الخميس 2 ديسمبر 2021 11:32 ص

في 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2021، توجه ولي عهد أبوظبي "محمد بن زايد" إلى تركيا في زيارة هي الأولى من نوعها منذ نحو 10 أعوام. وأشاد الكثيرون بهذا التطور باعتباره نهاية رسمية للحرب الباردة بين البلدين وبداية حقبة جديدة في واحدة من أكثر العلاقات الثنائية إثارة للجدل بالشرق الأوسط.

وقد استقبل الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" ولي العهد الإماراتي في القصر الرئاسي في أنقرة في مراسم ترحيب تضمنت موكبا لسلاح الفرسان. وكانت لغة الجسد وإيماءات الزعيمين إيجابية للغاية. وتعززت الطبيعة الودية للاجتماع من خلال التوقيع على عدد من الاتفاقيات تستثمر بموجبها الإمارات ما يصل إلى 10 مليارات دولار في قطاعات متعددة من الاقتصاد التركي.

وتشمل هذه الاستثمارات مجالات الطاقة والتجارة والأمن والرعاية الصحية وحماية البيئة والتنمية التكنولوجية. كما عززت بعض الاتفاقات التعاون لمنع غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وكذلك الاتصال والتنسيق بين بورصتي البلدين والبنوك المركزية.

ومن أجل تعزيز هذه المصالحة، أعلن وزير الخارجية التركي "مولود جاويش أوغلو" أنه سيسافر إلى أبوظبي منتصف ديسمبر/كانون الأول. ويُنظر إلى هذه الخطوة على أنها رحلة تمهيدية قبل زيارة محتملة من قبل "أردوغان" عام 2022.

وتأتي التطورات الأخيرة بعد مساع على مدار الشهور الماضية  لتحسين العلاقات بين البلدين. وفي يناير/كانون الثاني 2021، أعرب وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية آنذاك "أنور قرقاش" علانية عن رغبة أبوظبي في تطبيع العلاقات مع أنقرة. وفي أبريل/نيسان، أجرى وزير الخارجية الإماراتي "عبد الله بن زايد" اتصالا هاتفيا مع نظيره التركي.

وبعد 4 أشهر، زار مستشار الأمن القومي الإماراتي "طحنون بن زايد" تركيا في منتصف أغسطس/آب والتقى مع "أردوغان". وفي ذات الشهر، تحدث "محمد بن زايد" و"أردوغان" عبر الهاتف. وبالرغم من هذه التطورات خلال الفترة الماضية، فإن اجتماع "أردوغان" و"محمد بن زايد" يعد تطورا لافتا وقد استحوذ على قدر كبير من اهتمام وسائل الإعلام والمراقبين في جميع أنحاء العالم.

ولا شك أن هناك آثارا عميقة ستترتب علي دفء العلاقات بين الإمارات وتركيا؛ حيث يمثل ذلك عكسا للتوترات التي تزايدت مع تطبيع أبوظبي لعلاقاتها مع إسرائيل.

وفي الواقع، تدهورت العلاقات بين تركيا والبحرين أيضا بعد التطبيع مع إسرائيل. وقبل أسبوع من زيارة "محمد بن زايد"، سافر وزير الخارجية البحريني "عبد اللطيف بن راشد الزياني" إلى تركيا؛ حيث أجرى محادثات مع نظيره التركي تناولت العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية والدولية.

وكانت الزيارات المتتالية التي قام بها كبار المسؤولين الموقعين على اتفاقيات التطبيع حاسمة ليس فقط للعلاقات الثنائية، لكنها قد تشير أيضا إلى مرحلة جديدة في العلاقات بين تركيا وإسرائيل. وفي النهاية، قد يكون لمناخ المصالحة بين تركيا والدول العربية وإسرائيل انعكاسات كبيرة على الاستقرار الإقليمي.

الانعكاسات الإقليمية للتقارب

  • سوريا

في نوفمبر/تشرين الثاني، توجه وزير الخارجية الإماراتي إلى دمشق والتقى برئيس النظام السوري "بشار الأسد". وكانت هذه أول زيارة لشخصية إماراتية بهذا المستوى إلى سوريا منذ عقد من اندلاع الحرب الأهلية التي دعمت فيها الإمارات قوات المعارضة ضد نظام "بشار الأسد".

وقبل شهر من هذه الزيارة، ناقش "بن زايد" التطورات في سوريا والمنطقة مع "الأسد" في مكالمة هاتفية. وجاءت هذه هذه المكالمة والزيارة في إطار مساعي الإمارات لإعادة النظام السوري إلى جامعة الدول العربية. ومن المتوقع أن تناقش القمة العربية المقبلة في الجزائر في مارس/آذار إعادة عضوية سوريا.

