الجمعة 29 أكتوبر 2021 08:31 ص

ألقى تقرير نشره "المجلس الأطلسي" الضوء على ما وصفه بالإزعاج المزمن الذي تعاني منه السعودية بسبب تهديدات الطائرات المسيرة الإيرانية، التي يبدو أنها ستكون الموضوع المقبل الحساس أمنيا لدى المملكة وبقية دول الخليج، لاسيما البحرين والإمارات.

ولفت التقرير، الذي ترجمه "الخليج الجديد"، إلى حديث القادة الإسرائيليين باستمرار عن رغبتهم في استغلال التطبيع مع دول خليجية لنسج تعاون مشترك لمواجهة هذه التهديدات، وهو ما صرح به وزير الخارجية الإسرائيلي "يائير لابيد" خلال أول زيارة له إلى البحرين، في سبتمبر/أيلول الماضي.

ووفقا للتقرير، تهدد الطائرات الإيرانية بدون طيار التوازن الأمني في منطقة الخليج وشبه الجزيرة العربية وتزيد من تهديد أمن السعودية خاصة بسبب استعمالها من قبل الحوثين في اليمن.

وينقل أنه منذ 2017 بدأ الحوثيون باستعمال طائرات بدون طيار محملة بالمتفجرات، يتم تجميعها بمكونات تشحن من إيران وشبه مطابقة لطائرات "أبابيل" بدون طيار التي تستخدمها إيران و"حزب الله" اللبناني.

ويستعمل الحوثيون هذه الطائرات في استهداف المناطق المدنية والبنى التحتية الحيوية.

ويشير التحليل إلى أن السعودية قادرة على اعتراض صواريخ الحوثيين باستخدام بطاريات باتريوت أمريكية الصنع وغيرها من أنظمة الدفاع الجوي الغربية الصنع التي تحمي مواقعها الحساسة، غير أنه يبدو صعبا على الرياض وقف الطائرات بدون طيار المنخفضة الارتفاع.

ويتابع التحليل أن الدفاع الجوي السعودي عاجز عن صد أسراب كبيرة من هذه الطائرات تحلق في وقت واحد.

وزادت طهران استثماراتها في الطائرات بدون طيار في اليمن، ويبدو أن الحوثيين حصلوا على مسيرات إيرانية الصنع من نوع "صمد-2" و"صمد-3"، والتي يتجاوز مداها مئات الكيلومترات.

وبحسب "المجلس الأطلسي" أظهرت صور الأقمار الاصطناعية نشر طائرات بدون طيار إيرانية من نوع "شاهد 136" في اليمن، وهي قادرة على تغطية شبه الجزيرة العربية بأكملها والبحار المحيطة بها.

ويعتبر "المجلس الأطلسي" أن "قواعد اللعبة تغيرت"، في سبتمبر/أيلول 2019، عندما أطلقت إيران، وسط تصاعد التوتر مع واشنطن، حوالي 20 طائرة بدون طيار باتجاه "أرامكو"، أكبر منشآت معالجة النفط في العالم في بقيق وهجرة خريص، وتسببت في أضرار جسيمة وأثارت الهلع في السعودية.

وعلى الرغم من أن الحوثيين في اليمن أعلنوا المسؤولية عن الهجوم؛ ما سمح لإيران بإنكار تورطها، كشفت الولايات المتحدة أن الحرس الثوري يقف وراء الهجوم.

وبعد هذا الهجوم، افتقد السعوديون بشكل صارخ إرادة الولايات المتحدة للرد على ما حدث، رغم إنفاق الرياض أكثر من 10 مليارات دولار سنويا على المعدات العسكرية الأمريكية، لاسيما بعد بداية الحرب في اليمن.

ويشير التقرير إلى أن المسيرات الإيرانية لم تهاجم السعودية فقط من جبهة اليمن، بل من العراق أيضا، مستذكرا الهجوم الذي تم بواسطة طائرات بدون طيار على مجمع  قصور الملك "سلمان" في الرياض، خلال فبراير/شباط الماضي.

وبعد ذلك بشهر، تعرضت أكبر محطة نفطية في العالم في ميناء رأس تنورة في الساحل الشرقي للممكة لقصف بطائرات بدون طيار متعددة، وقيل حينها إنها كانت قادمة العراق أو إيران (لم يتم التأكد على وجه الدقة)، رغم أن الحوثيين أعلنوا، زورا، عن تبنيهم لذلك الهجوم أيضا.

ويلفت إلى أن إيران زودت مليشيات شيعية في العراق بعدة طائرات "صمد-2" و"صماد-3" بعيدة المدى و"مهاجر-6" ذات المدى الأقصر.

