الخميس 23 ديسمبر 2021 06:10 ص

مع تعثر المحادثات الساعية لإنهاء الحرب باليمن، أدت مجموعة من الأعمال العسكرية الهجومية التي نفذها الحوثيون إلى تغيير الطريقة التي تنظر بها الولايات المتحدة والجهات الدولية الفاعلة إلى الصراع الآن.

وبدلا من الاستفادة من نهج إدارة الرئيس الأمريكي "جو بايدن" في أيامه الأولى، الذي تضمن إنهاء مبيعات الأسلحة الهجومية إلى السعودية وإزالة الحوثيين من قائمة الإرهاب، ضاعف الحوثيون الخيار العسكري من خلال زيادة هجماتهم في محافظة مأرب، مع شن المزيد من الهجمات على السعودية باستخدام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة.

وفي هذه الأثناء، يفقد الحوثيون الآن جانب العلاقات العامة للحرب؛ حيث كان المجتمع الدولي، بما في ذلك الكونجرس الأمريكي، يميل إلى أن يكون أكثر انتقادا للتحالف الذي تقوده السعودية في معظم الصراع.

ولا تبشر سياسة الحوثيين بوقف قريب لإطلاق النار ووضع حل لهذه المأساة التي أدت إلى أسوأ كارثة إنسانية في العالم.

رفض نهج "بايدن"

وبعد فترة وجيزة من تنصيب "بايدن" رئيسا، بدا عازما على تغيير سياسة الولايات المتحدة تجاه الحرب في اليمن؛ حيث دعمت إدارة الرئيس الأمريكي السابق "دونالد ترامب" السعودية بشدة بالرغم من تزايد الخسائر في صفوف المدنيين اليمنيين.

وقد يكون بعض التغيير في السياسة الأمريكية نتيجة شعور "بايدن" بالذنب؛ لكونه جزءا من الدعم الأولي الذي قدمته إدارة الرئيس الأسبق "باراك أوباما" للتحالف العربي الذي قادته السعودية باليمن منذ عام 2015.

وربما يعكس هذا التغيير أيضا المزاج السائد في الكونجرس لإنهاء مشاركة الولايات المتحدة في الحملة التي تقودها السعودية.

وبعد أسبوعين فقط من أداء اليمين الدستورية كرئيس، رفع "بايدن" الحوثيين من قائمة الإرهاب وتعهد بوقف الدعم الأمريكي للعمليات الهجومية في حرب اليمن بما في ذلك مبيعات الأسلحة ذات الصلة إلى السعودية.

وفي الوقت نفسه، عين "بايدن" دبلوماسيا أمريكيا متمرسا، وهو "تيم ليندركينج"؛ لمحاولة البحث عن حل سلمي للصراع اليمني.

ومع ذلك، قرر الحوثيون تصعيد حملتهم العسكرية في محافظة مأرب الغنية بالنفط؛ مما أدى إلى مقتل ونزوح آلاف المدنيين.

وفي حين لم يتخل الحوثيون رسميا عن المبادرات الدبلوماسية، فقد رفضوا وقف هجومهم حتى يرفع السعوديون أولا حصارهم عن مطار صنعاء وميناء الحديدة.

ويثير ذلك تساؤلا حول ما إذا كان هذا الطلب الحوثي مقابل وقف القتال حقيقيا أم مجرد خدعة. 

ويبدو أن أيا من الجانبين لا يريد أن يظهر ضعيفا من خلال اتخاذ الخطوة الأولى.

وتكهن بعض المحللين بأن الهدف الحقيقي من هجوم الحوثيين في مأرب ليس فقط تعزيز موقفهم التفاوضي أمام السعوديين، ولكن ربما أيضا للسيطرة على المحافظة بشكل دائم في حالة انقسام اليمن إلى عدة دول.

وستوفر حقول النفط والغاز في مأرب عائدات تصدير مهمة.

وخلال معظم الحرب، كانت مأرب خارج سيطرة الحوثيين واتجه إليها العديد من اللاجئين بسبب مواردها النفطية التي جعلتها مزدهرة نسبيا حتى وصل عدد سكانها إلى نحو 3 ملايين نسمة.

وحتى عام 2019، كانت المنطقة محمية من قبل القوات الإماراتية، لكن عندما قررت الإمارات سحب قواتها في اليمن، تُركت مأرب بلا حماية إلى حد كبير.

الميول الأيديولوجية

وبغض النظر عن الجوانب التكتيكية لهذه الحملة العسكرية، فإن رفض الحوثيين للنهج الجديد لإدارة "بايدن" يرجع جزئيا إلى أيديولوجيتهم الخاصة التي تعتبر "مناهضة للإمبريالية" بشدة، وتعتبر الولايات المتحدة وإسرائيل والسعودية جزءا من "العصابة" التي يجب مواجهتها.

وساعد دعم إدارتي "أوباما" و"ترامب" للسعودية في تدخلها باليمن على تعزيز هذا الموقف الأيديولوجي للحوثيين.

