الخميس 2 ديسمبر 2021 02:21 ص

عندما أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي "جو بايدن" أنها نجحت في مسعاها للتنسيق بين البلدان المستهلكة للنفط للإفراج عن احتياطيات النفط الاستراتيجية، بدا أن هذا سيكون العامل الرئيسي الوحيد في أسواق النفط الذي ستنظر فيه "أوبك +" في اجتماعها القادم يوم 2 ديسمبر/كانون الأول، حتى جاء متحور "أوميكرون".

وأدى هذا المتحور إلى هبوط أسعار النفط في 26 نوفمبر/تشرين الثاني بعد اجتياح حالة من عدم اليقين للأسواق العالمية، خاصة مع إعلان بعض الدول لتدابير إغلاق وحظر سفر مما أثارت علامات استفهام حول أفق الطلب على النفط مع دخول عام 2022.

ومن المحتمل أن تؤدي القيود الدولية الجديدة إلى عرقلة تعافي الطلب على استهلاك وقود الطائرات.

ومن المرجح أن تراقب البلدان المنتجة للنفط (والتي تشكل تحالف "أوبك+") الأسعار بتوتر شديد مع مواجهة الكتلة الآن لمجموعة جديدة من المتغيرات بشأن عام 2022، وهي السنة الأخيرة التي يفترض أن تستمر فيها قيود الإنتاج التي فرضت استجابة لجائحة "كورونا".

اختبارات معقدة أمام "أوبك +"

تمر أسواق النفط بمأزق لم يكن من الممكن تصوره قبل أسابيع فقط، فقد كانت الأسعار في انتعاش بدا غير قابل للتوقف وكان مستمرًا منذ شهور، حيث وصل خام برنت لأعلى مستوى له منذ سنوات عند أكثر من 86 دولارا للبرميل في أواخر أكتوبر/تشرين الأول، قبل أن يبدأ الحديث عن الإفراج عن الاحتياطيات الاستراتيجية في وضع ضغط هبوطي على الأسعار.

ولكن بعد يوم واحد فقط من عطلة عيد الشكر في الولايات المتحدة، انخفضت الأسعار بنحو 10 دولارات للبرميل عن اليوم السابق، حيث استقر خام برنت عند 72.72 دولار للبرميل مع أخبار بدء انتشار متحور "أوميكرون".

ومع ذلك، فحتى في يوم إعلان "بايدن" بشأن الإفراج عن الاحتياطات الاستراتيجية، صعدت الأسعار ثانية، وهناك شبه إجماع بين المحللين بأن تحرك إدارة "بايدن" كان سياسيًا؛ إذ أنه لطالما كانت أسعار البنزين والديزل في الولايات المتحدة موضوعًا حساسًا من الناحية السياسية، ويشعر حزب "بايدن" الديمقراطي بقلق إزاء تأثير التضخم على الانتخابات النصفية الأمريكية التي بقي أقل من 12 شهرًا عليها.

وأثار ارتفاع أسعار الوقود في جميع أنحاء الولايات المتحدة دعوات من الجمهور والمسؤولين لإيجاد حل، مع حرص المعارضين السياسيين لـ"بايدن" على إلقاء اللوم في الزيادات على البيت الأبيض، بالرغم أن الرئيس ليس لديه الكثير من الخيارات التي يمكن أن يكون لها تأثير مباشر ودائم على أسعار النفط.

ومن المرجح أن ما حفز الديمقراطيين على التصرف هي كثرة التقارير التي توقعت صعود أسعار النفط وصولًا إلى 100 دولار للبرميل الخام مع نهاية 2021، بالرغم أن احتمالات التحقق الفعلي لهذه التوقعات كانت محل خلاف قوي، كما كان هناك خلاف حول قدرة الإفراج عن الاحتياطيات الاستراتيجية على إحداث التأثير المطلوب على الأسعار.

ومع عدم الاستجابة لنداءات البيت الأبيض المتكررة لـ"أوبك+" بزيادة إنتاج النفط، بدا أن إدارة "بايدن" ترجح خيار الإفراج عن النفط الخام من الاحتياطيات الاستراتيجية الأمريكية، مما أدى أخيرا إلى إعلان بأن الولايات المتحدة ستعمل على الإفراج عن الاحتياطيات بإجمالي 50 مليون برميل من الخام.

وبعد ذلك بوقت قصير، أعلنت الهند أنها ستفرج عن 5 ملايين برميل من المخزونات الخاصة بها، وأضافت المملكة المتحدة 1.5 مليون برميل آخر، كما إن الصين واليابان وكوريا الجنوبية، التي شكلت معا 60% من استهلاك النفط في آسيا والمحيط الهادئ في عام 2020، اتجهت لتحرير كميات من المخزونات الاستراتيجية بالرغم من عدم عدم إلزام نفسها بكميات معينة.

