الاثنين 25 أكتوبر 2021 11:34 م

كمرشح في سباق الرئاسة الأمريكية، وضع "جو بايدن" استراتيجية من جزأين مصممة لتقييد البرنامج النووي الإيراني. أولا، العودة إلى "الامتثال المتبادل" للاتفاق النووي لعام 2015، الذي انسحبت منه الولايات المتحدة في 2018 وانتهكته إيران لاحقا. ثانيا، بدء مفاوضات جديدة مع طهران بشأن اتفاقية "أقوى وأطول" لتحل محل الاتفاق الأصلي.

وعندما أعلن "بايدن" عن هذه السياسة، كان من المفترض أن الخطوة الأولى ستكون الجزء السهل. وأدت حملة عقوبات "أقصى ضغط" التي شنها الرئيس الأمريكي السابق "دونالد ترامب" إلى تدهور الاقتصاد الإيراني وبدا أن انتهاكات طهران للاتفاق، مهما كانت فظيعة، تهدف إلى ترك مجال لها للعودة إلى الاتفاق النووي.

لكن الأحداث اللاحقة أثبتت أن مثل هذا التحليل مفرط في التفاؤل؛ فقد قدمت إيران مطالب مستحيلة في المفاوضات لإحياء الاتفاق النووي، حيث قيل إنها تسعى إلى تخفيف العقوبات بما يتجاوز تلك المنصوص عليها في خطة العمل الشاملة المشتركة، بينما تتردد في التراجع عن الأنشطة النووية التي شرعت بها في انتهاك لتلك الاتفاقية.

وفي أي مفاوضات، يقارن كل طرف الصفقة المعروضة عليه بالبدائل المتاحة. ويشير عناد إيران في محادثات إحياء خطة العمل الشاملة المشتركة التي جرت في فيينا إلى تغيير في الحسابات التي أجرتها في عام 2015 وكان نتيجتها أن الاتفاق النووي كان أفضل من الضغط الاقتصادي المستمر.

ويعكس عدم الاهتمام باتفاق 2015 والذي تبديه حكومة الرئيس الإيراني "إبراهيم رئيسي" المتشددة رؤيتها بدائل أفضل لإيران. ومن المحتمل أن تكون إيران قد استنتجت من الأعوام الـ4 الماضية أن تخفيف العقوبات لم يكن الحل تماما، لأن الشركات الأجنبية كانت مترددة في التعامل مع إيران حتى عندما كانت خطة العمل الشاملة المشتركة سارية المفعول، لأنه كان من السهل جدا على الولايات المتحدة أن تلغي من جانب واحد الاتفاق في 2018.

وقد يشك "رئيسي" أيضا في استعداد إدارة "بايدن" لفرض عقوبات جديدة في حال عدم التوصل لاتفاق، وقد يعلق قدرا كبيرا من الأمل على علاقة إيران المتنامية مع الصين كقوة موازنة للضغط الاقتصادي الأمريكي.

بعبارة أخرى، قد يعتقد المسؤولون الإيرانيون أن العودة إلى الامتثال لخطة العمل الشاملة المشتركة أقل فائدة من البدائل. ومن خلال وضع خطة "ب" ترفع التكلفة على إيران في حالة استمرارها في رفض المبادرات الدبلوماسية وتوسيع أنشطتها النووية، مع تقديم اقتراح دبلوماسي لإيران يتمتع بفرصة أفضل للصمود لما بعد الإدارة الأمريكية الحالية، قد يكون "بايدن" قادرا على تغيير حسابات القادة الإيرانيين.

التعلم من الخبرات السابقة

وبينما تزن إدارة "بايدن" خياراتها، يجب أن تستفيد من تاريخ طويل من إخفاقات السياسة الأمريكية. ويتمثل الدرس الأساسي المستفاد من الارتباطات الدبلوماسية السابقة في أن الولايات المتحدة كانت أقل نجاحا عندما اعتمدت بشدة على نهج واحد أو أداة سياسية واحدة، وحققت أكبر قدر ممكن من الفوائد عندما استخدمت العديد من أدوات السياسة مع بعضها البعض وتصرفت بالتنسيق مع الشركاء الرئيسيين.

