الجمعة 14 يناير 2022 10:30 ص

نشرت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) تسجيلات صوتية وصفتها بـ"المثيرة" لمكالمات هاتفية أجراها الرئيس التونسي السابق "زين العابدين بن علي" أثناء مغادرته البلاد جوا عام 2011.

وتظهر تسجيلات هذه اللحظات الأخيرة كيف انهارت سلطة "بن علي"، وكيف انتهى حكمه الذي دام 23 عاما، وما أعقب ذلك من ثورات "الربيع العربي" المنادية بالديمقراطية في المنطقة.

وأكدت "بي بي سي" عرض التسجيلات على خبراء صوت لتحليلها والتحقق من مصداقيتها، ولم يعثر الخبراء على أي دليل على حدوث أي تلاعب أو عبث فيها.

كما أفادت بإطلاع عدد من الأشخاص الذين يعرفون الأفراد المعنيين على محتوى التسجيلات، مؤكدة أن "هؤلاء قالوا إن الأصوات الواردة فيها حقيقية؛ مما يدعم صحة التسجيلات، لكن بعض أولئك الأفراد المعنيين بالتسجيلات بشكل مباشر -أي المشاركين فيها- شككوا بشدة في مصداقيتها".

وإذا كانت التسجيلات حقيقية، فإنها تعطي نظرة ثاقبة ومدهشة للتغيير الذي طرأ في مزاج "بن علي" في آخر 48 ساعة من حكمه، عندما بدأ يتيقن شيئا فشيئا من التأثير الحقيقي للاحتجاجات، التي كانت تهز نظامه البوليسي.

وتبدأ التسجيلات مساء يوم 13 يناير/كانون الثاني 2011، والتسجيل الأول منها عبارة عن مكالمة مع أحد المقربين من الرئيس التونسي يُعتقد أنه "طارق بن عمار"، وكان إعلاميا ناجحا معروفا بتشجيعه المخرج "جورج لوكاس" على تصوير أول فيلم من سلسلة أفلام حرب النجوم في تونس.

وكان "بن علي" ألقى، في وقت سابق من ذلك اليوم، خطابا متلفزا في محاولة لإخماد زخم المظاهرات الجماهيرية المندلعة آنذاك.

وكانت تلك المظاهرات اندلعت قبل أسابيع عدة على نطاق واسع؛ نتيجة السخط الشعبي على تردي ظروف المعيشة، وعلى عقود من الحكم الاستبدادي والفساد، وذلك بعد أن أضرم بائع متجول شاب، اسمه "محمد البوعزيزي"، النار في نفسه عندما منعه مسؤولون من بيع سلعة في بلدة سيدي بوزيد.

وبحلول 13 يناير، كانت الاحتجاجات والعنف الذي تصدت به السلطات لها، قد أودت بحياة حوالي 100 شخص في العاصمة التونسية.

لكن "بن علي" كان يبدو مطمئنا عندما كان "بن عمار" يثني عليه.

و يقول "بن عمار" في التسجيل: "كنت رائعا، هذا هو بن علي الذي كنا ننتظره!".

أما "بن علي"، فقد انتقد نفسه، قائلا إن خطابه كان يفتقر إلى الطلاقة، لكن "بن عمار" طمأنه قائلا: "لا على الإطلاق ... إنها عودة تاريخية. أنت رجل الشعب. أنت تتحدث لغتهم".

ويضحك "بن علي" بما يبدو أنه شيء من الارتياح، لكن من الواضح أن الخطاب الذي ألقاه للجمهور التونسي لم يكن كافيا.
 

وفي اليوم التالي، اشتدت الاحتجاجات، وكان المتظاهرون على وشك السيطرة على مقر وزارة الداخلية.

عند ذاك، اتُخذت الترتيبات الضرورية لنقل أسرة "بن علي" جوا إلى خارج البلاد؛ حفاظا على سلامتهم، وفعلا توجهت الأسرة إلى السعودية، وقد تم اقناع "بن علي" بمرافقتهم كما يقول.

إذ يمكن سماعه وهو يجري سلسلة من المكالمات المحمومة مع 3 أشخاص يُعتقد أنهم وزير دفاعه، وقائد الجيش، وأحد المقربين منه واسمه "كمال لطيف".

يبدأ "بن علي" بسؤال شخص -نعرف الآن أنه كان وزير الدفاع "رضا قريرة"- حول الموقف السائد على الأرض في تونس، فيخبره الأخير بأن رئيسا مؤقتا يتولى زمام الأمور في البلاد.

طلب "بن علي" من "قريرة" تكرار هذه المعلومة 3 مرات، قبل أن يرد بأنه سيعود إلى تونس "في غضون ساعات قليلة".

بعد ذلك، اتصل "بن علي" برجل يُعتقد أنه صديقه المقرب "كمال لطيف"، قائلا له إن وزير الدفاع طمأنه بأن الأحداث تحت السيطرة.

لكن "لطيف" صحح هذا الافتراض بكل صراحة؛ قائلا: "لا، لا، لا، الوضع يتغير بسرعة، والجيش لا يكفي".

فقاطعه "بن علي"، وسأله: "هل تنصحني بالعودة الآن أم لا؟"، وكان عليه أن يكرر السؤال ثلاث مرات قبل أن يجيب "لطيف" بشكل مفهوم: "الأمور ليست جيدة".