علاوة على ذلك، يوجد مدخل طائفي في الأزمة فقد استاء الحوثيون منذ فترة طويلة من السعودية لدعمها اليمنيين السنة ضدهم وتمويلها الدعاة السنة في محافظة صعدة قبل الحرب الأهلية.

كما ساهم سقوط العديد من القنابل السعودية "الخاطئة" على مؤيدي الحوثيين المدنيين، وهي هجمات يعتبرها الحوثيون متعمدة، في هذا العداء للسعوديين.

علاوة على ذلك، فإن العديد من اليمنيين، بصفتهم جيرانا أكثر فقرا، استاءوا منذ فترة طويلة من الموقف المتعالي الذي أظهره السعوديون أحيانا تجاههم.

على سبيل المثال، خلال حرب الخليج الأولى (1990-1991)، طردت السعودية أكثر من مليون عامل يمني من المملكة بعد أن انحازت الحكومة اليمنية للعراق في ذلك الصراع.

وفي صيف 2021، بدأت الرياض في تسريح المئات، وربما الآلاف، من العمال اليمنيين كجزء من حملة للحد من البطالة بين المواطنين السعوديين.

وتسببت هذه السياسة في صعوبات اقتصادية للعديد من الأسر اليمنية المتعثرة التي تعتمد على التحويلات المالية من أفراد أسرها في السعودية.

ومن هنا، كان هناك صبغة سياسية في احتفال اليمنيين بحماسة بفوز منتخب الشباب الوطني لكرة القدم على المنتخب السعودي في مباريات بطولة غرب آسيا لكرة القدم للناشئين.

تغير موقف فريق "بايدن" والكونجرس

اضطر مسؤولو إدارة "بايدن" إلى تغيير موقفهم نتيجة عدم استعداد الحوثيين لوقف هجومهم على مأرب والمناطق المجاورة وكذلك هجماتهم الصاروخية وبالطائرات بدون طيار على الأراضي السعودية.

وردا على هذه الهجمات المستمرة، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية "نيد برايس"، في 6 ديسمبر/كانون الأول 2021: "نقف مع شركائنا السعوديين الذين يتعرضون لهجمات إرهابية من قبل الحوثيين الذين أظهروا أنهم عقبة أمام الدبلوماسية في الوقت الحالي".

وفي منتصف ديسمبر، أصدر سفراء الولايات المتحدة وبريطانيا والسعودية والإمارات لدى الحكومة اليمنية بيانا أعربوا فيه عن "القلق العميق من استمرار هجوم الحوثيين على مأرب".

وشدد البيان على ضرورة "الوقف الفوري لإطلاق النار، لا سيما بالنظر إلى الأعداد الكبيرة من اليمنيين النازحين نتيجة القتال".

وفي الكونجرس الأمريكي، تغيرت أيضا المشاعر تجاه الصراع في اليمن، وإن لم يكن بنفس القدر داخل إدارة "بايدن".

وبالرغم أن العديد من أعضاء الكونجرس ما زالوا ينتقدون السعودية بشدة، فقد وافق مجلس النواب على تعديل لقانون كان يحظر الدعم اللوجستي والصيانة وقطع الغيار للطائرات الحربية السعودية في القتال ضد الحوثيين.

وبالمثل، أسقط مجلس الشيوخ مشروع قانون كان يهدف إلى منع صفقة أسلحة للسعودية بقيمة 650 مليون دولار؛ حيث صوت ثلثا أعضاء المجلس ضد مشروع القانون في منتصف ديسمبر.

وعارضت إدارة "بايدن" مشروع القانون، قائلة إنه "سيقوض التزام الرئيس بدعم شركائنا في الدفاع عن أنفسهم، في وقت تتزايد فيه الهجمات بالصواريخ والطائرات بدون طيار ضد المدنيين في السعودية".

تورط إيران المثير للجدل

يدور جدل كبير حول مدى تورط إيران في حرب اليمن. وبينما كان اليمن غارقا بالفعل في الأسلحة قبل عام 2015 عندما بدأت السعودية الضربات الجوية الأولى، فمن الواضح أن إيران زودت الحوثيين بالصواريخ وبعض الأسلحة الأخرى.

على سبيل المثال، اعترضت البحرية الأمريكية شحنة أسلحة على متن سفينة في بحر العرب في مايو/أيار 2021.

وكانت الشحنة تضم آلاف الأسلحة الهجومية والمدافع الرشاشة وبنادق القنص.

وكان من الواضح أنها متجهة إلى الحوثيين.

وفي أوائل ديسمبر 2020، أعلنت وزارة العدل الأمريكية أنها تخلصت من النفط والذخائر التي عُثر عليها على متن سفينتين استولت عليهما البحرية الأمريكية بين عامي 2019 و2020، وكلاهما على الأرجح كانا متجهين إلى الحوثيين.

وعززت مثل هذه الحوادث مزاعم السعودية والحكومة اليمنية بأن إيران تقدم أسلحة كبيرة للحوثيين بشكل مستمر، بالرغم أن هذا الادعاء لا يخلو من المبالغة في بعض الأحيان.