على سبيل المثال، يُنظر عموما إلى تعليق إيران لحملتها النووية في عام 2003 على أنه نتيجة للضغط العسكري الأمريكي والعمل الدبلوماسي الأوروبي بشكل متضافر. وأدى الجمع بين العقوبات والدبلوماسية أيضا إلى اتفاقات نووية في عامي 2013 و2015، وإن كانت تلك الاتفاقات قد اعتبرها كل من "ترامب" و"بايدن" غير كافية.

ويجب أن تتعلم إدارة "بايدن" من هذه التجارب وهي تسعى للوصول إلى البدائل. وقبل كل شيء، يجب على الولايات المتحدة أن تثبت أن إيران ستواجه عواقب وخيمة في حال إصرارها على الموقف من محادثات فيينا، (تصر على تخفيف العقوبات إلى ما هو أبعد من تلك المنصوص عليها في خطة العمل الشاملة المشتركة). وفي الوقت نفسه، يجب على إدارة "بايدن" التأكيد على أن الإدارات المستقبلية لن تنسحب من الاتفاق مرة أخرى.

وإذا استمر العناد الإيراني، يجب على إدارة "بايدن" توسيع العقوبات الاقتصادية القائمة. وسيؤدي القيام بذلك إلى تبديد أي فكرة لدى المسؤولين الإيرانيين مفادها أن انتقادات مسؤولي "بايدن" السابقة لنهج "أقصى ضغط" الذي اتبعه "ترامب" تعني أنه سيتم إضعاف العقوبات أو إسقاطها بغض النظر عن التوصل لاتفاق.

ومن أجل تحقيق ذلك، ستحتاج إدارة "بايدن" إلى تأكيد التزامها بالعقوبات التي فرضها "ترامب" على إيران وسد ثغرات التي ظهرت في نظام العقوبات خلال الأعوام الأخيرة. ومن أبرز العقوبات تلك المتعلقة بمبيعات النفط الإيراني إلى الصين والتي زادت بشكل كبير منذ عام 2020، ويقال إنه يتم تسهيلها عبر مناورات خادعة مثل عمليات النقل في البحر.

ووصلت مشتريات الصين من النفط الإيراني إلى نحو مليون برميل يوميا في مارس/آذار 2021، أي أعلى من أي فترة خلال العامين السابقين، كما ارتفعت صادرات البتروكيماويات الإيرانية العالمية أيضا. ويُحسب للمسؤولين الأمريكيين أنهم هددوا بمزيد من العقوبات المشددة، لكن المخاوف بشأن رد فعل إيران وقضية الأولويات في العلاقات المشحونة بين الولايات المتحدة والصين جعلت من الصعب الضغط على الزناد.

وسيكون اتخاذ مثل هذا القرار أسهل إذا تصرفت الولايات المتحدة بالتنسيق مع الشركاء. على وجه الخصوص، إذا انضم ما يسمى بـ"إي 3"، أي ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة، إلى الولايات المتحدة في الانسحاب من خطة العمل الشاملة المشتركة في ضوء رفض إيران العودة إلى الامتثال المتبادل، فقد يؤدي ذلك إلى إعادة فرض كل من عقوبات "سناب باك" للاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة على إيران، وهو ما كانت إدارة "ترامب" تسعى إليه.

وأظهرت الأعوام العديدة الماضية أن مثل هذه الخطوة قد لا يكون لها تداعيات اقتصادية كبيرة بالنسبة لإيران، لسبب بسيط هو أن العقوبات الأمريكية أحادية الجانب قد أنجزت الكثير وحدها. ومع ذلك ستمثل هذه الخطوة تصعيدا خطيرا للضغط الدبلوماسي على إيران، مع تخوف القيادة الإيرانية من العزلة الدولية.