وبينما كان من المرجح أن تؤدي هذه الإفراجات إلى نقاشات بين الوفود في "أوبك +" بغض النظر عن قرار المجموعة في نهاية المطاف، فإن مشكلة الإفراج عن الاحتياطات أنه إجراء وقتي في إطار زمني محدد؛ وبالتالي كان يمكن الاكتفاء بتعليق خطط "أوبك+" لمدة شهرين من أجل تعويض التأثير الذي سيتسبب به إطلاق الاحتياطيات.

لكن التحدي الذي تستعد "أوبك+" لمناقشته حقًا هو التأثير الذي سيتسبب به متحور "أوميكرون" على الطلب على النفط في 2022.

مستقبل ضبابي: السيناريوهات والخيارات

يرجح أن تتبع "أوبك +" نهجًا أكثر حذرا، وفي الوقت الحالي، عن طريق إيقاف مؤقت لإضافة أية إمدادات في يناير/كانون الثاني مع إمكانية تكرار هذا القرار في فبراير/شباط.

ويتوقع أن يؤدي استمرار الإفراج عن الاحتياطيات الاستراتيجية إلى زيادة الإمدادات المتاحة، في الوقت الذي تستمر فيه تداعيات "أوميكرون".

وإذا تبين أن المتحور الجديد أقل قابلية لتعطيل السفر والتعافي الاقتصادي مما ظنته الأسواق المذعورة في البداية، فقد تواصل "أوبك+" زياداتها في الإنتاج بنحو 400 ألف برميل يوميًا في فبراير/شباط، إلا أن هذا تفاؤل لا يمكن تصوره الآن.

ويعد تأثير ظهور متحورات "كوفيد-19" الجديدة على الأسواق أمرًا غير قابل للتوقع، وبالتالي لا يمكن استبعاد مثل هذه النتيجة حتى تتوفر المزيد من البيانات حول "أوميكرون" وهو الأمر الذي يستغرق عدة أسابيع.

وإذا تحقق السيناريو الأسوأ، وتسبب "أوميكرون" في آثار رهيبة في جميع أنحاء العالم مع انخفاض درجات الحرارة لفصل الشتاء، فقد ينظر التحالف في خفض إنتاج جديد بالإضافة إلى تعليق الزيادات في الإنتاج.

وبالرغم أن ذلك سيساعد في منع عودة الأسعار إلى المستويات المتدنية التي ستوسع العجز في الموازنة لدى البلدان المنتجة، فإنه سيعكس أيضا آفاقًا غامضة جدًا فيما يتعلق باستمرار تعافي الطلب على النفط في عام 2022، والتي كان يُتوقع على نطاق واسع أن تعود إلى مستويات ما قبل الوباء.

وفيما كان معظم المنتجين ضمن "أوبك +" يحرصون على تعويض خسائرهم بعد الألم الاقتصادي الناجم عن تدمير الطلب على النفط بفعل الوباء في عام 2020، فإن الآخرين (مثل نيجيريا وأنجولا والعراق والكويت) يتعرضون لمشاكل تدهور الإنتاج والبنية التحتية التي بدأت في تعقيد عملية رفع الإنتاج فوق المستويات الحالية.

ويمكن أن يؤدي ذلك إلى احتكاكات بين أعضاء المجموعة.

مخاطر أخرى على الأسواق

ستحتاج "أوبك +" أيضا إلى متابعة تطورين جيوسياسيين رئيسيين سيؤثران على أعضائها في العام المقبل؛ أولهما هو استئناف محادثات إحياء الاتفاق النووي الإيراني والتي يمكن أن تؤدي إلى تراجع الولايات المتحدة تدريجيا عن العقوبات على إيران وإضافة ما يصل إلى 1.5 مليون برميل يوميا من الخام إلى السوق، ولكن تأثيرات حدوث ذلك ليست واضحة حاليًا كما هو الحال بشأن آفاق "أوميكرون".

أما العامل الثاني الغامض أيضًا فهو احتمال تعطل صادرات النفط الليبي إذا أدت الانتخابات المقررة في أواخر ديسمبر/كانون الأول إلى صراع أهلي؛ وقد حافظت ليبيا على أكثر من مليون برميل يوميا من الصادرات منذ أن تم رفع الحصار المحلي الذي أدى لجعل مستوى إنتاجها صفرًا تقريبا في أواخر عام 2020، ويمكن أن يتسبب فقدان هذه الصادرات في قفزة في الأسعار مجددًا.

من المهم الإشارة إلى أن كلا البلدين معفى من حصص الإنتاج في الوقت الحالي، أما إذا حدثت إعادة تخصيص للحصص لتشمل أحدهما أو كليهما، فسوف يسبب هذا الانزعاج في صفوف "أوبك +"

ومع استمرار تباين التحديات التي تواجه أعضاء "أوبك +" في خضم تحول الطاقة الذي يتطلعون إليه، فإن جهود المجموعة في إدارة الأسواق وموازنة أولويات وسياسات أعضائها، سوف تصبح مهمة أكثر تعقيدًا.

المصدر | كولبي كونيلي/ معهد الشرق الأوسط - ترجمة وتحرير الخليج الجديد