وفي 2018، أعادت أبوظبي فتح سفارتها في دمشق بعد 7 أعوام على إغلاقها. وهناك اعتقاد عام بأن دول الخليج، ولا سيما الإمارات والسعودية، مستعدة لتمويل إعادة إعمار سوريا ومنفتحة على استثمارات جديدة في البلاد. لذلك، تتخذ خطوات براجماتية نحو إعادة دمج دمشق في النظام الإقليمي في نهاية المطاف.

وقد تحاول الإمارات استغلال قدرتها على الوساطة بين سوريا وتركيا. ولا تزال أنقرة تسيطر على أجزاء من الشمال السوري. وكان التدخل التركي في سوريا أحد النقاط الشائكة الرئيسية في العلاقات التركية الإماراتية. ويبقى أن نرى ما إذا كان هذا التقارب سيؤدي إلى تغييرات ملموسة في الوضع الراهن على الأرض في سوريا.

  • إسرائيل

كان أحد الأسئلة الرئيسية التي أثيرت هو ما إذا كان ذوبان الجليد الإماراتي التركي سيمهد الطريق لتحسين علاقات تركيا مع إسرائيل؛ ما يساعد على تليين علاقات أنقرة مع الولايات المتحدة أيضا.

وتعتبر الإمارات شريكا وثيقا للولايات المتحدة وأقرب دولة عربية لإسرائيل. وكانت الإمارات أول دولة خليجية توقع على "اتفاقات أبراهام" إلى جانب الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" ورئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو".  وقد اعتبر "أردوغان"  هذا التوقيع خيانة للفلسطينيين. وذهب إلى حد القول إنه سيفكر في تعليق العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات.

وساعدت المبادرات الدبلوماسية المثمرة بين تركيا وإسرائيل في تمهيد الطريق لزيارة "محمد بن زايد" لأنقرة. وأجرى "أردوغان" محادثات نادرة وإيجابية مع كل من الرئيس الإسرائيلي "يتسحاق هرتسوج" ورئيس الوزراء "نفتالي بينيت" بعد قرار أنقرة إطلاق سراح زوجين إسرائيليين متهمين بالتجسس.

وحث "أردوغان"، الذي يُنظر إلى مشاركته الشخصية في هذه القضية على أنها مؤشر على تحسين العلاقات بين البلدين، على استمرار الحوار بين البلدين. وسعت تركيا أيضا إلى إصلاح العلاقات مع مصر، وهي دولة قريبة من كل من دول الخليج وإسرائيل. وبالتالي، فإن نهج تركيا التصالحي مع مصر والإمارات قد يفتح بعض الفرص الدبلوماسية والاقتصادية الجديدة لإسرائيل.

  • السعودية

وعلى عكس التدهور السريع للعلاقات الإماراتية التركية، التي تدهورت بشكل كبير بعد عام 2012، تراجعت علاقات تركيا مع السعودية بشكل تدريجي فقط. وبالتالي، قد يكون من الواقعي توقع تحسن بطيء وتدريجي للعلاقات بين أنقرة والرياض.

وتوجد عقبات معينة تحول دون استعادة العلاقات السعودية التركية بشكل فوري. وتتعلق الأولى بقضية "جمال خاشقجي"، التي لم يتم تسويتها بعد. أما الثانية فتتعلق بالمنافسة بين السعودية وتركيا على القيادة داخل العالم الإسلامي. وأخيرا، ربما تنتظر السعودية (التي يبدو أنها تتخذ خطوات أكثر حذرا وبطئا تجاه تركيا) للانتخابات المحلية الحاسمة التي تُجرى في تركيا في عام 2023؛ ما قد يؤدي إلى تغيير في القيادة السياسية.

وبالرغم من ذلك، حدثت بعض التطورات الإيجابية التي قد تشير إلى ذوبان الجليد في المستقبل القريب. وبعد يوم من زيارة "محمد بن زايد" إلى أنقرة، وردت أنباء عن اجتماع بين كبار المسؤولين الأتراك والسعوديين في إسطنبول.

والتقى نائب الرئيس التركي "فؤاد أوقطاي" بوزير التجارة السعودي "ماجد بن عبد الله القصبي"، المقرب جدا من ولي العهد السعودي "محمد بن سلمان"، على هامش مؤتمر عقد في إسطنبول. وفي الواقع، يرى العديد من المراقبين أن أحد أهداف الإمارات من استعادة العلاقات مع تركيا هو كسب موطئ قدم في المنافسة الاقتصادية المحتدمة مع السعودية.

ومع ذلك، يبدو أن بعض دول المنطقة تتحوط ولا تريد إعادة ضبط مصالحها ومقارباتها بناء على التطورات الأخيرة حتى يتم حل الخلافات الرئيسية بين أنقرة وأبوظبي. وبالرغم من ذلك، فإن الانفراجة الأخيرة قد يكون لها آثار مهمة على المستوى الإقليمي، وقد يكون ذوبان الجليد الإماراتي التركي نقطة تحول في الاستقرار الإقليمي.

المصدر | سينيم كنجيز/منتدى الخليج الدولي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد