الاثنين 9 مايو 2022 04:10 م

أزمات الليبرالية الديمقراطية والوضع الأوروبي الراهن

نتائج الانتخابات الرئيسية الأخيرة في فرنسا تحمل على القلق والشك في صحة المناخ السياسي الغربي.

أكبر تحد يواجه الديمقراطية الليبرالية ينبع من داخلها ويتغذى بأزماتها الذاتية وما تعيشه أوروبا الليبرالية الآن من تحولات سياسية عاصفة يثبت ذلك.

تاريخ الديمقراطية الليبرالية ومسارها الشائك لم يكن تراكماً سهلا ومتناغماً، بل هو حصيلة تسويات توافقية بين ديناميات متعارضة شديدة الاختلاف.

المعتقدات الأيديولوجية تعرضت بالعقود الأخيرة لمسار نقدي تفكيكي صارم قوّض تدريجياً شحنتها الدلالية وأضعف قدراتها العملية على تحقيق التسويات التاريخية.

شهد الانتخابات الرئاسية: ارتفاعا غير مسبوق للعزوف عن التصويت؛ صعود نزعات شعبوية مناهضة لليبرالية فنالت نصف الأصوات؛ وانهيار قطبي اليمين واليسار اللذين تقاسما السلطة 50 عاما.

* * *

كثيراً ما يقال بحق إن فرنسا هي مقياس صحة الحقل السياسي الغربي. تستند هذه الأطروحة إلى أدلة ملموسة وموضوعية في مقدمتها دور الثورة الفرنسية في تشكيل وتأسيس نمط الحداثة السياسية وبلورة قيم التنوير والنزعة الإنسانية التي هي مرجعية كل القيم والأفكار التحررية الديمقراطية في الغرب.

وإذا كان الأمر كذلك، فإن نتائج الانتخابات الرئيسية الأخيرة في فرنسا تحمل على القلق والشك في صحة المناخ السياسي الغربي.

عكس الاقتراع الأخير ثلاث حقائق مخيفة هي: الارتفاع غير المسبوق لنسبة العزوف عن المشاركة في الانتخابات، وصعود النزعات الشعبوية، اليمينية واليسارية، المناهضة لليبرالية، إلى حد أنها حصدت ما يزيد على نصف أصوات الناخبين، وانهيار كلي لقطبي اليمين واليسار اللذين تقاسما السلطة خلال خمسين عاماً الأخيرة.

لقد أدت هذه التحولات إلى بروز خطاب متشائم حول مستقبل الديمقراطية الليبرالية في مهدها الأصلي وفي أوروبا عموماً التي تعرف نفس المؤشرات المقلقة.

ودون الخوض في تاريخ الديمقراطية الليبرالية ومسارها الشائك، أود التذكير بأن هذا التاريخ لم يكن تراكماً سهلا ومتناغماً، بل هو حصيلة تسويات توافقية بين ديناميات متعارضة شديدة الاختلاف.

وبالرجوع إلى أحد أهم مؤرخي وفلاسفة الديمقراطية الليبرالية الأوروبية، وهو مارسيل غوشيه الذي كتب عشرات الأعمال الرائدة في الموضوع، نلاحظ أن الفكرة الحديثة للحرية العمومية المنظمة في شكل دولة تعددية مفتوحة تمحورت حول حقول ثلاثة هي:

- الحقل السياسي للدولة المدنية السيادية ضمن نطاق «انغلاق المجال الإنساني في حدوده الذاتية المكتفية بنفسها» دون تدخل أي سلطة إطلاقية مقدسة (سلطة الكنيسة والتقليد).

- الحقل القانوني للحرية الفردية مصدراً أوحد للشرعية السياسية، ضمن تصور تكويني للسلطة السياسية الجماعية هو في الآن نفسه محور النظام السياسي العمومي (نظريات التعاقد الاجتماعي).

- الحقل التاريخي للصيرورة الاجتماعية من حيث العلاقة الحركية الخصبة بين الدولة والمجتمع المدني في تركيبته الطبقية وصراعاته الأفقية التي هي محور الصياغات الأيديولوجية المتعددة للمطالب الاجتماعية المغذية للحقل السياسي.

لم تكن الروابط بديهية ولا منسجمة بين هذه الحقول الثلاث، بل كانت في بدايتها إشكالية ومتوترة، فالتناقض بارز بين الفردية القانونية والدولة السيادية الكلية، وبين الدور الإدماجي للكيان العمومي والطابع الصراعي للمجتمع المدني، وبين مبدأ الهوية ومبدأ التقدم التاريخي.

ولقد لاحظ غوشيه أن الديمقراطية الليبرالية استطاعت تحقيق تسويات توافقية بين هذه الديناميات المتعارضة ضمنت الاستقرار السياسي والاجتماعي في الغرب طيلةَ ما يزيد على قرن من الزمان من خلال تكريس الإيمان بمعتقدات ثلاثة هي: التقدم والشعب والعلم.

إلا أن هذه المعتقدات الأيديولوجية تعرضت في العقود الأخيرة لمسار نقدي تفكيكي صارم قوض تدريجياً شحنتها الدلالية وأضعف قدراتها العملية على تحقيق التسويات المذكورة.

لم تعد السردية التنويرية للتقدم قادرة على تأطير المنظور الأيديولوجي للسياسة في الغرب بعد انحسار أفكار اليسار الثوري، ولم يعد للقيم القومية والوطنية المتمحورة على فكرة الشعب أي فاعلية كبرى في مواجهة مسار القولبة الكونية الشاملة التي تأخذ اسم العولمة، أما أفكار الموضوعية العلمية واليقين التجريبي والحقيقة الدقيقة فقد انهارت كلياً مع الثورة التقنية الراهنة بنتائجها الابستمولوجية غير المسبوقة.

لقد بقيت الديمقراطية التمثيلية الشكل السياسي القائم لهذه التسويات التوفيقية الهشة، ولذا عكست بقوة الأزمة العميقة لليبرالية الغربية في أبعادها المختلفة التي تتمحور حول هذه الأزمة الثلاثية السياسية والقانونية والأيديولوجية.

صحيح أن المكاسب الفردية والاجتماعية الكبرى بقيت حيةً راسخةً للإنسان الغربي، رغم الحديث المتزايد عن تآكل الحقوق والحريات الناتج عن انبثاق «رأسمالية الرقابة والتحكم» وتزايد «سلطة الاستثناء والضبط»، إلا أن التحولات السياسية الحديثة تعبر عن مأزق حقيقي في مستوى فاعلية نظام التمثيل والانتخاب الذي هو الآلية الرئيسية للديمقراطية الليبرالية.

وإذا كان الغرض الأصلي من هذه الآلية هو حسم الصراع السياسي الاجتماعي مؤقتاً بأسلوب سلمي وقانوني وفق قواعد وضوابط الشرعية القانونية الإجماعية، فإن المشكل المطروح اليوم هو الانفصام المتزايد بين الحقل السياسي العيني واللحظة الانتخابية الدورية، بما يحمل على مراجعة وإعادة تقويم التجربة السياسية للمجتمعات الليبرالية الغربية.

لقد تحدث مرةً الفيلسوف الفرنسي جاك ديريدا عن خطر «التهام الديمقراطية لنفسها»، معتبِراً أن أكبر تحد يواجه الديمقراطية الليبرالية ينبع من داخلها ويتغذى من أزماتها الذاتية. وما تعيشه أوروبا الليبرالية راهناً من تحولات سياسية عاصفة يثبت صدق هذه الملاحظة.

* د. السيد ولد أباه كاتب وأكاديمي موريتاني

المصدر | الاتحاد