وهذا هو السبب في أن سعي إدارة "بايدن" لإحياء خطة العمل الشاملة المشتركة قد يكون مفيدا، حتى لو لم يتحقق هدفه القريب. ويعد هذا بمثابة دليل على حسن النية الدبلوماسية ويجعل من المقبول سياسيا لشركاء الولايات المتحدة في أوروبا وآسيا العمل مرة أخرى بالتنسيق مع واشنطن.

ولن يكون إقناع مجموعة "إي 3" بالانسحاب من الاتفاق النووي مهمة سهلة. وبالرغم من حقيقة أن الاتفاق لم تيعد يُحترم من قبل الولايات المتحدة أو إيران، فقد تخشى هذه الدول أن يؤدي الانسحاب إلى ردود فعل أكثر زعزعة للاستقرار من قبل إيران كما قد تخشى التضحية ببنود في الاتفاقية لا تزال سارية بالرغم من الصراع بين الولايات المتحدة وإيران. وقد تحجم تلك الدول أيضا عن التصرف دون إجماع في الاتحاد الأوروبي، وهو أيضا طرف في الاتفاقية. وفي حين أن المشكلة الأخيرة قد تكون الأكثر صعوبة، إلا أنه من السهل التصدي للمشكلتين الأوليين.

وتزيد تصرفات إيران بالفعل من خطر حدوث عدم استقرار خطير، وتعني تحركات طهران الأخيرة للحد من تعاونها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية بشأن عمليات التفتيش ومراقبة أنشطتها النووية أن العناصر الأخرى من الاتفاق النووي لن يتم الحفاظ عليها على المدى الطويل.

وفي حين أن انسحاب مجموعة "إي 3" من شأنه أن يجعل إيران ومعزولة بشكل متزايد ويدفعها لإدراك الحاجة إلى اتفاقية جديدة، لكن يجب على إدارة "بايدن" أن تستعد لاحتمال عدم كفاية الضغط الدبلوماسي والاقتصادي لردع القيادة الإيرانية عن سعيها لامتلاك أسلحة نووية. وقد أظهر المسؤولون في طهران بالفعل أنهم على استعداد للسماح لبلدهم بتحمل مصاعب اقتصادية شديدة من أجل التقدم في البرنامج النووي.

نتيجة لذلك، ستحتاج الولايات المتحدة إلى إرسال رسالة واضحة مفادها أنها مستعدة لتجاوز العقوبات وتوجيه ضربة عسكرية كملاذ أخير لمنع إيران من حيازة سلاح نووي.

ويعد إحجام إدارة "بايدن" عن القيام بذلك أمرا مفهوما، فلا الديمقراطيون ولا الجمهوريون يرغبون في نزاع عسكري آخر في الشرق الأوسط، كما أن البيت الأبيض يخشى أن تتسبب هذه التهديدات في دفع الإدارة الإيرانية المتشددة إلى رفض المشاركة الدبلوماسية بسبب غضبها. لكن الردع العسكري الذي يتمتع بمصداقية له 3 مزايا تستحق الدراسة.

أولا، سيبعث رسالة إلى إيران مفادها أن امتلاك سلاح نووي قد لا يكون مكلفا فحسب، بل مستحيلا. ثانيا، قد يقدم ضمانا لشركاء الولايات المتحدة في المنطقة، مثل السعودية أو إسرائيل، الذين قد يشعرون بأنهم مجبرون على العمل ضد إيران بأنفسهم أو السعي وراء قدراتهم النووية.

ثالثا، سيظهر حقيقة أن أي رئيس أمريكي سوف يفكر في العمل العسكري إذا وصلته معلومات استخباراتية عاجلة وذات مصداقية بأن إيران قررت الاندفاع نحو سلاح نووي، نظرا للتهديد الذي قد يمثله مثل هذا التطور على الأمن القومي للولايات المتحدة.

