اعتبرت صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية، أن البيت الأبيض حقق انتصارا مرحليا في مسيرته مع السعودية، وذلك تعليقا على قرار "أوبك+"، بزيادة الإنتاج الشهري للنفط ما يمهد لتهدئة الأسعار، كما يريد البيت الأبيض، لكن في نفس الوقت فإن الرياض لم تخسر، بل كسبت ما يمكن اعتباره تحولا أمريكيا في الموقف من المملكة وولي العهد "محمد بن سلمان".

وقالت الصحيفة، في تقرير ترجمه "الخليج الجديد"، إن قرار "أوبك+"، التي تتزعمها السعودية، جاء بعد أن عقد وفد أمريكي رفيع المستوى لقاءات في المملكة، هذا الأسبوع، ما يشير إلى إمكانية وجود تحول في موقف إدارة "بايدن" تجاه المملكة، بعد أن كانت تتبنى موقفا متشددا من الرياض، لاسيما ولي العهد "محمد بن سلمان"، على خلفية تحركات إقليمية ومحلية اعتبرت متهورة وتمس حقوق الإنسان.

وكشفت أن الوفد الأمريكي قاده "داليب سينج"، نائب مستشار الأمن القومي ونائب مدير المجلس الاقتصادي الوطني، و"دون جريفز"، نائب وزير التجارة، و"عاموس هوشستين"، كبير مستشاري وزارة الخارجية لأمن الطاقة العالمي.

ونقلت عن مصادر أن الاجتماعات سارت "بشكل جيد للغاية"، وفقًا للمسؤولين الذين تم إطلاعهم على المحادثات، على الرغم من إصرارهم على عدم وجود مقايضة في الجهود المبذولة لتوطيد العلاقات وإعادة تأطير العلاقة الأمريكية السعودية حول الاقتصاد والطاقة.

وقال أشخاص مطلعون على المناقشات إن "هوشستين" عقد اجتماعات مطولة مع الأمير "عبدالعزيز بن سلمان"، وزير الطاقة السعودي والأخ غير الشقيق للأمير "محمد"، قبل اجتماعات "أوبك+".

وأشار التقرير إلى أن ما يمكن اعتباره تحولا أمريكيا تجاه الرياض، حيث جاء من بوابة الاقتصاد والطاقة، مع الارتفاع الكبير لأسعار البنزين في المضخات الأمريكية، ومخاوف في واشنطن من حدوث موجة تضخم، وتقارير عن تراجع كبير في شعبية "بايدن".

وأشارت الصحيفة إلى أن "جو بايدن" دخل البيت الأبيض واعدًا بإعادة تقييم علاقات واشنطن مع الرياض، حيث أدان السعودية بشأن مقتل الصحفي "جمال خاشقجي" وانتهاكات حقوق الإنسان الأخرى، كما أوضحت الإدارة أنه على عكس سلفه "دونالد ترامب"، فإن "بايدن" سيتعامل مع الملك "سلمان"، وليس ولي العهد "محمد بن سلمان"، نجل الملك المسن.

لكن في الأشهر الأخيرة ظهرت بوادر على إعادة تقويم نهج واشنطن.

ويقول محللون إن مسؤولي الإدارة أدركوا أنهم بحاجة إلى التواصل مع الرياض بشأن العديد من أهدافهم السياسية، من جهودها لإنهاء الحرب في اليمن إلى القضايا الحاسمة الأخرى في الشرق الأوسط وتغير المناخ وأسواق الطاقة.

وقال التقرير إن الخطوة التي اتخذتها السعودية وأعضاء آخرون في "أوبك+" لزيادة المعروض من الخام العام المقبل بمقدار 400 ألف برميل يوميًا مفاجأة للمتداولين، الذين توقعوا أن تحاول المجموعة دعم الأسعار التي تراجعت بنسبة 20% تقريبًا في الأسبوع الماضي.

وتسببت المخاوف بشأن التأثير المحتمل لمتحور "أوميكرون" على الاقتصاد العالمي بانخفاض حاد في أسعار النفط الأسبوع الماضي، ما أدى إلى توقعات في السوق بأن السعودية والمنتجين الآخرين سيتحدون الضغط الأمريكي ويوقفون العرض لدعم السوق، لكن ما حدث هو العكس.

وقالت "هيليما كروفت"، رئيسة استراتيجية السلع العالمية في RBC Capital Markets: "هذا انتصار كبير للبيت الأبيض".

وجاء اجتماع "أوبك+"، يوم الخميس، بعد أسابيع من الضغط الذي مارسه البيت الأبيض، الذي دعا إلى مزيد من الإمدادات لتهدئة الأسعار التي تضاعفت حتى الأسبوع الماضي بشكل كبير وغذت المخاوف من ارتفاع التضخم في الولايات المتحدة.

وبعد قرار "أوبك+"، تراجعت أسعار النفط في البداية لكنها ارتفعت بشكل طفيف في التعاملات اللاحقة، مع ارتفاع خام القياس العالمي برنت 0.5% إلى 69.22 دولار للبرميل.

وقال مستشارو النفط السعوديون إن ذلك ليس تحركا سياسيا، لكنه مرتبط بشكل صارم بتقييم المملكة لسوق النفط.

ومع ذلك، تتوقع "أوبك" نفسها أن العرض قد يطغى على الطلب في وقت مبكر من العام المقبل.

وقد رحب البيت الأبيض بالخطوة السعودية لزيادة الإنتاج.

وقالت "جين ساكي"، السكرتير الصحفي للبيت الأبيض: "إننا نقدر التنسيق الوثيق خلال الأسابيع الأخيرة مع شركائنا المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومنتجي أوبك+ الآخرين للمساعدة في معالجة ضغوط الأسعار".

ولفتت "فايننشال تايمز" إلى سلسلة لقاءات أمريكية أخرى مع "محمد بن سلمان"، خلال الأسابيع الماضية.

ففي سبتمبر/أيلول الماضي، أصبح "جيك سوليفان"، مستشار الأمن القومي لـ"بايدن"، أكبر مسؤول بالإدارة الأمريكية يلتقي "محمد بن سلمان" في المملكة.

وقبل أسبوع من قمة المناخ COP26 التي بدأت في 31 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، التقى "جون كيري"، مبعوث "بايدن" للمناخ، بولي العهد السعودي في الرياض، حيث كان من بين الضيوف الذين حضروا إطلاق "بن سلمان" لـ"مبادرة الشرق الأوسط الخضراء".

وقالت "أمريتا سين"، مديرة الأبحاث في شركة "إنرجي أسبكتس" الاستشارية: "كانت هناك قضايا أوسع نطاقا قيد التباحث في اجتماع أوبك+ وليس أوميكرون فقط".

وأضافت أن توقعات "أوبك" نفسها تتوقع زيادة كبيرة في مخزونات النفط، "لذا فإن عدم توقف الإنتاج يشير إلى زاوية سياسية".

المصدر | الخليج الجديد