ويخلص "المجلس الأطلسي" إلى أنه، بعد مرور عامين على الهجوم على منشآت "أرامكو"، أصبح من الواضح أكثر من أي وقت مضى أن التهديد الذي تشكله الطائرات بدون طيار الإيرانية على السعودية ليس تأثيرا مؤقتا على حرب اليمن، كما كان يُعتقد في البداية، لكنه موجود ليبقى كعنصر أساسي.

ويضيف: "هذا تطور بعيد المدى؛ لأنه منح طهران طريقة جديدة وفعالة لإكراه كل من جيرانها والغرب على التعامل معها بشكل جديد، من خلال إضعاف الممرات البحرية وسوق الطاقة العالمي، متى شاءت".

ويتابع أن "الميزانية المنخفضة والطائرات بدون طيار محلية الصنع وسهلة التشغيل تعوض إلى حد ما القدرات الجوية الإيرانية المتدنية، والتي تعتمد بشكل كبير على حوالي 40 طائرة من طراز F-14".

ويكشف التقرير أن إيران تمتلك طائرات بدون طيار مسلحة أكثر من دول مثل بريطانيا أو روسيا، بميزانية عسكرية تتراوح بين 15 إلى 20 مليار دولار سنويا.

ومن وجهة نظر  السعودية، فإن تعرض صناعتها النفطية لغارات بهذا الشكل يمكن أن يمنع الخصخصة الجزئية لشركة النفط الوطنية العملاقة "أرامكو"، التي تعد ركيزة أساسية لـ"رؤية السعودية 2030"، والتي ينظر إليها على أنها المحرك الاستراتيجي لولي العهد "محمد بن سلمان".

ويرى "المجلس الأطلسي" أنه في الوقت الحالي، من الواضح أن الولايات المتحدة ليست حريصة على إلقاء ثقلها وراء دعم حليفتها السعودية ضد الطائرات بدون طيار الإيرانية المباشرة والوكيلة (في نفس الوقت الذي تتعرض فيه القواعد الأمريكية في العراق وسوريا لضربات مستمرة من الطائرات بدون طيار من قبل المليشيات الشيعية المدعومة من إيران).

وفي فبراير/شباط الماضي، سحبت إدارة "بايدن" دعمها للحملة السعودية في اليمن، وفتحت قناة تفاوض مباشرة مع الحوثيين، وتقوم حاليا أيضا بسحب قواتها تدريجيا من العراق، وهي مستثمرة بعمق في العودة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة؛ مما يقلل من قدرة واشنطن على مواجهة أنشطة إيران الإقليمية.

وتأكيدا على عدم اكتراثها بالضعف الجوي للسعودية، وفق التقرير، أعلنت الولايات المتحدة في يونيو/حزيران الماضي عن خفض حاد لأنظمتها الصاروخية وراداراتها في المملكة وعبر الخليج (بهدف إعادة نشرها على جبهات أخرى لمواجهة الصين).

ووفقا لتلك المعطيات والتطورات، تبرز إسرائيل كشريك مثالي لدول الخليج، والسعودية على وجه الخصوص، في مواجهة هذه التهديدات الإيرانية التي تهدد تل أبيب أيضا؛ حيث تتحدث تقارير عن وصول طائرات إيرانية مسيرة متطورة أيضا إلى "حزب الله" اللبناني ومليشيات أخرى في سوريا.

وفي هذا الإطار، ترى إسرائيل أن نظام "القبة الحديدية"، الذي تطوره باستمرار بشراكة أمريكية، قد يكون أقدر على مواجهة هذه الطائرات، ذات المدى التحليقي المنخفض نسبيا، والذي يصعب مواجهته باستخدام أنظمة "باتريوت" و "ثاد" الأمريكية.

ويكشف التقرير أنه في بداية العام الجاري، أعطت أمريكا لإسرائيل الضوء الأخضر لإدخال "القبة الحديدية" في القواعد الأمريكية في السعودية والخليج، لكن هذا الأمر لم يحدث فعليا، حتى الآن.

وهناك أيضا خطة سعودية لتطوير نظام مضاد للطائرات بدون طيار.

ففي عام 2020، أعلنت الصناعات العسكرية الوطنية أن رادارا محليا ونظام اعتراض للصواريخ قيد التطوير "مع شركاء دوليين".

ومع ذلك، فإن تصنيع مثل هذا النظام يتطلب معرفة تقنية خاصة، وقد يستغرق سنوات عديدة، وهو ما لا تستطيع الرياض تحمله في الوضع الحالي.

ويختتم التقرير بالقول: "في نهاية المطاف، تُقر القيادة السعودية بأنه، بصرف النظر عن استراتيجياتها الدفاعية، لديها خيارات قليلة بخلاف إصلاح الجسور مع الحكومة الإيرانية، التي أنهت العلاقات الدبلوماسية معها منذ عام 2016، لتقليل التوترات بين البلدين الإقليميين".

المصدر | الخليج الجديد