اتفاقيات «البزنس مقابل الدم»!

لا تتعلّق اتفاقيات أبراهام بين الإمارات والبحرين والمغرب والسودان بوقف أعمال حربية غير موجودة أصلا بل تتعلّق، أساسا بـ«صفقة قرن!

الأصل أن يحصل الأردنيون على الطاقة ويستطيع المغرب الدفاع عن سيادته دون أن يفقد الفلسطينيون سيادتهم وأرضهم وليس فقط كهرباؤهم وماؤهم.

تصدّرت الاعتراضات المسجلة على الاتفاق المغربي الإسرائيلي تصريحات «جبهة دعم فلسطين وضد التطبيع» التي دعت للاحتجاج أمام البرلمان.

أحد الشعارات العظيمة التي رفعها متظاهرون أردنيون شعار «الدم ما بيصير ميّ» (الدماء لا تصير ماء) وهو شعار واقعي بسيط ويعبّر عن واقع الحال فعلا.

*     *     *

شهدت الفترة الأخيرة إعلان اتفاقين، الأول كان «إعلان نوايا» لمشروع «الطاقة مقابل الماء» بين إسرائيل والأردن بمشاركة الإمارات ورعاية أمريكا، والثاني سجّلت فيه سابقة عربية بإعلان «مذكرة تفاهم» عسكرية وأمنية بين المغرب وإسرائيل.

تصدّرت الاعتراضات المسجلة على الاتفاق المغربي الإسرائيلي تصريحات «جبهة دعم فلسطين وضد التطبيع» التي دعت للاحتجاج أمام البرلمان، و«الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين» الذي اعتبر رئيسه المغربي، أحمد الريسوني، أن العلاقات مع إسرائيل «لن تضيف للمغرب إلا الاختراق والتوريط وصناعة العملاء» والجزائر التي اعتبرت الاتفاق استهدافا لها.

لأسباب تتعلق بالجغرافيا السياسية، وبالوزن الكبير للمسألة الفلسطينية في المعادلة الأردنية، كان طبيعيا أن يخرج آلاف الأردنيين، أمس الجمعة، في تظاهرات في مدن مختلفة، احتجاجا على المشروع الجديد.

كما طالب 75 نائبا أردنيا (من أصل 130) بعقد جلسة مناقشة مستعجلة بخصوص الاتفاقية الجديدة، ولوح أحد النواب بإمكانية طرح الثقة بالحكومة إذا لم تستجب لمطالب النواب بالتراجع عن «إعلان النوايا» وقد ردّت السلطات الأردنية على الاحتجاجات باعتقال عشرات الطلاب والناشطين.

تندرج الاتفاقيات الأخيرة، منذ افتتاح الإمارات لها في 13 أغسطس 2020، ضمن سياق ما سمي بـ«الأبراهاميات» وهي تختلف، من حيث الجوهر، عن اتفاقيات السلام السابقة، التي كان أساسها وقف أعمال الحرب بين إسرائيل والبلدان العربية المجاورة لها، والتي تجسدت في اتفاقيات كامب ديفيد المصرية عام 1978، واتفاقية وادي عربة الأردنية عام 1994، وكذلك في معاهدة أوسلو عام 1993، والتي أدت لنشوء حكم ذاتي انتقالي فلسطيني ووقف الأعمال الحربية بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية.

لا تتعلّق اتفاقيات «أبراهام» بين الإمارات والبحرين والمغرب والسودان، إذن، بوقف أعمال حربية، لأن تلك الأعمال الحربية غير موجودة أصلا، بل تتعلّق، أساسا، بـ«صفقة قرن» كما سماها جاريد كوشنر، مهندس عمليات التطبيع العربية مع إسرائيل، أي أن جوهرها الأساسي، بالنسبة للزبائن العرب، هو «البزنس».

كانت هناك مشكلتان رئيسيتان تعترضان هذا «البزنس» الأولى هي وجود الفلسطينيين أنفسهم، الذين أدركوا أن الصفقة لا تقتضي إخراجهم من المعادلة فحسب، ولكن تتضمن أيضا إعطاء القدس، عاصمتهم التاريخية، وبذلك يتم محو هويتهم الثقافية والدينية، وإلغاء حقوق اللاجئين، وفوق كل ذلك تأمين «بزنس» الاستيطان، ومحو الدولة الفلسطينية المنشودة.

لعلها من المساخر الكبيرة أن يقوم مهندسو المشروع الآنف باستخدام الهوية الإبراهيمية لمحو تلك الهويّة نفسها، التي يجسدها الشعب الفلسطيني، بحيث تقوم إسرائيل باحتلالها أيضا، ويقوم العرب بمباركة ذلك الاحتلال عبر ادعاء حمل يافطته.

أحد الشعارات العظيمة التي رفعها المتظاهرون الأردنيون، هو شعار «الدم ما بيصير ميّ» (الدماء لا تصير ماء) وهو شعار واقعي بسيط ويعبّر عن واقع الحال فعلا.

من حق الأردن، كدولة، البحث عن حلول للمشاكل الاقتصادية والمالية التي ينوء شعبها تحتها، ومن حق المغرب أن تجد حلولا لمشكلة الصحراء الغربية المستعصية.

ولا بأس أن يفكر الساسة والقادة بعقلية «البزنس» لكنّ الأصل في الأشياء هو أن يعود النفع فعلا على الشعبين، فيحصل الأردنيون على الطاقة ويستطيع المغرب الدفاع عن سيادته، دون أن يفقد الفلسطينيون سيادتهم وأرضهم، وليس فقط كهرباؤهم وماؤهم.

المصدر | القدس العربي