الجمعة 21 يناير 2022 11:12 م

مضت 3 أيام على هجوم الحوثيين على الإمارات، ومع ذلك ما يزال هناك الكثير لا نعرفه عما حدث بالفعل، ويشبه ذلك ما حدث عندما هاجم الإيرانيون منشآت معالجة النفط السعودية في بقيق وخريص في خريف عام 2019، حيث استغرق الأمر عدة أسابيع لمعرفة من يقف وراء الهجوم حقًا، ومن أين أطلق الهجوم، وما هي الأسلحة التي استخدموها، وكيف كان أداء تلك الأسلحة، ولماذا فشلت الدفاعات الجوية السعودية.

ما نعرفه حتى الآن، هو أن الحوثيين صرحوا رسميًا أنهم ضربوا أبوظبي. وعلى عكس سبتمبر/أيلول 2019 الذي ادعوا فيه نفس الإدعاء، فربما هم صادقون هذه المرة (كان الإيرانيون آنذاك هم من ضرب السعودية من داخل إيران باستخدام الطائرات المسيرة والصواريخ).

والسبب الرئيسي الذي يجعلنا نصدق تبني الحوثيين هذه المرة هو أنهم يتعرضون لضغوط هائلة في اليمن بفضل التقدم الميداني لـ"ألوية العمالقة" المدعومة من الإمارات، ولا بد أنهم اعتقدوا أن أفضل طريقة لوقف تدهورهم الإستراتيجي في اليمن هي إرسال رسالة واضحة إلى أبوظبي في شكل مقذوفات قاتلة.

وما زلنا لا نستطيع أن نؤكد الدور المباشر للإيرانيين في هذه الهجمات، فلم يكن بإمكانهم تنفيذ مثل هذه الهجمات بدون شحنات الأسلحة شبه المستمرة من الحرس الثوري الإيراني، وربما تعلم الحوثيون بعض الحيل من الإيرانيين و"حزب الله" اللبناني حول كيفية تجميع الطائرات المسيرة محليًا، لكن بالتأكيد ليس لديهم القدرة على إنتاج صواريخ باليستية.

ومع ذلك، فإن هذين الجزأين من القصة ليسا كافيين لمساعدتنا في الإجابة عن السؤال النهائي وهو: إلى أي مدى تورط الإيرانيون في هذا الهجوم؟

يمكننا أن نستكشف 3 سيناريوهات محتملة لذلك.

السيناريو الأول: تورط إيراني كامل

السيناريو الأول هو أن الحوثيين نفذوا الهجوم بمباركة وتورط عملياتي كامل من إيران. ولا يعد ذلك مستبعدًا لأن الحوثيين - وفقًا لما تقوله الإمارات - لم يستخدموا فقط طائرات مسيرة ذات حمولة محدودة وإنما أيضًا صواريخ باليستية وصواريخ كروز، وبالتالي ربما تطلب ذلك إذن الإيرانيين. ولكن إذا كان هذا هو الحال، فهو يقود لتساؤلات أخرى؛ فما الفائدة للإيرانيين؟ وما هي حساباتهم الاستراتيجية أو دوافعهم؟ وما الذي يجعلهم يضربون أبوظبي؟

عندما هاجم الإيرانيون السعودية قبل عامين ونصف، فعلوا ذلك ردًا على حملة "أقصى ضغط" التي شنتها إدارة "ترامب" ضدهم،. ومن المفارقات أن الهجوم لم يكن له علاقة بالسعودية في حد ذاتها. إذن، هل تتفاوض طهران مع واشنطن من خلال استخدام القوة مرة أخرى ضد شركاء الولايات المتحدة الأكثر ضعفًا (الإمارات هذه المرة)؟ وهل يرى الإيرانيون أن المزيد من العقوبات الأمريكية تلوح في الأفق وبالتالي يحاولون إيقافها؟

وهل هذا الهجوم جزء من حملة الترهيب/المساومة الإقليمية الأوسع ضد الأمريكيين، والتي رأينا أجزاء منها قبل أسبوع في العراق حين أصابت الصواريخ السفارة الأمريكية وأجزاء أخرى من المنطقة الخضراء؟

إذا كان هذا هو السيناريو الفعلي، فهذا يلقي بظلال حقيقية من الشك على فعالية المحادثات بين الإماراتيين والإيرانيين التي جرت قبل بضعة أسابيع فقط في ديسمبر/كانون الأول 2021، حين أرسل "محمد بن زايد" الحاكم الفعلي للإمارات شقيقه ومستشار الأمن القومي "طحنون بن زايد" لطهران لتهدئة أي توترات ومنع أي احتمالات لهجمات من هذا النوع.

كما أن "طحنون" لم يلتقِ بمسؤولين إيرانيين عاديين وإنما بحث القضايا الثنائية والإقليمية مع الرئيس الإيراني "إبراهيم رئيسي" والمسؤول الأمني ​ الأعلى "علي شمخاني"، ومن المنطقي أنهما تطرقا لليمن في الحديث.

السيناريو الثاني: تورط إيراني محدود

يفترض السيناريو الثاني أن الإيرانيين علموا بنوايا الحوثيين ولم يحبوا الفكرة، لكنهم في الوقت ذاته لم يوقفوا الهجوم، وربما وضعوا قيودًا عليها من خلال التحكم العمليّاتي.

