الاثنين 25 أبريل 2022 08:15 ص

إغلاق الأجواء التركية أمام روسيا: ورقة ضغط بأهداف متعددة

يعد المجال الجوي التركي هو الأقصر مسافة أمام الروس لإمداد قواعدهم في سورية.

الخطوة التركية تثير تساؤلات كثيرة حول توقيتها والقرار ربما يشير إلى وجود خلافات بشأن سورية.

باستمرار حرب أوكرانيا وعدم التوافق على الوساطة التركية لم تستطع أنقرة أن تقف ضد تيار عالمي ضد الحرب، ومع فرض العقوبات على موسكو.

إغلاق الأجواء التركية أمام طائرات روسيا المدنية والعسكرية التي تنقل قوات من روسيا إلى سورية هو الإجراء الأشد ضد روسيا التي دخل غزوها لأوكرانيا شهره الثالث.

الإجراء التركي بإغلاق الأجواء التركية وقبله منع السفن الروسية من الإبحار بالبحر الأسود نحو سورية سيزيدان الكلفة على روسيا لبلوغ قواعدها بالمتوسط مما يشكل ضغطاً كبيراً لـ"تليين" موقفهم إزاء أزمة أوكرانيا.

* * *

وجّهت تركيا رسائل في أكثر من اتجاه، مع إعلانها إغلاق مجالها الجوي أمام الطائرات الروسية المدنية والعسكرية، التي تنقل قوات من روسيا إلى سورية، في إجراء هو الأشد ضد الجانب الروسي الذي دخل غزوه أوكرانيا شهره الثالث.

ونقلت وسائل إعلام تركية عن وزير الخارجية التركي مولود جاووش أوغلو قوله، الأول من أمس السبت، "لقد أغلقنا المجال الجوي أمام الطائرات الروسية العسكرية، وكذلك الطائرات المدنية، المتجهة لسورية. أعلنا ذلك في مارس/آذار (الماضي) وانتهت المهلة في إبريل/ نيسان" الحالي.

ولفت إلى أنه أبلغ نظيره الروسي سيرغي لافروف بالقرار. وحتى ظهر أمس الأحد، لم يصدر أي موقف من موسكو إزاء الخطوة التركية المفاجئة.

وكانت أنقرة أعلنت، في 28 فبراير/شباط الماضي، منع السفن الحربية لـ"الدول المطلة وغير المطلة على البحر الأسود" من عبور مضيقي البوسفور والدردنيل. وتأتي الإجراءات التركية مع دخول الغزو العسكري الروسي لأوكرانيا شهره الثالث، في ظل مؤشرات على أن اتفاقاً لوقف إطلاق النار والجلوس إلى طاولة مفاوضات نهائية بعيد المنال في المدى المنظور.

أنقرة وسيط رئيسي بين روسيا وأوكرانيا

وتعد أنقرة الوسيط الرئيسي بين الروس والأوكرانيين لإنهاء الحرب. واستضافت اجتماعات بين المفاوضين الروس والأوكرانيين في إسطنبول، واجتماعاً آخر بين لافروف ونظيره الأوكراني ديميترو كوليبا في مدينة أنطاليا مطلع الشهر الماضي، إلا أنه لم يسفر عن نتائج إيجابية.

روسيا لها في سورية العديد من المواقع والقواعد، أهمها قاعدة حميميم على الساحل السوري، التي تعد خط دفاع متقدم شرق البحر المتوسط بمواجهة الغرب.

كما أن للروس قاعدة بحرية في مدينة طرطوس السورية على البحر المتوسط، والتي شهدت مناورات عسكرية روسية قبل أيام قليلة من بدء الغزو الروسي لأوكرانيا في 24 فبراير الماضي.

ويعد المجال الجوي التركي هو الأقصر مسافة أمام الروس لإمداد قواعدهم في سورية. ومن ثم، فإن الإجراء التركي بإغلاق هذا المجال، وقبله منع السفن الروسية من الإبحار في البحر الأسود باتجاه سورية، سيزيدان الكلفة على الروس للوصول إلى قواعدهم في المتوسط، وهو ما يشكل ضغطاً كبيراً لـ"تليين" موقفهم إزاء الأزمة في أوكرانيا.

أبعاد إغلاق الأجواء التركية بوجه روسيا

ورأى الباحث المتخصص بالشأن بالروسي طه عبد الواحد أن للقرار التركي الكثير من الأبعاد. وقال: "هو رسالة من أنقرة للغرب أن لديها وسائل وأدوات ضغط على الجانب الروسي، بعيداً عن العقوبات الاقتصادية التي فرضها الغرب على موسكو ولم يشارك فيها الأتراك". ويعتقد عبد الواحد أن القرار "ربما يشير إلى وجود خلافات روسية تركية حول ترتيبات تخص الشمال الغربي من سورية".