ومن الأفضل أن تفهم إيران من الآن عواقب مثل هذا القرار، بدلا من إساءة فهم المخاطر والاندفاع إلى صراع مع الولايات المتحدة نتيجة سوء التقدير.

ويبقى التحدي الحقيقي هو كيفية ضمان مصداقية التهديد بالعمل العسكري في الوقت الذي تنفذ فيه الولايات المتحدة تحولا استراتيجيا طال انتظاره بعيدا عن الشرق الأوسط ونحو آسيا. ويعد الخطر الذي تشكله إيران على الأمن القومي الأمريكي حقيقيا، لكن لا يمكن مقارنته بالتحديات التي تطرحها الدول النووية التي تزداد عدوانية مثل الصين وروسيا.

وسيتطلب الحفاظ على مصداقية التهديدات الأمريكية استمرار العمل عندما تستهدف إيران ووكلائها المصالح الأمريكية. ومع ذلك، بدلا من زيادة الأصول الثقيلة التي تأتي من مناطق أخرى، مثل حاملات الطائرات والقاذفات بعيدة المدى، يجب على الولايات المتحدة أن تعمل بثبات لتعزيز قدرات حلفائها على مواجهة ردود إيران المحتملة

كما سيتم تعزيز مصداقية الولايات المتحدة إذا أكدت واشنطن التزامها بأمن المنطقة مع توضيح الشكل الذي ستبدو عليه الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط وسط التركيز الأكبر على آسيا.

بناء صفقة نووية أفضل

ولا يعني وضع خطة بديلة لإيران التخلي عن الدبلوماسية، بل ينبغي وضع بدائل منطقية وموثوقة أمام إيران. ويجب أن تركز إدارة "بايدن" على استبدال خطة العمل الشاملة المشتركة بدلا من إحيائها، لأن استعادة اتفاقية 2015 لن ترضي واشنطن أو طهران على المدى الطويل.

ومن جانبها، دعت طهران بالفعل إلى مناقشة اتفاق جديد تماما من خلال طلب إجراء تغييرات كبيرة على خطة العمل الشاملة المشتركة من شأنها منع الولايات المتحدة من الانسحاب مرة أخرى. وأشار "بايدن" أيضا إلى أن التفاوض على اتفاق أقوى وأطول هو هدفه النهائي. وفي حال استعادة الاتفاق القديم، يبدو من المؤكد انسحاب الولايات المتحدة منه مجددا إذا استعاد الجمهوريون البيت الأبيض.

وفي حين أن تبني نموذج دبلوماسي جديد من شأنه أن يحمل عيبا كبيرا يتمثل في التخلص من اتفاقية تحظى بالفعل بدعم دولي واسع، إلا أنه سيسمح أيضا للولايات المتحدة وإيران بالتخلص من العبء الذي صاحب مناقشة خطة العمل الشاملة المشتركة في الأعوام الأخيرة.

وفي النهاية، قد لا يكون التوصل إلى اتفاق دبلوماسي مع إيران ضروريا للغاية، فمن الممكن أن يتم ردع إيران دون اتفاق إذا كانت عواقب توسيع برنامجها النووي قوية وواضحة بما فيه الكفاية. ومع ذلك، يجب أن تظل الاتفاقية الدبلوماسية الهدف المفضل لسياسة الولايات المتحدة، حيث يمكن لاتفاق قوي أن يقلل من عدم الاستقرار واحتمال سوء التقدير الذي يستتبعه الاعتماد على الاحتواء والردع.

وبلا شك، سيكون الانتقال مباشرة إلى التفاوض على اتفاقية جديدة محفوفا بالمخاطر على المدى القصير، ولكن إذا اهتمت إدارة "بايدن" ببناء الدعم المحلي والدولي لجهودها، فيمكنها تحقيق نتيجة أكثر نجاحا واستدامة على المدى الطويل.

المصدر | مايكل سين - فورين أفيرز - ترجمة وتحرير الخليج الجديد