يبدو هذا أقل احتمالية من السيناريو الأول ولكنه ليس مستبعدًا لأن هناك سابقة لذلك، وربما هذا ما حدث خلال حرب 2006 بين إسرائيل و"حزب الله"، ففي ذلك الوقت طلبت إيران من حليفها الشيعي عدم ضرب مصانع البتروكيماويات الإسرائيلية في حيفا (والتي كانت في مرمى صواريخ حزب الله بوضوح) لتجنب تصعيد خطير ورد إسرائيلي محتمل ضد إيران.

وصحيح أن قلق الإيرانيين أقل بشأن رد إماراتي ضدهم، إلا أن لديهم مصلحة في تجنب التصعيد الإقليمي الذي قد يجذب الأمريكيين وربما الإسرائيليين، بالإضافة إلى مصلحتها في الحفاظ على علاقات وظيفية مع أبوظبي.

وعلى غرار منطق السيناريو الأول، فمن المنطقي أن يكون الإيرانيون قد تورطوا عملياتيًا في الهجوم لأن الأهداف المختارة كان من الممكن أن تكون مختلفة وربما كان الضرر الذي يسببه الحوثيون أسوأ بكثير لو كانوا مسؤولين عن العملية لوحدهم.

وزعم الإماراتيون أنهم اعترضوا بعض الصواريخ، لكن لو تم التخطيط للهجوم بعناية أكبر، لكان من الممكن إصابة أهداف أكثر حساسية، بما في ذلك قصور القيادة والمناطق المكتظة بالسكان، لذلك ليس من المستبعد أن الإيرانيين وضعوا قيودا على هجمة حوثية كانت أكثر طموحًا.

الفرق بين السيناريوهين الأول والثاني صغير ولكنه مهم، حيث يدل على من يقوم بالمخاطرة، لأن الإيرانيين في الحالة الأولى هم من يجلس في مقعد السائق ونواياهم عدائية، وعندها لا يهم من الذي ينفذ الهجوم لأن هناك اتفاقًا كاملًا بين الحوثيين والإيرانيين. أما في السيناريو الثاني، فالإيرانيون يعطون الموافقة فقط، لكنهم أيضًا يكبحون اندفاعات الحوثيين من خلال التحكم بالعملية.

السيناريو الثالث: خارج سيطرة إيران

السيناريو الثالث والأخير هو أن الحوثيين خططوا ونفذوا هذا الهجوم بأنفسهم دون التشاور مع الإيرانيين. وإذا كان هذا هو الحال، فيعني ذلك أن الإيرانيين ليس لديهم سيطرة على كيفية استخدام الحوثيين للأسلحة التي يتلقونها من طهران، ومن شأن ذلك أن ينسف النظرية القائلة بأن الحوثيين، أو على الأقل جهودهم الحربية (ناهيك عن سلوكهم التفاوضي)، يخضعون لتوجيه وإشراف إيراني وثيق.

وإذا كان صحيحًا أن الإيرانيين ليس لديهم هذا النوع من النفوذ على الحوثيين، فهذه مشكلة للسعودية والإمارات والولايات المتحدة والأمم المتحدة. ويعني ذلك أن مستقبل حرب اليمن والعملية السياسية - الميتة حاليًا - تحت رحمة نزوات الحوثيين وحدهم، وليس التفضيلات الإيرانية.

ويتبنى الحوثيون أهدافا طموحة للغاية بشكل غير معقول، وإذا كان هناك من يعيق التقدم السياسي، فهم الحوثيون وليس السعوديون، بل إن السعودية أكثر حرصاً من أي طرف آخر على وقف إطلاق النار وإنهاء هذه الحرب.

وإذا شعرت إيران بقلق من تداعيات التصعيد الحوثي ضد السعودية والإمارات، فإنها ستوقف شحنات أسلحتها إلى شريكها اليمني، لكنها لم تفعل ذلك لأن تكلفته ستكون باهظة للغاية، حيث يقدّر الإيرانيون وجودهم المادي في اليمن - على مضيق باب المندب الاستراتيجي - وإذا كان عليهم تحمل جشع الحوثيين في سبيل ذلك، فلن يمانعوا. ويحتاج الإيرانيون إلى الحوثيين بنفس قدر احتياج الحوثيين إلى إيران، وربما أكثر.

ومع ذلك، يعرف الإيرانيون أنه قد يأتي وقت يؤدي فيه عناد الحوثيين إلى نتائج عكسية بشكل كبير ويؤدي إلى رد فعل مدمر من السعودية والإمارات والولايات المتحدة أو حتى الثلاثة. وإذا حدث ذلك وأصبح الحوثيون مهمشين عسكريًا، فسيخسر الإيرانيون خسارة كبيرة لأنه لن يكون لديهم أي شريك آخر في اليمن.

لا نعرف أي من هذه السيناريوهات هو الأكثر احتمالية، لكن من الواضح أن الأضرار التي سببها الحوثيون في أبوظبي لها عواقب أكثر خطورة بكثير من فقدان 3 أرواح وحرق مخزن للوقود، ويثير الهجوم أسئلة حاسمة حول مدى تورط إيران في حرب اليمن والطبيعة الدقيقة لعلاقتها مع الحوثيين؛ وهي أسئلة ليس لدينا إجابات مقنعة عليها.

المصدر |  بلال صعب | معهد الشرق الأوسط - ترجمة وتحرير الخليج الجديد