وحول مآلات وأسباب الخطوة التركية وتأثير ذلك على العلاقات بين أنقرة وموسكو، قال الكاتب والمحلل السياسي التركي فراس رضوان أوغلو إنه مع استمرار الحرب مع أوكرانيا وعدم التوافق بعد على الوساطة التركية، "لم تستطع أنقرة أن تقف ضد التيار العالمي، الذي هو ضد الحرب، وفرض العقوبات على موسكو".

وأضاف أن "تركيا قالت إنها ليست مع روسيا وضد العقوبات أيضاً، ولكن لا يمكن الصمود أمام الضغوط الأوروبية والأميركية بشكل كبير، لتأتي مسألة عدم تمديد السماح بعبور الطائرات الروسية ضمن هذا السياق".

واعتبر أنه "كان على تركيا أن تتخذ خطوة للضغط على موسكو من أجل إيجاد تفاهمات مع كييف ووقف إطلاق النار، خصوصاً أن تركيا بدأت تستشعر الخطر بأن روسيا تريد احتلال الساحل الأوكراني كله، وهذا بالنسبة لتركيا مسألة ليست جيدة على الإطلاق".

ولكن رضوان أوغلو استبعد أن يؤثر هذا التطور سلباً على العلاقات بين الطرفين. وقال إن "موسكو بحاجة لأنقرة في قضايا أخرى بعد العقوبات التي فُرضت عليها، وأبرزها الملفات الاقتصادية والمالية، كما تبقى تركيا مجالاً مفتوحاً للسياح الروس، وما زالت الأمور جيدة بين الطرفين".

وكانت روسيا وتركيا قد نسجتا، على مدى سنوات، خيوط تفاهم حول الشمال الغربي من سورية، يتعرض بين وقت وآخر لخرق من قبل الجانب الروسي. إلا أن هذا التفاهم لا يزال صامداً منذ مارس 2020، حيث لم تدعم موسكو أي عمليات برية لقوات النظام منذ ذلك الحين. ولكن ربما تفتح الخطوة التركية باباً أمام تصعيد عسكري روسي في محافظة إدلب في شمال غرب سورية، وربما في مناطق أخرى تقع تحت النفوذ التركي في شمال سورية.

تساؤلات حول أهداف أنقرة

من جهته، أشار الباحث السياسي التركي طه عودة إلى أن الخطوة التركية بإغلاق مجالها الجوي أمام الطائرات الروسية المتجهة إلى سورية "تثير الكثير من التساؤلات من حيث توقيتها".

وأضاف: جاءت بالتزامن مع التصعيد العسكري على الأرض في سورية، وخرق قوات النظام وروسيا اتفاق خفض التصعيد الموقع مع أنقرة، وقصف الأماكن الواقعة تحت سيطرة الجيش التركي في شمال غرب سورية.

ولفت إلى أن "الخطوة التركية جاءت بعد أيام قليلة من زيارة وفد من الكونغرس الأميركي، التقى خلالها مسؤولين في الرئاسة والخارجية التركية، وجرى التباحث حول الملفات الشائكة، وفي مقدمتها صواريخ إس 400 وصفقة مقاتلات إف 16، وهناك حديث عن التوصل إلى تفاهمات مبدئية حول هذه الملفات".

ويعتقد عودة أن القرار التركي ضد الجانب الروسي "يحمل في طياته رسائل لحلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة، مفادها أن أنقرة لاعب أساسي في ملفات المنطقة".

وكان الفتور قد شاب العلاقة بين تركيا والولايات المتحدة عام 2019، بعد شراء الأتراك نظام الدفاع الصاروخي الروسي "إس-400"، في قرار غير مسبوق لدولة من حلف الأطلسي. وظلت العلاقات الروسية التركية تتنامى حتى بدء الغزو الروسي لأوكرانيا، والذي بدّل الكثير من المعادلات السياسية في المنطقة ودفع الغرب مجدداً باتجاه أنقرة.

أشد الخطوات التركية بوجه روسيا

وأشار العميد فاتح حسون، وهو قيادي في فصائل المعارضة السورية المرتبطة بالجيش التركي، في حديث مع "العربي الجديد"، إلى أن إغلاق المجال الجوي التركي أمام الطائرات الروسية العسكرية والمدنية المحملة بالجنود والقادمة إلى سورية "من أكثر الخطوات التركية شدة في وجه روسيا إثر حرب الأخيرة على أوكرانيا".

وحول البدائل الروسية للوصول إلى قواعدها في سورية، بيّن حسون أن "أمام روسيا حلولاً أخرى، باستخدام المجال الجوي الإيراني وكذلك العراقي"، مضيفاً: فترة الحظر المحددة مبدئياً بثلاثة أشهر قد تمتد لأبعد من ذلك، ما يعيق سلاسة حركة الطيران الروسي في المنطقة.

المصدر | العربي الجديد