السبت 12 مارس 2022 06:21 م

الأمن الغذائي للدول وتوفير الغذاء والمياه، أهم مئات المرات من الاستثمار في الطرق والكباري وبناء مدن عمرانية جديدة وقصور رئاسية، بل أهم كثيراً حتى من إقامة عواصم جديدة في الصحراء.

هكذا كشفت أزمة ارتفاع الأسعار في مصر، في ظل الحرب الروسية الأوكرانية، وتوقف إمدادات القمح من هاتين الدولتين، وهما تمثلان 70% من واردات القمح في مصر.

إلا أن هذه الأزمة، تظهر أن مصر تحولت فعلياً إلى دولة أخرى، أضحى فيها أكثر من نصف الشعب فقراء، يعيشون على المساعدات، وصعدت الديون إلى مستويات غير مسبوقة لتلاحق أجيالاً عدة مقبلة، بينما يدعو الرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي" المواطنين إلى أن يفخروا بإنجازات على رأسها الجسور، في بلد لم يعد يبصر، إلا بعين واحدة.

وشهدت الأسواق المصرية، قفزات في الأسعار خلال الفترة الأخيرة، امتدت إلى كل شيء، كالسلع الغذائية، ورغيف الخبز غير المدعم الذي زاد بنسبة 25%، مع قيام التجار بخفض وزن الرغيف، فضلا عن زيادات في أسعار اللحوم والدواجن والسيارات والأدوات الكهربائية وغيرها.

كما توقع محللون زيادة جديدة في أسعار البنزين، خلال الشهر المقبل، ستكون في حدها الأقصى، أي بنسبة 10% من السعر الحالي، ما سيتبعه زيادة في أسعار وسائل النقل العامة (الحكومية) والخاصة، وأسعار السلع كافة بطبيعة الحال.

ولعبت الحرب الأوكرانية دورا كبيرا في تلك الأزمة العنيفة، التي تمر بها الأسواق المصرية، حيث زادت أسعار القمح عالميا بنسبة تصل إلى نحو 50%، وهو ما أدى إلى تضاعف التكلفة على الموازنة المصرية، وحدوث زيادات ضخمة في أسعار الدقيق المصدر الرئيسي لرغيف الخبز في مصر.

وتوقع وزير المالية المصري "محمد معيط"، ارتفاع تكلفة استيراد القمح من الخارج، في ظل الأزمة الروسية الأوكرانية، بنحو 12-15 مليار جنيه (763-954 مليون دولار) في الموازنة الحالية.

وأمام ذلك، طلبت مصر من المؤسسة الدولية الإسلامية لتمويل التجارة زيادة قرض مقرر سلفا لتمويل استيراد السلع التموينية بقيمة 700 مليون دولار، بسبب ارتفاع أسعار القمح عالميا بعد الغزو الروسي لأوكرانيا.

لم تكن الحرب الأوكرانية هي السبب الوحيد في قفزة السعر الأخيرة في مصر، فهناك عوامل سبقتها أخطرها موجة التضخم التي سادت الأسواق العالمية، وانعكست بشكل مباشر على الأسعار في الأسواق المصرية، خاصة وأن مصر تستورد أكثر من 60% من احتياجاتها الغذائية من الخارج، وهو ما يجعلها عرضة لأي تقلبات أو قفزات في الأسواق الدولية.

يقول الخبير لاقتصادي المصري "مصطفى عبدالسلام"، إنّ "زراعة القمح والذرة والشعير والأرز وغيرها من الحبوب أهم مائة مرة من المشروعات العقارية والاستثمارية الأخرى، بما فيها مشروعات البنية التحتية حتى لو كانت شبكات الطرق والكباري والكهرباء والصرف الصحي".

ويضيف: "إن إقامة مخابز وأفران خبز ومطاحن جديدة وتطوير المخابز القائمة، أهم مليون مرة من إقامة سجون حديثة، وعلى طراز أمريكي يتم حشر المعارضين السياسيين والصحفيين وأصحاب الرأي بها".

ويتابع "عبدالسلام" إن "صناعة السلع الغذائية والزيوت والبقوليات والحبوب والفول المدمس والعدس والمعكرونة أهم كثيراً من إقامة مقار فارهة للحكومة والبرلمان ومجلس شيوخ، لا نعرف عنه شيئاً أو هدفاً حتى الآن سوى حصول 300 عضو من أعضائه على مزايا مالية، وبدلات ضخمة عن جلسات لا تناقش شيئاً ذا جدوى".

ويستطرد: "زراعة القمح والأرز والحبوب وتوفير الغذاء للمواطن وبسعر مناسب أهم مليون مرة من إقامة أكبر مسجد في الشرق الأوسط، وأضخم كنيسة ودار للأوبرا في المنطقة، وأهم مليون مرة من البنايات الفارهة ومقار فخمة للحكومة والبرلمان، ومن مدن يقطنها علية القوم، من رجال الأعمال وكبار المسؤولين بضعة أيام في السنة، ومن قطار سريع ومكيف مخصص لكبار المستثمرين والسياح ويخدم المناطق السياحية".