ثم اتصل "بن علي" بمن يٌعتقد أنه قائد الجيش الجنرال "رشيد عمار". لكن يبدو أن "عمار" لا يتعرف على صوته، مما حدا بـ"بن علي" أن يقول له: "أنا الرئيس".

طمأنه "عمار" بأن "كل شيء على ما يرام".

ومرة أخرى، طرح "بن علي" على "عمار" نفس السؤال الذي طرحه على "لطيف" بشأن ما إذا كان ينبغي عليه أن يعود إلى تونس الآن من عدمه، ليخبره قائد الجيش بأنه من الأفضل له "الانتظار لبعض الوقت".

وقال "عمار" لـ"بن علي": "عندما نرى أنه يمكنك العودة، سنخبرك، سيدي الرئيس".

واتصل "بن علي" بوزير دفاعه مرة أخرى، وسأله مرة أخرى عما إذا كان يجب أن يعود إلى تونس، لكن "قريرة" كان أكثر صراحة هذه المرة؛ إذ قال لـ"بن علي" إنه لا يمكنه ضمان سلامته إذا فعل ذلك.

وبعد منتصف الليل بقليل، هبطت طائرة الرئيس "بن علي" في مدينة جدة غربي السعودية.

وأمر "بن علي" الطيار بالاستعداد لرحلة العودة، لكن الطيار عصى الأمر؛ إذ ترك الرئيس، وعاد أدراجه إلى تونس.

بعدها تم نقل "بن علي" وأفراد أسرته إلى قصر ضيافة الملك فيصل في جدة.

واتصل "بن علي" بوزير دفاعه مرة أخرى صباح اليوم التالي.

وفي تلك المكالمة، اعترف له "قريرة" بأن الحكومة فقدت السيطرة على ما يحدث في الشوارع، وأخبر "بن علي" أن ثمة أقاويل عن حدوث انقلاب.

لكن "بن علي" رفض ذلك، معتبرا هذه الأقاويل من عمل "الإسلاميين" حسب تعبيره، وذلك قبل أن يعود للحديث عن عودته إلى تونس.

لكن "قريرة" بدا وكأنه يحاول التحدث مع رئيسه بمنتهى الصراحة هذه المرة؛ إذ قال له: "يسود الشارع غضب لا أستطيع وصفه. أقول لكم ذلك لكي لا تقولوا إني ضللتكم، ولكن القرار لكم ".

ويحاول "بن علي" الدفاع عن سمعته بالقول: "ماذا فعلت للشارع (أو للجمهور)؟ لقد خدمته".

لكن "قريرة" قال له: "أنا أطلعكم على الموقف، وهذا ليس تفسيرا".

وفي غضون ساعات، شُكلت حكومة جديدة في تونس احتفظ فيها العديد من الوزراء السابقين بمناصبهم، بمن فيهم "قريرة".

أما "بن علي"، فلم تكتب له العودة إلى تونس أبدا؛ إذ بقي في السعودية حتى وفاته عام 2019.

ونفى "كمال لطيف" و"طارق بن عمار" المقربان من "بن علي" أن تكون الاتصالات معهما قد حدثت.

وأضاف "بن عمار" أنه لم يحاول طمأنة الرئيس بشأن حكمه.

من جانبها، أكدت "بي بي سي" أنها أمضت أكثر من سنة في إجراء بحوث حول صحة التسجيلات. 

وأكدت أنه تم تحليلها من قبل عدد من خبراء الأدلة الجنائية الصوتية الرائدين في المملكة المتحدة والولايات المتحدة الذين بحثوا عن أي علامات أو مؤشرات للتلاعب أو التحوير، أو وجود أي معالجات "مزيفة عميقة" تقوم بتكرار الأصوات بشكل مصطنع، ولم يتمكن الخبراء من العثور على أي دليل لوجود أي نوع من التلاعب.

وسعت "بي بي سي" أيضا إلى تأكيد هوية الأشخاص المشاركين في المكالمات من خلال تشغيل المقتطفات ذات الصلة على الأفراد الذين يعرفون واحدًا على الأقل من المتحدثين الذين يبدو أن أصواتهم قد سمعت. 

ومن هؤلاء 3 من كبار المسؤولين الأمنيين وزعماء في حزب "بن علي" السياسي وحتى أحد مقلدي صوت الرئيس، وفقا لـ"بي بي سي".

وأوضحت أن جميع من تم الاتصال بهم تمكنوا من تحديد هويات المتحدثين، ولم يثيروا أي مخاوف بشأن مصداقية التسجيلات. 

كما توجد أدلة أخرى تؤكد خلفية تلك المكالمات، بما فيها التصريحات السابقة لوزير الدفاع "قريرة" وقائد الجيش "عمار"، بأنهما تحدثا إلى "بن علي" أثناء وجوده على متن الطائرة؛ حيث تتطابق ذكريات "عمار" مع مضمون مكالمته.

وفي عام 2011، أثناء إقامته في منفاه بالسعودية، حُكم على "بن علي" بالسجن مدى الحياة غيابيا بعد أن اتهم بالمسؤولية عن سقوط قتلى من المتظاهرين أثناء الثورة.

المصدر | الخليج الجديد