأدنى، الرّمزيّ، من الردّ.

ليس في وُسْع القوّة العارية أن تجرّده من حقّ الدّفاع عن النّفس، حتّى وإن كان الدّفاع ذلك لا يَكُفُّ القوّةَ تلك أو يلغي مفعولها. هكذا هي، مثلاً، حال الحروب التي تنشُب بين دولٍ كبرى وأخرى صغرى.. بين المستعمِر والمستعمَر.

أمّا في حال الهيمنة فيفرض المهيمِن إرادتَه على مَن يفرض عليه الهيمنة، ويشلّ قدرتَه على الردّ عليها أو التّحرُّر منها وبالتّالي، فهو يَشْطَطُّ في استخدام القوّة (قوّة الهيمنة) ضدّه حتّى لا نقول إنّه يُصادِر بها قوّة الخاضع لهيمنته.

في زمن الاستعمار كانت السّيطرة هي الغاية التي تسعى إلى بلوغها القوى الرّأسماليّة ذات القدرة الاقتصاديّة الكبرى. الاستعمار بحدّ ذاته سيطرة: سيطرة على الجغرافيا ومصادر الثّروة والأسواق واليد العاملة الرّخيصة.

وهي، مثل كلّ سيطرة، اقتضت تسخير القدرة العسكريّة الهائلة لتحقيق نفسها. لذلك كان تاريخ الاستعمار تاريخ حروب للسّيطرة على المستعمرات وإخضاعها، ثمّ لإدارتها ونَهْب ثرواتها.

وكان عنوان تلك السّيطرة، بعد أن تسْكُت المدافع وتُفْرض الهُدْنة على المستعمَر، هو إقامة إدارة استعماريّة للمستعمَرة غالباً ما تكون الإمْرةُ فيها لأحد ضبّاط الحملة العسكريّة، وإدارة أمورها ( المستعمَرة) على قواعد الصّرامة وفرض الانضباط التي تُدار بها الثّكنات العسكريّة.

لم تَعُدِ الهيمنةُ، في الحقبة الإمبريالية، تحتاج إلى توسُّل أدوات السّيطرة (القوّة المسلّحة)، بل باتت تُنتِج لنفسها أدواتها الخاصّة المناسبة.

أصبحت التبعيّة، مثلاً، تنهض بالأدوار التي اعتادتِ المدافع والبوارج أن تنهض بها في ما مضى، بل صارت مفعوليَّتُها أَفْعَلَ وأَحَدَّ من مفعوليّة وسائل الحرب الماديّة، وبها تُسْتَحْصَل من النّتائج أضعافُ ما ينجم من إعمال أدوات الحرب.

والتّبعيّةُ علاقةٌ تشدّ اقتصاداً ومجتمعاً إلى آخر مهيمن بروابط الخضوع البنيويّ. وهي، في مشهدها الكونيّ، علاقةُ إخضاع رّأسماليّات الغربيّة المتروبوليّة للبلدان والاقتصادات الجنوبيّة التّابعة، أي الواقعة تحت أحكام سلطان بنى الإنتاج والتّبادل (غير المتكافئ) التي تفرضها تلك الرّأسماليّات.

والعلاقةُ هذه حاكمة ومستحكِمة إلى الحدّ الذي لا تترك فيه كبيرَ مجالٍ أمام البلدان التّابعة للتّحرُّر من أرباق تبعيّتها البنيويّة. وهي وإنْ تكن أحرزت نجاحاً في دحْر الاحتلال الأجنبيّ عن بلادها وإنجاز استقلالها السّياسيّ، لم تستطع أن تمنع المستعمِر من تحقيق خروجٍ مأمونٍ وناجح من ديارها.

ألَمْ يترك فيها من البنيات ما لا سبيل لديه للعمل إلاّ في علاقةٍ متجدّدة ببنيات مستعمر فَرَضَت نفسها كونيّاً؟ هكذا تصبح التّبعيّة قيْداً جديداً مضروباً على الاستقلال الوطنيّ الفعليّ: الاستقلال الاقتصاديّ، وتكون الهيمنة قد حقّقت غايتها

(الإخضاع) من غير حاجة إلى أدوات السّيطرة!

ولقد بلغت قوّة الهيمنة مبلغاً لا سابق له في الشّدّة منذ وَلَجتِ البشريّةُ حقبةَ العولمة منذ ثلاثين عاماً؛ حيث تعاظمت معها فرصُ ربط البلدان التّابعة واقتصاداتها بشبكة علاقات التّبعيّة التي تُديرها متروبولات الرّأسماليّة الكبرى المتحكّمة في الاقتصاد العالميّ.

حتّى المحاولات الجريئة والمستميتة التي بذلتْها بلدانٌ من الجنوب– كانت مصر النّاصريّة في صدارتها– انتهت إلى الانتظام، مجدّداً، تحت سقف التبعيّة الخانق.

* د. عبد الإله بلقزيز كاتب وأكاديمي مغربي

المصدر | الخليج