أشارت الولايات المتحدة قبل قمة الديمقراطية التي ستعقد الأسبوع المقبل إلى أنه من غير المرجح أن تترجم الكلام إلى التزام عملي بحقوق الإنسان والقيم الديمقراطية في الشرق الأوسط أو أن يتحول دفاعها الخطابي عن الديمقراطية إلى سياسة تغلفها الجدية والالتزام.

وقالت وزارة الخارجية في بيان إن القمة التي ستعقد يومي 9 و10 ديسمبر/كانون الأول "ستحدد أجندة إيجابية لتجديد الديمقراطية وللتصدي لأكبر التهديدات التي تواجهها الديمقراطيات اليوم من خلال العمل الجماعي". وقالت وزارة الخارجية الأمريكية إنها تشاورت قبل القمة، مع خبراء حكوميين ومنظمات متعددة الأطراف والمجتمع المدني "لالتماس أفكار جريئة وعملية" حول "مواجهة الاستبداد" و"تعزيز احترام حقوق الإنسان" ومحاربة الفساد.

ومن بين أكثر من 100 دولة إلى جانب ممثلي المجتمع المدني والقطاع الخاص المتوقع أن يشاركوا في القمة، إسرائيل فقط هي الدولة الوحيدة المشاركة من الشرق الأوسط، و8 دول فقط ذات أغلبية مسلمة، هي إندونيسيا وماليزيا وباكستان وألبانيا والعراق وكوسوفو والنيجر وجزر المالديف.

وجعل الرئيس الأمريكي "جو بايدن" المنافسة بين الديمقراطية والاستبداد ركيزة لسياسة إدارته ووضعها في صميم التنافس بين الولايات المتحدة والصين.

وقال "بايدن": "نحن في صراع مع الحكومات المستبدة في جميع أنحاء العالم، حول ما إذا كان بإمكان الديمقراطيات التنافس معها في القرن الحادي والعشرين سريع التغير".

ومع ذلك، أشارت التصريحات الأخيرة الصادرة عن "البنتاجون" ومسؤول في البيت الأبيض إلى أنه بالرغم من الكلمات السامية، فمن المرجح أن تحافظ سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط على دعم طويل الأمد للحكم الاستبدادي في المنطقة، اعتقادا منها بأن ذلك يضمن الاستقرار.

وتوحي الثورات الشعبية في العقد الماضي، التي أطاحت بقادة مصر وتونس واليمن وليبيا والجزائر والسودان والعراق ولبنان، بأن خنق المعارضة والقمع لم يكن حلا. وهذا صحيح حتى لو تراجعت إنجازات الانتفاضات من قبل القوى المعادية للثورة المدعومة من الخليج أو فشلت في تحقيق تغيير حقيقي.

ومن المؤكد أن دول الخليج أدركت أن القمع لم يعد كافيا. نتيجة لذلك، طورت دول مثل السعودية والإمارات خططا وسياسات تلبي تطلعات الشباب من خلال الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية مع قمع الحريات السياسية.

ويبدو أن الولايات المتحدة تعتمد على نجاح تلك الإصلاحات والجهود الإقليمية لإدارة الصراعات حتى لا تخرج عن نطاق السيطرة.

على هذا الأساس، تحتفظ الولايات المتحدة بسياسة بعيدة كل البعد عن الدفاع عن حقوق الإنسان والديمقراطية. وهي سياسة لا تختلف عمليا عن الدعم الصيني والروسي للاستبداد في الشرق الأوسط.

ولا تغير الإشارات الأمريكية العامة والخاصة المستمرة حول حقوق الإنسان والقيم الديمقراطية والخطوات الصغيرة العرضية مثل الحد من مبيعات الأسلحة الأمور بشكل جذري.

وكذلك الحال بالنسبة لاختيار الولايات المتحدة للشركاء في ما يتعلق بالرد على الانتفاضات الشعبية وتسهيل الانتقال السياسي. وفي التعامل مع الانتفاضة في السودان، التي أطاحت بالرئيس "عمر البشير" عام 2019، والانقلاب العسكري في أكتوبر/تشرين الأول، اتجهت إدارة "ترامب" وبايدن إلى السعودية والإمارات ومصر وإسرائيل. وفي حين يمكن اعتبار إسرائيل دولة ديمقراطية، لا يفضل أي من شركاء الولايات المتحدة الحلول الديمقراطية لأزمات الحكم.

وأشار "بريت ماكجورك"، منسق البيت الأبيض للشرق الأوسط، إلى ذلك في مقابلة مع صحيفة "ذا ناشيونال"، الصحيفة الرائدة باللغة الإنجليزية في الإمارات، مباشرة بعد قمة أمنية في البحرين جمعت مسؤولين من جميع أنحاء العالم. وسعى المسؤولون الأمريكيون بقيادة وزير الدفاع "لويد أوستن" إلى استخدام المؤتمر لطمأنة حلفاء أمريكا بأن الولايات المتحدة لا تدير ظهرها لضمانات الأمن الإقليمي.

وقال "ماكجورك" إن الولايات المتحدة قد استخلصت استنتاجات من "الدروس الصعبة المستفادة" وأنها ستعود إلى "الأساسيات". وتحدث "ماكجورك" عن "الأساسيات"، في إشارة إلى إيران في المقام الأول، وربما أيضا إلى ولي العهد السعودي "محمد بن سلمان"، قائلا إن الولايات المتحدة ستركز على "أساسيات بناء وصيانة وتعزيز شراكاتها وتحالفاتها" في الشرق الأوسط.

وتم تعزيز صياغة "ماكجورك" لسياسة العودة إلى الأساسيات هذا الأسبوع بنشر ملخص لمراجعة الوضع العالمي للبنتاجون، ما يشير إلى أنه لن يكون هناك انسحاب كبير للقوات الأمريكية من المنطقة في الأعوام الأولى لـ"بايدن" في المكتب البيضاوي.

