الجمعة 19 نوفمبر 2021 10:33 ص

من المتوقع أن تُستأنف المفاوضات بين إيران ومجموعة "5+1" لإحياء الاتفاق الإيراني في 29 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري.

وخلال حملته الرئاسية، كرر الرئيس الأمريكي "جو بايدن" التأكيد على أن إدارته ستنضم بسرعة إلى الاتفاق النووي، لكن ذلك لم يتحقق رغم مرور أكثر من عام على انتخابه. ويرجع ذلك في الغالب إلى رفض الولايات المتحدة رفع جميع العقوبات التي فرضتها إدارة "دونالد ترامب" على إيران، بالرغم أن الديناميكيات السياسية الداخلية في إيران لعبت دورا أيضا.

ولدى كل من إيران والولايات المتحدة "أوراق" تلعبها من أجل انتزاع التنازلات من الجانب الآخر في المفاوضات المقبلة.

بالنسبة لإدارة "بايدن"، فإن البطاقة الأهم هي الحالة المزرية للاقتصاد الإيراني نتيجة العقوبات الأمريكية القاسية، فضلا عن الفساد المستشري في البلاد. وتشير البيانات إلى أن نحو 30 مليون إيراني، من أصل 85 مليون نسمة، يعيشون تحت خط الفقر. ويبلغ معدل التضخم السنوي حوالي 60%؛ حيث يواصل الريال الإيراني التراجع أمام العملات الأجنبية الرئيسية. لذلك فإن إيران تحتاج بشدة إلى تخفيف العقوبات الأمريكية، وتدرك إدارة "بايدن" ذلك تماما.

لكن بالرغم من الحالة المزرية لاقتصادها، فإن إيران ليست مجردة من أي أوراق سياسية. ومنذ عام 2019، بعد عام من انسحاب "ترامب" من الاتفاق النووي، بدأت إيران التخفف من التزاماتها النووية، وأحرزت تقدما كبيرا في 3 مجالات رئيسية من برنامج تخصيب اليورانيوم.

ووفقا لآخر تقرير صادر عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية، قامت إيران بتركيب واستخدام عدد من أجهزة الطرد المركزي المتقدمة، التي لا يُسمح لها باستخدامها بموجب الاتفاق. وأنتجت إيران أيضا 210 كجم من اليورانيوم المخصب بنسبة 19.75% و 25 كجم بنسبة 60%. وكلاهما عند مستويات تخصيب أعلى من متوسط ​​3.65% المسموح به بموجب الاتفاق.

كما أنتجت إيران 200 جرام من معدن اليورانيوم من اليورانيوم المخصب. وإذا كان مصنوعا من اليورانيوم المخصب بنسبة 90%، فيمكن استخدامه في صنع قلب سلاح نووي. ولكن إذا كان مستوى التخصيب أقل، فبمجرد تحويله سيكون من الصعب للغاية (إن لم يكن من المستحيل) تحويله مرة أخرى إلى اليورانيوم المخصب العادي لزيادة مستوى تخصيبه.

وتعد كل هذه الخطوات قابلة للعكس؛ حيث يمكن إزالة أجهزة الطرد المركزي المتقدمة، ويمكن للوكالة الدولية للطاقة الذرية تخزين اليورانيوم، الذي يحتوي على مستويات أعلى من التخصيب، كما أن أي وحدة من معدن اليورانيوم يتم إنتاجها بتخصيب أقل من درجة التخصيب هي في الواقع خطوة جيدة لمنع انتشار الأسلحة النووية.

ومع ذلك، تكتسب إيران الخبرة والمعرفة بخصوص المجالات الثلاثة المهمة، وبالتالي تعزيز برنامجها النووي على المدى البعيد. كما أن قلق إدارة "بايدن" وحلفائها الأوروبيين من تطور البرنامج النووي الإيراني يعزز قوة طهران في المفاوضات المقبلة.

