السبت 9 أبريل 2022 06:44 ص

اقتصاد الكفاية

يقوم اقتصاد الكفاية على بناء أسلوب إنتاجي تعاوني للسلع الزراعية الغذائية بمناطق الريف، لزيادة ذلك الإنتاج وتوزيعه بطريقة عادلة.

إذا كانت مشكلة الغذاء تكمن في غزارة الإنتاج وسوء التوزيع، كما يحلو للبعض أن يتحدّثوا فإنّ الحلّ عملياً متاح ويمكن تطبيقه.

الغذاء تحوّل من حاجة أساسية وحق واضح إلى سلاح يستخدم ضد الخصوم في الحروب أو للضغط على الأصدقاء والحلفاء ليقفوا بجانب الأقوياء في نزاعاتهم الخرقاء.

حجم الإنتاج الزراعي العالمي يكفي لإطعام العالم لو قرر العالم ذلك وسبيل ذلك ضمان إنتاج الكميات المطلوبة والوصول دون عوائق إلى المخزون، وتحويل المنتجات إلى سلع مغذية.

يعزّز الاحتكار أنّ معظم الغذاء ينتج في الدول الكبرى الغنية بينما لا ينال المزارعون بالدول النامية نصيبهم العادل مقابل إنتاجهم ويذهب معظم الربح إلى شركات الوساطة الدولية عبر بورصات المواد الغذائية.

* * *

هنالك نظرية اسمها "نظرية اقتصاد الكفاية" أو ما يسمى باللغة الإنكليزية "Theory of Economic Sufficiency" والتي طوّرها علماء في تايلاند ومن خارجها. وهي ببساطة تقوم على بناء أسلوب إنتاجي تعاوني للسلع الزراعية الغذائية في مناطق الريف، لزيادة ذلك الإنتاج وتوزيعه بطريقة عادلة.

بعد تتويج الملك بوميبول أدوليادج (أو راما السادس) ملكا على تايلاند، إثر وفاة أخيه برصاصة في ظروف غامضة، قام الملك الجديد، خرّيج جامعة هارفارد عام 1950 بجولة على الريف التايلاندي الفقير.

وهالَهُ مستوى الفقر المدقع، وحجم الجوع الجارح الذي رآه هناك، فقرّر أن يفعل شيئاً حيال ذلك، وطوّر برنامجاً لتنمية الريف شمل 123 قرية تقوم على تطبيق فلسفة اقتصاد الكفاية، Economic Sufficiency Philosophy.

وقبيل الانقلاب العسكري الذي جرى ضد رئيس الوزراء التايلاندي، تاكسين شيناواترا، عام 2006، لمّا كان الملك المحبوب خارج البلاد، نشطت السفارات التايلاندية في توزيع كتابٍ مكون من مقالاتٍ تشرح إمكانية تطبيق فلسفة الكفاية الاقتصادية عالمياً، فلا يبقى جوع ولا فقر مدقع فيه.

وبحسب الكتاب، فإنّ حجم الإنتاج الزراعي العالمي يكفي لإطعام العالم لو أن العالم قرّر ذلك. والطريق للوصول إليه هو ضمان إنتاج الكميات المطلوبة، وفتح الباب للوصول، بسهولة من دون عوائق، إلى المخزون، والمقدرة على تحويل المنتجات إلى سلع مغذية.

لكن الاحتكار والإسراف من بعضهم في الاستهلاك وكثرة الطعام الذي يذهب لمكبات القمامة تؤدي لحرمان حوالي مليار شخص في العالم من الطعام أو من تناول السعرات الحرارية الكافية لضمان الحد الأدنى من الشروط الصحية لحياة سليمة.

فإذا كانت مشكلة الغذاء تكمن في غزارة الإنتاج وسوء التوزيع، كما يحلو للبعض أن يتحدّثوا بشعرهم، فإنّ الحلّ عملياً متاح ويمكن تطبيقه.

ولكن هناك معلومات أخرى تجعل إمكانية توفير الشروط للحصول على التغذية الكافية لكلّ فرد في العالم صعبة التطبيق، تتمثل في وجود شركات احتكارية كبرى في العالم تتحكّم في تجارة معظم إنتاجه من الحبوب، فكيف يمكن، في هذه الحالة، أن نوفق بين العدالة في التوزيع في ظل سوق احتكارية كهذه.

