الخميس 25 نوفمبر 2021 06:18 ص

تونس والاختناق السياسي

هل بات الوضع في تونس ميؤوسا منه؟ لا أبدا هناك دائما طريقة للخروج من هذا المأزق، إذا ما توفرت الإرادة.

لم يبق مع قيس سعيّد أحد من الأشخاص والأحزاب التي ناصرته في البداية والتي لم يُعرها أي اهتمام، لا حين وقفت معه ولا حين تركته.

تونس ليست مجبرة على المرور بامتحان دموي كالذي مر به السودان ولا التعرض لنفس الضغوط والتهديدات الدولية حتى يثوب الجميع إلى رشدهم.

الشعب الخاسر الأول في كل ما يجري فلا هو يريد العودة لما قبل 25 يوليو بشخوصه وأحزابه ولا وجد ضالته في رئيس صفق له كثيرون!

وجد السودان طريقته الخاصة في ذلك وقرر العسكر النزول من الشجرة باتفاق لا يرضي الجميع بالتأكيد لكنه يظل أفضل من استمرار الانقلاب.

*     *     *

أربعة أشهر على قيام الرئيس التونسي قيس سعيّد بقلب الطاولة على الجميع، ولكنه منذ ذلك الحين لم يفعل شيئا سوى الاستواء فوقها يخطب في الناس. أربعة أشهر وصلت فيها تونس إلى حالة الاختناق السياسي تجسدت في مستويات عدة:

أولا: رئيس فعل ما فعل ثم لم يعد يعرف لاحقا ماذا يفعل. انقلب الرجل على الدستور وعلى مشهد سياسي بائس فتفاءل كثيرون خيرا، جرفهم توقُهم الشديد للتغيير فلم يتوقف معظمهم عند خرق سعيّد للدستور واستحواذه على كل السلطات بلا حسيب ولا رقيب. قرر وحده ما الذي يُبقى من الدستور وما الذي يُلغي، مع أنه في مكالمته الأخيرة مع وزير الخارجية الأمريكية قال إن «الدستور لم يُعلّق بل تم فقط تجميد عضوية أعضاء المجلس النيابي» فلم نعد نعرف ماذا نصدق ما يقال للتونسيين أم ما يقال للخارج؟!

لم يبق الآن مع قيس سعيّد أحد من الأشخاص والأحزاب التي ناصرته في البداية والتي لم يُعرها أي اهتمام، لا حين وقفت معه ولا حين تركته.

ثانيا: حكومة بلا طعم ولا رائحة، بدءا من رئيستها إلى مجمل وزرائها فلا أحد منهم ذو تجربة وماض سياسيين. لم يتمكن التونسيون حتى الآن من مجرد سماع صوت رئيسة الحكومة ناهيك عن برنامجها أو حتى بعض مقترحاتها للمرحلة المقبلة.

هي لم تتحدث إلى الإعلام ولا عقدت مؤتمرا صحافيا توضح فيه للناس وضع البلاد والمطلوب من التونسيين. أكثر من ذلك، السيدة نجلاء بودن لم تترأس مجلسا وزاريا واحدا فكل اجتماع أسبوعي يترأسه رئيس الدولة نفسه فيلقي أمام الوزراء خطابه المعتاد فيما ينهمك الوزراء ورئيستهم في تدوين الملاحظات ليس أكثر.

ثالثا: الأحزاب السياسية التي تبدو في حيرة من أمرها فهي تكاد لا تفعل شيئا سوى إصدار البيانات دون أن تملك القدرة الحقيقية على التأثير في مجريات الأحداث. حتى تحرك الشارع جاء استجابة لطلبات هيئات شعبية مستقلة مثل (مواطنون ضد الانقلاب) وليس الأحزاب.

واضح أن لا أحد من الأحزاب يريد الجلوس أو التنسيق مع حركة «النهضة» التي قررت من جهتها الانحناء للعاصفة والاكتفاء بجني ثمرات أخطاء الرئيس، فيما تفتقد بقية الأحزاب لذلك العمق الشعبي القادر على التعبئة. تستوي في ذلك الأحزاب القديمة التي ناضلت ضد الاستبداد زمن الرئيس الراحل بن علي أو تلك الحديثة مثل «قلب تونس» الذي توقفت نبضاته تقريبا.

رابعا: الاتحاد العام التونسي للشغل، نقابة العمال القوية، لم يجد بعد الطريقة المثلى للتعامل مع ما حدث فهو وإن كان تفهّم، ثم رحّب، بما أقدم عليه الرئيس سعيّد في 25 يوليو/تموز إلا أنه لم يتمكن لاحقا من إيجاد تلك «المعادلة السحرية» التي تبقي على شعرة معاوية مع الرئيس وفي نفس الوقت الاعراب بقوة عن معارضته استفراد الرئيس بالقرار الوطني بلا رؤية.

حتى الحوار الوطني الذي يقترحه الرئيس لا علاقة له بما كان اقترحه الاتحاد قبل أشهر ولا مكان له فيه بالمناسبة. لكل ذلك، ترى قيادات الاتحاد يتنقلون دائما بين حلو الكلام ومرّه تجاه الرئيس دون القدرة، أو الرغبة، في اتخاذ قرار حاسم بالتحرك الواضح ضده، كما سبق أن فعلوا في مناسبات سابقة رجّحت الكفة في مفترقات تاريخية عديدة.

خامسا: الشعب، الخاسر الأول في كل ما جرى ويجري، فلا هو يريد العودة إلى الوضع السائد قبل 25 يوليو/تموز، سواء بشخوصه أو أحزابه، ولا هو وجد ضالته في رئيس صفق له كثيرون منه فإذا به يريد أخذهم إلى خيارات ومشاريع لم تكن يوما همّهم ولا مبتغاهم.

هذا الشعب، الذي يبحث عن الشغل والعيش الكريم والأسعار المناسبة والخدمات المحترمة والتعليم الجيد والذي يريد كذلك استعادة هيبة الدولة والأمن ومقاومة كل أشكال الفساد والمحسوبية وانعدام العدل في مشاريع التنمية بين الجهات والفئات، يقف اليوم وقد خاب ظنه، في السابق واللاحق، حتى كاد يكفر بالسياسة والسياسيين بلا استثناء مع ما يحمله ذلك من مخاطر جمّة.

وحين يضاف إلى كل ما سبق، التجييش بين مختلف الفرقاء على مواقع التواصل الاجتماعي، واستقالة النخبة وقلة حيلتها وتقوقع بعضها وانتهازية بعضها الآخر، فإن الصورة تبدو قاتمة للأسف لاسيما مع وضع اقتصادي يخشى أن يلتف قريبا كالثعبان على الجميع، وهو الوضع الذي بدأ سعيّد بالاصطدام به علّه يدرك أخيرا أن الدول لا تساس بالشعارات والأماني.

* محمد كريشان كاتب وإعلامي تونسي

المصدر | القدس العربي