وفي أعقاب تقرير وزارة العدل الأخير، دعت الحكومة اليمنية مجلس الأمن إلى إدانة إيران على مثل هذه الأنشطة.

وبحسب ما ورد، فإن المساعدة الإيرانية للحوثيين هي جزء من المناقشات التي تجري بشكل دوري في بغداد بين الحكومتين السعودية والإيرانية.

بينما يرفض الإيرانيون مناقشة القضايا الإقليمية خلال محادثات فيينا النووية.

وبالرغم من الدعم الإيراني للقدرات العسكرية للحوثيين، فإن تأثير إيران على صنع القرار الحوثي غير مؤكد.

تدخل أممي دون جدوى

يواصل الدبلوماسيون الأمريكيون العمل مع مبعوث الأمم المتحدة الخاص لليمن "هانز جروندبرج"، الذي كان يحاول جاهدا التوسط في وقف إطلاق النار يتبعه اتفاق سلام.

وبحسب ما ورد، تنطوي الجهود الأخيرة على اقتراح يسمح فيه السعوديون للأمم المتحدة بمراقبة ميناء الحديدة ومطار صنعاء مقابل وقف إطلاق النار من قبل الحوثيين.

وحتى الآن، لا يتزحزح الحوثيون، كما يبدو أن السعوديين غير مهتمين بالاتفاقات في هذه المرحلة طالما استمرت هجمات الحوثيين على المملكة.

وبالرغم من أن الحوثيين حققوا مكاسب في محافظة مأرب، إلا أنهم واجهوا أحيانا مقاومة شديدة من القوات الحكومية اليمنية المدعومة من السعودية.

وأدى ذلك إلى خسائر كبيرة في صفوف الحوثيين، فضلا عن خسارة طريق سريع رئيسي يربط الحديدة بصنعاء.

لكن القوات الحكومية اليمنية فقدت أيضا مئات المقاتلين في القتال الأخير، بما في ذلك القائد العسكري البارز اللواء "ناصر الذيباني".

وأعقبت هجمات الحوثيين على السعودية هجمات جوية سعودية على مواقع يسيطر عليها الحوثيون.

وللأسف، تزداد الأزمة الإنسانية سوءا يوما بعد يوم.

وتقدر الأمم المتحدة أن تصل الخسائر البشرية إلى 377 ألف يمني بحلول نهاية العام الجاري؛ 60% منهم نتيجة نقص الغذاء والماء والرعاية الصحية.

السياسة الأمريكية القادمة

حاولت إدارة "بايدن" الضغط على الحوثيين للجلوس إلى طاولة المفاوضات مع الحفاظ على موقفها المتمثل في عدم تقديم أسلحة عسكرية هجومية إلى السعودية.

ويسعى السعوديون إلى بلورة استراتيجية خروج من الحرب، لكنهم يرون أنه يجب عليهم الرد على الهجمات العسكرية للحوثيين.

وسيؤدي ذلك إلى إطالة أمد الصراع العسكري الذي يفاقم معاناة المدنيين الأبرياء.

ولكسر الجمود، يجب على إدارة "بايدن" أن تقدم كل من الجزرة والعصا للأطراف المتحاربة.

وبالرغم أن الموافقة الأخيرة على بيع الأسلحة للرياض كانت مثيرة للجدل، يجب على الإدارة الآن الاستفادة منها للضغط على السعوديين ليكونوا أكثر مرونة بشأن مطالب الحوثيين المتعلقة بإنهاء الحصار على الموانئ والمطارات.

وفي الوقت نفسه، ينبغي أن تضاعف الإدارة الأمريكية الجهود للعمل مع العمانيين (الذين كانوا يلعبون دور الوساطة في النزاع) وكذلك الأمم المتحدة لإقناع الحوثيين بعدم جدوى الحل العسكري، وأنهم إذا استمروا في عنادهم فسيكونون أكثر تهميشا إقليميا ودوليا.

ويبدو أن إيران هي الصديق الوحيد للحوثيين، وإذا مضت المحادثات السعودية الإيرانية في بغداد قدما، فقد تعتقد طهران أنه لم يعد من مصلحتها الاستمرار في تزويد الحوثيين بالسلاح.

وبالرغم أن واشنطن ليس لها نفوذ كبير على الحوثيين، وأن النهج الأكثر ليونة الذي جربته إدارة "بايدن" في البداية لم ينجح، إلا أن العمانيين يمكنهم إقناع الحوثيين بأن الهجمات العسكرية المستمرة لن تنهي الصراع، وأن وقف إطلاق النار سيساعد في كسب نقاط لصالحهم على الساحة الدولية.

ولا توجد حركة، بغض النظر عن مدى قوتها، تسعى للبقاء منبوذة.

المصدر | المركز العربي واشنطن دي سي/جريجوري أفتاندليان - ترجمة وتحرير الخليج الجديد