ويلخص "عبدالسلام" حديثه، قائلا: "لو خُيِّرت دولة ما بين ضرورة توفير الغذاء لمواطنيها، وتنفيذ مئات من مشروعات الطرق والكباري، لوجب عليها أن تختار على الفور الخيار الأول، وهو صناعة وإنتاج وزراعة الحبوب وتوفير الغذاء، لأنّه يتعلق بحياة المواطن مباشرة، فالإنسان قد يموت في حال عدم تناول وجبات الغذاء والمياه لعدة أيام، لكنّه لن يموت في حال عدم حيازته أحدث سيارة أو جهاز تكييف وغيره من وسائل الترفيه والراحة".

وخلال حكم "السيسي"، ضخت الحكومة المصرية مبالغ ضخمة على البنية التحتية للبلاد، تجاوزت 1.7 تريليونات جنيه (أي ما يزيد على 100 مليار دولار)، وفق تأكيد وزيرة التخطيط "هالة السعيد"، خلال منتدى أفريقي منتصف العام الماضي.

والرقم الذي ذكرته الوزيرة المصرية، يخالف ما ذكره "السيسي" نفسه، خلال كلمته في نوفمبر/تشرين الثاني 2019، بمؤتمر "استثمر في أفريقيا"، حين قال إن بلاده أنفقت نحو 4 تريليونات جنيه (255 مليار دولار)، خلال السنوات الماضية، على البنية التحتية.

وبعيدا عن صحة الرقم ودقت، ففي هذه المدة، طبقت الحكومة على مدار السنوات الأخيرة سياسات مؤلمة للفقراء ومحدودي الدخل، خاصة في أعقاب الاتفاق مع صندوق النقد الدولي في نوفمبر/تشرين الثاني 2014، على تطبيق برنامج اقتصادي تضمن تعويم الجنيه (تحرير سعر الصرف) والذي أدى إلى انهيار العملة المصرية أمام الدولار، فضلا عن إلغاء دعم الوقود والكهرباء بشكل تدريجي وزيادة ضريبة القيمة المضافة وغيرها من الإجراءات التي فاقمت الغلاء.

وتبلغ فاتورة دعم السلع الغذائية في مصر 87.2 مليار جنيه مصري (ما يعادل نحو 5.5 مليار دولار) طبقا لموازنة العام المالي الحالي 2022/2021، منها 50 مليار جنيه (3.19 مليار دولار) لدعم الخبز و37 مليار جنيه (2.3 مليارات دولار) لدعم السلع التموينية.

وهنا لا وجه للمقارنة بين الدعم المقدم للفقراء، الذي يستفيد منه نحو 72 مليون مصري، بنحو 100 مليار دولار، حسب تصريحات الوزيرة، أو 255 مليار دولار، حسب حديث "السيسي"، تم صرفهم على البنية التحتية "المتهالكة".

وهنا يقول "عبدالسلام": "لو كنت مكان صانع القرار، لأعطيت أولوية قصوى لقضية الأمن الغذائي، مستفيدا من الحرب الحرب الروسية الأوكرانية، التي حتى وإن وضعت أوزارها خلال أسابيع، وهو أمر مستبعد، فما الذي يضمن عدم حدوث حروب وقلاقل في بلدان أخرى مصدرة للقمح والأغذية؟".

ويتابع: "ما الذي يضمن عدم مرور دول كبرى مصدرة للحبوب مثل فرنسا والهند وكندا وأستراليا والأرجنتين بأزمات داخلية أو حتى خارجية تدفعها إلى وضع قيود على صادراتها الغذائية من القمح والحبوب وغيرها كما فعلت بعض الدول المنتجة خلال جائحة كورونا؟".

ويختتم الخبير المصري حديثه بالقول: "في كلّ الأحوال، فإنّ الحكومات مطالبة بتوفير كلّ احتياجات المواطن دافع الضرائب، توفير غذاء صحي ومياه نظيفة وتعليم وصحة ومسكن لائق ومعاش تقاعدي، وبنية تحتية متطورة ومواصلات عامة، ذلك لأنّها تحصل على ضرائب ضخمة من ذلك المواطن، وبالتالي من الطبيعي توجيه حصيلة تلك الضرائب وإيرادات الدولة من رسوم وغيرها لتوفير كلّ هذه الخدمات الضرورية".

وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، تحدث ناشطون في نفس الأمر، لافتين إلى أن إدارة الدولة المصرية لديها مشكلة في تحديد الأولويات.

ويضيف الناشطون أن الدولة أنفقت الكثير من الأموال على مشروعات لن يستفيد منها المواطن بشكل مباشر، ولا تتناسب مع ما تردده الحكومة من عدم قدرتها المالية.

ويُذكِر المنتقدون بالمبالغ التي أنفقتها الحكومة المصرية على بناء وتجديد القصور التي لن يسكن فيها المواطن العادي، وكذلك المبالغ المالية التي أنفقتها الدولة المصرية خلال احتفالية إعادة إحياء "طريق الكباش" في الأقصر.

المصدر | الخليج الجديد