الاثنين 4 أبريل 2022 04:03 م

الحرب والذاكرة.. وعودة التاريخ

نشهد رجوع التصادم التقليدي بين روسيا ودول أوروبا الغربية على خطوط التنازع القديمة في حوض الدونباس وشبه جزيرة البلقان.

في عصر التنوير ظهر مفهومان جديدان أثارا بقوة اهتمامَ الفلاسفة والمفكرين، هما مفهوم «السلام الأزلي الكوني» ومفهوم «الأمن السيادي».

دخلت أوروبا منذ نهاية الحرب الباردة عام 1989 عصر الذاكرة والمتاحف، لكنها بدأت تعود إلى زمن التاريخ والعنف الذي اعتقدت أنها تخلصت منه نهائياً.

الوهم الغربي الكبير في القدرة على عزل روسيا عن محيطها الأوروبي بل عن مجالها القومي الإقليمي الذي تنتمي إليه أوكرانيا وروسيا البيضاء وبعض بلدان البلقان.

عودة الحرب بفظائعها الإنسانية والاقتصادية إلى قلب أوروبا فلم تعد بعيدة عن مسرح المعركة ودول أوروبا الغربية ذات المصالح شديدة الارتباط بروسيا فغدت تشعر بحرارة الحرب قرب حدودها.

* * *

في تعليقه على الحرب الأوكرانية الحالية، كتب الفيلسوف الفرنسي رجيس دوبريه أن أوروبا التي دخلت منذ نهاية الصراع القطبي السابق عام 1989 عصر الذاكرة والمتاحف، بدأت تعود إلى زمن التاريخ والعنف الذي اعتقدت أنها تخلصت منه نهائياً.

التاريخ هو معترك الحروب والمواجهات والدماء، والذاكرة هي مجال الاحتفاء والتمجيد والاعتبار. ومع أن الساحة الأوروبية شهدت في القرون الثلاث الأخيرة أعتا وأخطر الحروب في تاريخ الإنسانية (حروب نابوليون، الحربان العالميتان في القرن العشرين)، فإنها ألغت نظرياً التفكيرَ في الحرب منذ عصر التنوير.

في هذا العصر ظهر مفهومان جديدان أثارا بقوة اهتمامَ الفلاسفة والمفكرين، هما مفهوم «السلام الأزلي الكوني» ومفهوم «الأمن السيادي». المفهوم الأول تبنَّاه الكثيرُ من الكتاب والفلاسفة أشهرهم «الابيه دي سانت بيار» في مشروعه للسلم الأزلي الصادر عام 1712، والفيلسوف الألماني إيمانويل كانط في رسالته التي تحمل نفس العنوان الصادرة عام 1795.

ما أراده فلاسفة «السلم الأزلي» هو بلورة نمط من العلاقات بين الأمم الأوربية يقوم على التعايش السلمي والمصالح التجارية المشتركة والأدوات القانونية التي تكفل حقَّ الضيافة والزيارة ضمن منظور جديد للمواطنة الإنسانية الكونية.

أما مفهوم «الأمن السيادي» فهو شديد الارتباط بفكرة الدولة الوطنية التي تتأسس شرعيتُها على حفظ السلم الأهلي وتجنيب المجتمع المدني التصادمَ والصراع الداخلي، من خلال الولاء لسلطة عليا مطلقة ينعقد لها القبول الطوعي.

تلك هي الأفكار التي بلورها تقليد فلسفي كامل من سبينوزا وهوبز إلى روسو وكانط ومفكري العقد الاجتماعي المعروفين. من هذين الرافدين، تشكَّلت فكرةُ تعارض الحرب مع السياسة التي أصبحت ممارسةً قانونيةً توافقيةً، ومن هنا أصبح الإطار الشرعي للحرب محصوراً في الدفاع عن النفس وفق المعايير والالتزامات المقننة دولياً.

لكن المفارقةَ البادية للعيان هنا هي أن هذا التحول النظري والمعياري الهائل واكبه نزوع لامتناه لإنتاج صناعة السلاح، بما فيه سلاح الدمار الشامل الذي بمقدوره تدمير الحياة الإنسانية على هذا الكوكب أضعافاً مضاعفةً.

وكان الفيلسوف والقانوني الألماني كارل شميت قد عبَّر عن هذه المفارقة في منتصف القرن الماضي عندما بيَّن أن تجربة الحرب العالمية تشكّل تحدياً نظرياً عصياً للفكر الغربي، من حيث كون هذا الفكر الذي تخلى عن لاهوت «الحرب العادلة» في ضبطه لأخلاقيات الحرب (مع التمسك بحق شنها لأسباب دينية أو قيمية) قد برَّر عملياً مفهومَ الحرب الشاملة اللامتناهية من خلال المسوغات القانونية الصورية مقطوعة الصلة بالمعايير الأخلاقية للحرب.

وإذا كانت عقيدة الردع المتبادل ومعادلة توازن القوة قد حدَّا عملياً من احتمال المواجهة العسكرية في أوروبا خلال الحرب الباردة، فإن عودةَ الحروب الحالية إلى أوروبا هي نتاج تبدل هذا الوضع الاستراتيجي عبر الحرص على تمديد المظلَّة الأطلسية ومنظومة الاندماج الأوروبي إلى مناطق النفوذ الروسية التقليدية.

«قد يعود التاريخ بالتثاؤب» كما يعزى لماركس.. وما نلمسه حالياً هو رجوع التصادم التقليدي بين روسيا ودول أوروبا الغربية على خطوط التنازع القديمة في حوض الدونباس وشبه جزيرة البلقان.

الوهم الغربي الكبير تمثل في القدرة على عزل روسيا عن محيطها الأوروبي، بل عن مجالها القومي الإقليمي الذي تنتمي إليه أوكرانيا وروسيا البيضاء أيضاً وبعض بلدان إقليم البلقان.

والنتيجة الكبرى لهذا الوهم هي عودة الحرب بفظائعها الإنسانية والاقتصادية إلى قلب أوروبا، سواءٌ تعلَّق الأمر بالدول المجاورة لأوكرانيا التي لجأ إليها ضحايا الحرب، ولم تعد بعيدة عن مسرح المعركة، أم بدول أوروبا الغربية ذات المصالح شديدة الارتباط بروسيا، والتي غدت تشعر بحرارة الحرب القريبة من حدودها.

وعلى عكس الجيل الذي بنى الوحدةَ الأوربيةَ وشهِد نهايةَ الحرب الباردة، لم يعش حكام أوروبا الحاليين ظروفَ الحرب العالمية، وهم في أغلبهم من الساسة التكنوقراط الذين نشؤوا في مجتمعات غنية آمنة ومزدهرة، ولم تعد الحرب تعني لهم أكثر من عمليات حفظ الأمن في المناطق البعيدة المتفجرة.

وحتى الحروب التي خاضوها في السنوات الأخيرة (في البلقان والشرق الأوسط وأفريقيا) كانت مجرد حروب تكنولوجية لا أثر لها في واقع مجتمعاتهم وإن خلّفت الدمارَ والمآسي في مسارح المعركة.

ومن هنا القلق الكبير الذي ظهر مؤخراً في الساحة الأوربية مع عودة شبح الحروب إلى القارة التي اعتقدت أنها أصبحت جزيرةً آمنةً معزولةً عن ويلات ومآسي العالَم الآخر الذي ما يزال يعيش عنف التاريخ.

* د. السيد ولد أباه كاتب وأكاديمي موريتاني

المصدر | الاتحاد