بعد سنوات من تدهورت العلاقات بين الإمارات وتركيا، على خلفية خلافات في وجهات النظر في العديد من الملفات الإقليمية؛ بدأت الدولتان، العام الماضي، بمحاولات إنعاش العلاقات الدبلوماسية بسرعة مفاجئة، بعد سلسلة من حروب الوكالة في ليبيا والقرن الأفريقي، بشكل قاد الكثير للتساؤل عما يمكن حصول كل طرف عليه من هذا الوفاق.

وعلى مدى الأشهر الماضية عقدت اجتماعات مكثّفة بين الجانبين، أثمرت عن تهدئة في الخطاب السياسي وتراجعاً في حدة المواجهة بالوكالة بينهما في ليبيا.

والأربعاء الماضي، زار ولي عهد أبوظبي "محمد بن زايد" تركيا للمرة الأولى منذ 10 سنوات، وبحث مع الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان"، العلاقات الثنائية وسبل فتح آفاق جديدة للتعاون والعمل المشترك ومجمل القضايا والتطورات الإقليمية والدولية التي تهم البلدين.

فيما أعرب الرئيس التركي، عن ثقته بأن زيارة ولي عهد أبوظبي "تمهد لمرحلة جديدة مزدهرة وواعدة من العلاقات والتعاون الذي يصب في مصلحة البلدين وشعبيهما والمنطقة".

ولاحقا، أعلنت الإمارات، عن تأسيس صندوق بقيمة 10 مليارات دولار لدعم الاستثمارات في تركيا، كما تم على هامش الزيارة، توقيع 10 اتفاقيات استثمار في مجالات عدة.

وتعود طبيعة الملفات المرجحة لتعاون الجانبين إلى الاقتصاد بالأساس، إذ تدرك تركيا والإمارات أن استمرار الصراع والتنافس الإقليمي بينهما له تداعيات كارثية على اقتصاد كل منهما.

إكراهات وضرورات

فالطرفان، التركي والإماراتي، انطلقا من مصالح وضرورات وإكراهات إقليمية وجيوسياسية دولية، دفعت بهما إلى إعادة النظر في مسار التنافس المكلف بينهما.

كانت كل من أنقرة وأبوظبي تواجهان التحدّيات الجيوستراتيجية الخاصة بهما، في الوقت الذي تخوضان فيه صراعات بالوكالة في ساحات عدة، كما في ليبيا، وشرق المتوسط، وسوريا، وهو ما ضاعف من الاستنزاف الذي تعانيانه، خصوصاً في ظل جائحة "كورونا".

وأمام ذلك، بدأت كل دولةٍ تتلمس تخفيف الأمور التي تثقل عاتقها، خاصة مع وصول الرئيس الأمريكي الجديد "جو بايدن" إلى البيت الأبيض، والذي يحمل أجندة مضادة لأجندة محور الثورات المضادة، الذي تدعمه الإمارات، ولأجندة السياسات الإقليمية للرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" أيضا.

وفي ظل مؤشرات عديدة على تبني إدارة "بايدن" سياسة "انسحابية" مع صراعات الشرق الأوسط، لصالح حصار النفوذ الصيني في شرق آسيا، جاء التوجه الإماراتي الجديد نحو تركيا.

هذا ما عبر عنه الأكاديمي الإماراتي المقرب من دوائر الحكم "عبدالخالق عبدالله" عندما تحدث عن "تقييم عميق لدور الإمارات في المنطقة، ومراجعة لنفوذها الإقليمي" الذي اكتسبته على مدى السنوات العشر الماضية، قائلا: "لقد سئمنا من عدم الاستقرار والصراع وصدامات المصالح التي لم يربح منها أحد. وإذا كان هناك أي مكسب فهو قليل للغاية".

وفي المقابل، لم تعد أنقرة قادرةً على تحمّل أعباء التزاماتها الكثيرة والواسعة في المنطقة، خاصة مع تهاوي قيمة العملة المحلية (الليرة)، ما يعرض رؤية "أردوغان" وخططه لعام 2023، لتحدّيات قد تسفر عن خسارته وحزبه للانتخابات.

تجارة واستثمارات

ويشير المحلل السياسي التركي "جواد غوك"، في هذا الصدد، إلى أن أنقرة تريد استكمال الممر التركي الإيراني، الذي سيمكنها من أن توصل بضائعها إلى العالم عبر الإمارات في فترة زمنية قد تتناقص إلى 8 أيام، كما سيتيح لها الوصول إلى أسواق آسيا وأفريقيا بشكل أسرع، وتوقع أن يساعد التقارب الإماراتي التركي في تحسين علاقات أنقرة مع باقي الدول العربية التي يوجد بينها وبين تركيا خلافات، وفقا لما نقلته شبكة "سكاي نيوز عربية".

في هذا الإطار يمكن قراءة إعلان رئيس دائرة الاتصال في الرئاسة التركية "فخر الدين ألطون" أن بلاده والإمارات "مصرتان على تعزيز علاقاتهما الاقتصادية، والاستفادة من فرص التعاون الإقليمي"، بعد 24 ساعة من لقاء تاريخي جمع "أردوغان" وولي عهد أبوظبي "محمد بن زايد" بالعاصمة أنقرة، الأربعاء الماضي.

