الثلاثاء 26 أبريل 2022 04:07 ص

رئاسة ماكرون بين أرقام قياسية وحقائق مريرة

واجه ماكرون أقصى اليمين مرتين، أي أن نسبة هامة من الناخبين لم تصوت له انطلاقاً من قناعة به، بل لسدّ الطريق أمام وصول لوبان للرئاسة.

غالبية مواطني فرنسا تنفست الصعداء إزاء هزيمة لوبان لكن النتيجة العالية التي حققها أقصى اليمين تعتبر تاريخية لأحزاب التطرف والعنصرية في الاقتراع العام.

بلغ الامتناع عن التصويت 28% الأعلى منذ 1969 والمؤشر الأوضح حول انقسام فرنسا لأربعة معسكرات: يمين تقليدي؛ ويسار راديكالي؛ ويمين متطرف، وكتلة صامتة ساخطة.

لا غرابة أن يكون السيسي من أوائل المهنئين بإعادة انتخاب ماكرون الذي اعتاد تكريم الطغاة أو الإعلان في أقصى درجة بأنهم أعداء شعوبهم وليسوا أعداءه.

* * *

نجح الرئيس الفرنسي المنتهية ولايته إيمانويل ماكرون في اكتساب ثقة الفرنسيين لولاية ثانية خلال انتخابات رئاسية جمعته مع مارين لوبان مرشحة أقصى اليمين، في إعادة لجولة 2017 التي جمعتهما أيضاً، رغم أن الفوارق هذه المرّة ليست متعددة وجلية فقط بل هي انطوت على دلالات بالغة الأهمية حول مسائل جوهرية في حياة البلاد السياسية والاجتماعية والاقتصادية والحزبية.

وفي جولة 2017 كان ماكرون قد سجّل سابقة أولى هي وصول مرشح إلى قصر الإليزيه لم يكن قد أتمّ الأربعين وهو الأصغر سناً منذ 1958 تاريخ تأسيس الجمهورية الخامسة، أما في هذه الجولة فقد أضاف ماكرون رقمين قياسيين جديدين في أنه أول رئيس يعاد انتخابه خارج فترات التعايش بين ساكن الإليزيه ورئيس الحكومة، وصاحب نسبة التصويت الأعلى ضمن هذا المعطى ذاته.

لكن الحقيقة الأخرى المريرة هي أنه في الجولتين واجه أقصى اليمين وبالتالي فإن معدلات غير قليلة من الناخبين لم تصوت له انطلاقاً من قناعة ببرامجه وخياراته أو حتى شخصيته، بل بدافع سدّ الطريق أمام وصول لوبان إلى الرئاسة.

وفي خطاب الاحتفال بالفوز لم ينكر ماكرون هذه الحقيقة، وأشار بوضوح إلى مواطنيه الذين صوتوا له رغم عدم اتفاقهم معه، كما أعرب عن تفهمه للملايين التي اختارت التصويت لأقصى اليمين، موضحاً أنه اليوم ليس رئيس مجموعة بعينها بل رئيس كل الفرنسيين، وهذا بالطبع هو الشعار الذي يُرفع عادة في مناسبات كهذه ولا ينتهي بالضرورة إلى التجسد على أرض الواقع.

ذلك لم يطمس دلالة رقم آخر ذي مغزى، هو أنه هزم لوبان في سنة 2017 بفارق 30 نقطة، لكنه في هذه الجولة لم يهزمها إلا بفارق 17 نقطة.

حقيقة ثالثة لا تقل أهمية هي أن نسبة الامتناع عن التصويت ناهزت الـ28% وهي الأعلى منذ العام 1969 وقد تكون المؤشر الأوضح حول انقسام فرنسا إلى معسكرات أربعة، بين يمين تقليدي أو وسطي ليبرالي ويسار راديكالي ويمين متطرف وكتلة صامتة تعرب عن سخطها عن طريق مقاطعة صندوق الاقتراع.

وهنا أيضاً أقر ماكرون بأنه معني بـ13,6 مليون ممتنع عن التصويت، وأن “صمتهم دلّ على رفض في الاختيار وهذا يُلزمنا أيضاً بالإجابة عليه”.

والمؤكد في المحصلة أن غالبية عالية من مواطني فرنسا تنفست الصعداء إزاء هزيمة لوبان، ولكنها أيضاً أخذت علماً بالنتيجة العالية التي حققها أقصى اليمين في هذه الجولة، والتي يصح بالفعل اعتبارها تاريخية على امتداد تجارب أحزاب التطرف والعنصرية في مجابهة الاقتراع العام.

كذلك يصح القول إن غالبية ساحقة من الديمقراطيات الأوروبية ارتاحت بدورها لابتعاد شبح لوبان عن قصر الإليزيه، بالنظر إلى برامج الأخيرة المناهضة لتشريعات الاتحاد الأوروبي في السياسة والاقتصاد والاجتماع، وقربها من الكرملين والرئيس الروسي بوتين.

ولم يكن غريباً أن يكون الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في طليعة زعماء الأنظمة العربية المهنئين بإعادة انتخاب ماكرون، فالأخير اعتاد على تكريم الطغاة أو الإعلان في أقصى درجة بأنهم أعداء شعوبهم وليسوا أعداءه.

المصدر | القدس العربي