ومما يعزّز الاحتكار أنّ معظم الغذاء ينتج في الدول الكبرى الغنية، بينما لا ينال المزارعون في الدول النامية نصيبهم العادل مقابل الإنتاج الذي يبيعونه. ويذهب معظم الربح إلى شركات الوساطة الدولية عبر بورصات المواد الغذائية.

والنقطة الثانية أنّ الغذاء قد تحوّل من حاجة أساسية وحق واضح من حقوق الإنسان إلى سلاح يستخدم ضد الخصوم والأعداء في حالة الحرب، أو للضغط على الأصدقاء والحلفاء، لكي يقفوا إلى جانب الأقوياء في حروبهم ونزاعاتهم الخرقاء.

وأذكر أنّ برنامجاً على قناة إخبارية أميركية شهيرة بث حلقة من غرب أفريقيا تبين للمشاهدين أنّ منتجي مادة الكاكاو التي تباع بثمن بخس لم يذوقوا الشوكولاتة في حياتهم أو يسمعوا بها، وأنّهم لم يدركوا أنّ كلمة شوكولاتة هي مزيج من كلمتي كاكاو وحليب بالفرنسية، ولربما شرح هذا البرنامج في دقائق قصة التوزيع في العالم.

وبحسب إحصاءات جمعها موقع Think-Eat-Save فإن 30% من الطعام المنتج في الولايات المتحدة يذهب سدى وهباء (waste)، وتقدر قيمته بـ48 مليار دولار سنويا، وتبلغ قيمة هذا الهدر في المملكة المتحدة 6.7 ملايين طن سنوياً، أو ما يؤكد أن 32%؜ من المواد الغذائية المشتراة لا يستهلك.

وفي أستراليا، يبلغ إنفاق البيوت 10.5 مليارات دولار على طعامٍ لم يستهلك. وحتى في القارّة الأفريقية وفي الدول الجائعة هنالك أرقام بعشرات الملايين تنفق على طعام يضيع سدى ولا يؤكل.

وفي الأردن، قامت حملات لجمع الطعام الفائض في المطاعم والحفلات، وإعادة تعليبه بشكل لائق ليجري توزيعه على الأسر المحتاجة.

ويطلق على حالة الجوع والعوز الحاصلة في العالم حالياً عالم مالثوس الجديد Neo-Malthusian World إشارةً إلى ما كتبه الاقتصادي البريطاني، روبرت مالثوس، في كتابه الشهير في العام 1798 بعنوان "مقالة حول مبدأ السكان" تنبأ فيه بحصول مجاعاتٍ بسبب الزيادة المفرطة في سكان الأرض وفق متوالية هندسية، بينما يزداد الغذاء وفق متوالية عددية أو حسابية، ما يؤدي إلى هزال البشر جسدياً وعقلياً بسبب نقص الغذاء، وحصول مجاعات عامة.

لكنّ مالثوس ما كان له أن يدرك عام 1800 حجم التطوّر العلمي والتكنولوجي الذي مكّن الإنسان من زيادة الغذاء، لكنّ كثرة الغذاء صاحَبَها ارتفاع في عدد السكان بثلاثة أضعاف وزيادة بين العامين 1900 و2000.

ومنذ مطلع القرن الحادي والعشرين، زاد عدد سكان العالم من 6.1 مليارات نسمة إلى حوالي 7.5 مليارات نسمة. وسيصل إلى تسعة مليارات نسمة في عام 2050.

كثرة السكان تنتج معها مشكلات إضافية، مثل استغلال البشر بعضهم لبعض، واستقواء الأغنياء على الفقراء، وبروز ظاهرة الاقتصادات غير الرسمية والأسواق السوداء، وغيرها. نحن فعلاً نعيش في عالم ما بعد مالثوس.

* د. جواد العناني سياسي وخبير اقتصادي، نائب رئيس الوزراء رئيس الديوان الملكي الأردني الأسبق.

المصدر | العربي الجديد