وفي اليوم ذاته، أعلنت الإمارات عن تأسيس صندوق بقيمة 10 مليارات دولار لدعم الاستثمارات في تركيا، على أن يتم تركيز استثماراته بالقطاعات اللوجستية، ومنها الطاقة والصحة والغذاء.

فيما أعلن الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان"، الإثنين الماضي، عزمه زيارة الإمارات في فبراير/شباط المقبل، مبينا أن وزير الخارجية التركي "مولود جاويش أوغلو" ورئيس جهاز الاستخبارات "هاكان فيدان" سيزوران الإمارات قبل زيارته إليها من أجل التحضيرات.

ومن شأن هكذا تطورات أن تؤدي إلى تحويل ساحة المعركة بين تركيا والإمارات بعيدا عن احتمالات الصدام العسكري المباشر، ما يسمح بالتنافس مع التمتع بفوائد التعاون التجاري والاقتصادي، بالإضافة إلى إبقاء خطوط الاتصال التي تساعد في منع النزاعات من الخروج عن نطاق السيطرة، حسبما يرى "جيمسي دورسي"، الباحث بمركز "ميدل إيست سوكر".

ولذا يشير الباحث المختص في الشأن التركي "محمود علوش" إلى أن "الإماراتيين وصلوا إلى قناعة بأن الانفتاح على تركيا قد يساعدهم على تجنب مأزق في دورهم الإقليمي مع تراجع الدور الأمريكي، كما أنّهم مهتمون بصناعات الدفاع التركية بعد النجاحات التي حققتها في ميادين القتال، ويبدو أنّهم يرغبون في اقتنائها لتنويع إمكاناتهم العسكرية"، وفقا لما أورده موقع قناة "الحرة" الأمريكية.

ويلفت مدير معهد إسطنبول للفكر "باكير أتاجان" إلى أن أنقرة أصبحت "لا تريد خلط الأوراق، بل تقسيم الرابحة منها والخاسرة، ومن ثم المناقشة لحل المشكلات مع الإمارات"، إذ أثبتت تداعيات جائحة كورونا أن "العلاقات غير الجيدة ستسفر عن تكاليف باهظة، لذلك لا بد من تنسيق".

صراعات عالقة

ويرى الباحث السياسي "أسامة أبوارشيد" أن الأرضية الأيديولوجية والاستراتيجية لتنافس الدولتين وتنافرهما كما هي وما تغير هو الأولويات ومساعي تخفيف الكلف الباهظة التي أثقلت كاهليهما، وفقا لما نقله موقع "العربي الجديد".

فصراع الجبهتين المدعومتين من تركيا والإمارات في ليبيا لم ينته بعد، كما لم يصل قطار التسوية في سوريا إلى نهايته، بل إن خطر التهديد الكردي على أنقرة، بحسب تصنيف الأمن القومي التركي، لا يزال قائما.

الموقف من الحركات الإسلامية السياسية لم يتغير أيضا، فبينما توفر تركيا لناشطيها المأوى والملجأ تواصل الإمارات حربها الشعواء ضدهم في جميع أنحاء العالم تقريبا.

وبإضافة إدراك الأجهزة السيادية التركية للدور الذي لعبته أبوظبي في دعم محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016، وهو ما أكده توجيه الادعاء العام التركي الاتهام رسميا، في أواخر عام 2019، إلى المسؤول الأمني الفلسطيني السابق "محمد دحلان" المقيم في أبوظبي، يمكن التأكيد على أن الأرضية الأيديولوجية والاستراتيجية للتنافس والتنافر بين الدولتين ما زالت كما هي، بحسب "أبوارشيد"، ولم يتغير بينهما سوى "الأولويات".

ومن هنا يرى "علوش" أن "إصلاح العلاقات بين تركيا والإمارات لن يعني بطبيعة الحال أن البلدين وضعا مقاربة مشتركة للقضايا الخلافية بينهما في سوريا وليبيا وغيرها، بل هو اتفاق على إدارة الصراع بطريقة تحد من تداعياته على الطرفين".

هذا ما عبر عنه حرفيا وزير الخارجية التركي "مولود جاويش أوغلو" خلال زيارته للبنان، الأسبوع الماضي، مؤكدا أن "تحسين العلاقات بين الخصوم في الشرق الأوسط لا تعني دفن الخلافات تماما"، حسب تعبيره.

والأمر ذاته أكد عليه "عبدالخالق عبدالله" في تصريحات أدلى بها لقناة "الحرة" الأمريكية، مشيرا إلى أن "هناك ملفات إقليمية عدة لا تزال عالقة، ولكن الإمارات لديها الرغبة في وضع الاقتصاد على قائمة اهتماماتها في المرحلة المقبلة لخدمة مصالحها الوطنية".

المصدر | الخليج الجديد + متابعات