المتشددون في إيران

بالرغم أن المتشددين في إيران لا يثقون في الولايات المتحدة، إلا أنهم ليسوا موحدين. فهناك التيار الأكثر تطرفا (لكن الأصغر أيضا) والذي تعمل صحيفة "كيهان" اليومية ورئيس تحريرها "حسين شريعتمداري" بمثابة الناطق بلسانهم؛ حيث يدعو إلى الانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية وإنهاء التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

ويشمل هذا التيار أيضا "فريدون عباسي دواني"، مدير منظمة الطاقة الذرية الإيرانية خلال إدارة "أحمدي نجاد"، وهو ضابط متقاعد من الحرس الثوري، وهو حاليا نائب في البرلمان الإيراني. وقد نجا من محاولة اغتيال من قبل إسرائيل عام 2011.

وبعد اغتيال "محسن فخري زاده"، الذي قاد البرنامج النووي الإيراني لمدة 20 عاما، دعا "عباسي دواني" إلى إنهاء أي تعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

ويعتقد هذا التيار أن الجمهوريين قد يفوزون في الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2024، وأن الولايات المتحدة قد تنسحب مرة أخرى من الاتفاق النووي حتى لو توصلت إيران إلى اتفاق مع إدارة "بايدن". وهكذا، خلص هذا التيار إلى أنه لا جدوى من العودة إلى الاتفاق. ويشجع هذا التيار الاعتماد على الصين والاتفاقية الاستراتيجية التي وقعتها مع إيران في مايو/أيار الماضي معها، وكذلك انضمام إيران إلى منظمة شنجهاي للتعاون في سبتمبر/أيلول وذلك لإنقاذ إيران.

وينتمي كبير المفاوضين النوويين الإيرانيين الجديد "علي باقري" ونائب وزير خارجيتها إلى الدائرة المقربة من المرشد الأعلى "علي خامنئي" وابنه "مجتبى خامنئي"، الذي لعب دورا رائدا في صعود "رئيسي" إلى الرئاسة.

كما أن "مصباح الهدى باقري"، شقيق "باقري"، متزوج من "هدى خامنئي" ابنة المرشد الأعلى. وتلقى "باقري" تعليمه في جامعة "الإمام الصادق" في طهران، والتي تعمل على تخريج خريجين موالين أيديولوجيا لـ"خامنئي"، ويعمل 10 من خريجيها حاليا كمسؤولين كبار في إدارة "رئيسي".

وكان "باقري" من أشد المنتقدين للاتفاق النووي، حيث يرى أن إيران قدمت الكثير من التنازلات ولم تحصل سوى على القليل. وقد ساهم انسحاب "ترامب" من الاتفاق على تعزيز رأي "باقري" والكتلة المتشددة.

في المقابل، يعتقد المتشددون الأكثر برجماتية أنه من الضروري التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة؛ حيث يخشى هؤلاء من تدهور الاقتصاد بشكل أكبر مما قد يدفع الناس إلى التمرد على نطاق أكبر بكثير من مظاهرات نوفمبر/تشرين الثاني 2019. لكن في المقابل يخشى هذا التيار من أن تقديم الكثير من التنازلات قد يُضعف المتشددين الذين ينتمي إليهم هذا التيار في نهاية المطاف.

وأفادت وكالة الأنباء الإيرانية في 14 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري أن "باقري" سيطالب واشنطن في المفاوضات المقبلة برفع جميع العقوبات المفروضة على إيران، ودفع تعويضات عن الأضرار التي ألحقتها عقوبات "ترامب" بإيران، وضمان عدم فرض أي إدارة أمريكية مستقبلية العقوبات مرة أخرى.

وسيعلن "باقري" أيضا أن إيران ترفض التفاوض بشأن برنامجها الصاروخي وسياستها في الشرق الأوسط،  وسيؤكد على  ضرورة أن تكون إيران قادرة على تصدير النفط واستلام العائدات، قبل أن تعود إيران إلى التزاماتها.

وتظل الحقيقة أن إدارة "بايدن" أضاعت فرصتها للتوصل إلى اتفاق مع إدارة "روحاني" الربيع الماضي. ومن خلال رؤيتهم الجامدة والأيديولوجية للعالم، سيكون المتشددون الإيرانيون أكثر صعوبة في عملية التوصل إلى اتفاق. وبدون أن يتحلى كلا الجانبين بالمرونة والواقعية والاستعداد لتقديم التنازلات، سيكون من الصعب للغاية إحياء الاتفاق النووي.

المصدر | ريسبونسبال ستيتكرافت/محمد السحيمي – ترجمة وتحرير الخليج الجديد