وتلقى فكرة العودة إلى الأساسيات صدى لدى الليبراليين في نخبة السياسة الخارجية لواشنطن. فلم تعد الديمقراطية في الشرق الأوسط جزءا من أجندتهم.

وقال "ستيفن كوك"، خبير الشرق الأوسط في مجلس العلاقات الخارجية حتى قبل أن يتولى "بايدن" منصبه: "بدلا من استخدام القوة الأمريكية لإعادة تشكيل المنطقة، يحتاج صانعو السياسة إلى تبني هدف أكثر واقعية وقابلية للتحقيق وهو إرساء الاستقرار والحفاظ عليه". وما تحتاجه واشنطن ليس "حربا على الإرهاب" مبنية على رؤى تغيير النظام، وتعزيز الديمقراطية، و"كسب القلوب والعقول"، بل نهجا واقعيا يركز على جمع المعلومات الاستخبارية، والعمل الشرطي، والتعاون متعدد الأطراف، والتطبيق الحكيم للعنف عند الحاجة".

ومضى "كوك" ليقول إن سياسة الولايات المتحدة الواقعية في الشرق الأوسط ستشمل "احتواء إيران، وإعادة تجهيز الحرب ضد الإرهاب، لتقليل آثارها الجانبية العكسية، وإعادة تنظيم الانتشار العسكري للتأكيد على حماية الممرات البحرية، وتقليص حجم علاقات الولايات المتحدة مع إسرائيل".

وترى الولايات المتحدة أنها فشلت في وضع أموالها في مكانها الصحيح فيما يتعلق بحقوق الإنسان والقيم الديمقراطية.

ويمكن قول الشيء نفسه عن الدول الأوروبية وإندونيسيا، أكثر دول العالم الديمقراطية من حيث عدد السكان ذات الأغلبية المسلمة. وتقدم إندونيسيا نفسها بشكل مباشر وغير مباشر من خلال نهضة العلماء، وهي أكبر حركة مجتمع مدني إسلامي في العالم، باعتبارها الداعم الرئيسي الوحيد للتفسير المعتدل للإسلام الذي يعتنق حقوق الإنسان دون تحفظات ويحترم التعددية والتسامح الديني.

ولم يمنع ذلك إندونيسيا من الانصياع المزعوم لتهديد سعودي بعدم الاعتراف بشهادات التطعيم الإندونيسية لـ"كوفيد-19" للحجاج إلى المدن المقدسة في مكة إذا صوتت الدولة الآسيوية لتمديد تحقيق الأمم المتحدة في انتهاكات حقوق الإنسان في الحرب التي دامت 7 أعوام تقريبا في اليمن.

وبالمثل، وقع الرئيس الإندونيسي "جوكو ويدودو" اتفاقيات مع الإمارات بشأن التعاون في الشؤون الدينية بالرغم من أن النسخة الإماراتية من الإسلام المعتدل والاستبدادي تمثل قيما ترفض الحريات والديمقراطية.

وكانت الاتفاقيات جزءا من حزمة أكبر بكثير من التعاون الاقتصادي والتكنولوجي والصحي العام التي تغذيها 32.7 مليارات دولار أمريكي من الاستثمارات الإماراتية المتوقعة في إندونيسيا.

ومع تردد إدارة "بايدن"، تماشيا مع قائمة طويلة من رؤساء الولايات المتحدة السابقين، في القيام بأكثر من مجرد التشدق بتعزيز حقوق الإنسان والقيم الديمقراطية، فإن ذلك يعيد إلى الأذهان تعريف "ألبرت أينشتاين" للجنون بأنه "فعل الشيء نفسه مرارا وتكرارا مرة أخرى مع توقع نتائج مختلفة".

وكان الرئيس الأمريكي الأسبق "جورج دبليو بوش" ومستشارته للأمن القومي آنذاك "كوندوليزا رايس" قد اعترفا قبل عقدين من الزمن بأن العنف الجهادي وهجمات 11 سبتمبر/أيلول كانت جزئيا نتيجة لفشل الولايات المتحدة في الدفاع عن قيمها. لكنهما أخطآ في جهودهما لفعل شيء حيال ذلك، كما فعل "باراك أوباما".

وليس فقط الشرق الأوسط والأنظمة الاستبدادية في المناطق الأخرى هي التي تدفع الثمن. فكذلك الأمر بالنسبة للولايات المتحدة وأوروبا. وينعكس رفض هذه الدول دمج مثلها السامية وقيمها في سياسات فعالة بشكل متزايد في الداخل في خطوط الصدع المحلية العرقية والاجتماعية والاقتصادية والمشاعر المعادية للمهاجرين التي تهدد بتمزيق نسيج الديمقراطية في موطنها الرئيسي.

وهنا يبرز تساؤل حول ما إذا كان الوقت والطاقة والمال المستثمرة في قمة الديمقراطية كان يمكن استثمارها بشكل أفضل في حل المشكلات في الداخل. وأعلن "جانان جانيش"، كاتب العمود في "الفاينانشيال تايمز"، أن "دعم الديمقراطية يكاد يكون عملا داخليا بالكامل".

وهي رسالة لم يغب عنها خصوم الديمقراطية. وقال الرئيس الإيراني "إبراهيم رئيسي" أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول الماضي، فيما كان ينبغي أن يكون تحذيرا من أن الفعاليات الفارغة مثل قمة الديمقراطية ليست هي الحل: "نظام الهيمنة للولايات المتحدة ليس له مصداقية، داخل أو خارج البلاد".

المصدر | جيمس دورسي- أوراسيا ريفيو - ترجمة وتحرير الخليج الجديد