الاثنين 30 مايو 2022 04:56 م

مستقبل الفلسفة في حوارات مسقط

الفلسفة من حيث هي ممارسة تأويلية نقدية وبرهانية هي المسلك الحقيقي للنهوض الثقافي والتحرر العقلاني.

ما هو الأثر المجتمعي والعملي للفلسفة من حيث هي خطاب نظري ومفهومي يُنعت عادةً بالتجريد والغموض والمثالية؟

الفلسفة الحديثة برمتها كانت في عمقها استكشافاً لآفاق التعالي والذاتية والكونية التي لها خلفياتها البعيدة في السردية الطويلة للفكر الغربي.

ما علاقة الدين بالفلسفة وما مستقبل السؤال الفلسفي في عالم غدت تسيطر عليه التقنيات المعولمة التي محقت كل الأفكار النظرية والأيديولوجية؟

التقنية وإن كانت رؤية كاملة للعالم، بل هي «ميتافيزيقا العصور الحديثة»، لكنها تولِّد وهمَ الاستغناء عن التفكير الفلسفي الحقيقي أي النظر في الوجود.

مهمة الفلسفة تأكيد استقلالية الإنسان ورشده، بما يترتب على هذا الوعي من شجاعة الاستخدام العمومي للعقل الذي هو المكسب الأكبر لعصور الحداثة والأنوار.

* * *

في مسقط، حيث كنتُ الأسبوع المنصرم، شاركتُ في أعمال المؤتمر الفلسفي الذي نظمته «مؤسسة بيت الزبير» الثقافية، بمشاركة جمع متميز من المشتغلين بالحقل الفلسفي، من العمانيين والعرب.

وقد بدا لي من الواضح أن هذا اللقاء العلمي الناجح يندرج في إطار دينامية الانفتاح والتجدد الفكري الذي تعرفه السلطنة على غرار جل الدول الخليجية.

ولا شك في أن الفلسفة من حيث هي ممارسة تأويلية نقدية وبرهانية هي المسلك الحقيقي للنهوض الثقافي والتحرر العقلاني.

في مسقط التقينا جيلا من الشباب المتألق الواعد، الذي يتميز بإطلاعه الواسع على الكتابات الفلسفية الحديثة والمعاصرة، وهو يحظى برعاية كريمة من القائمين على هذه المؤسسة التنويرية النشطة.

ولقد لاحظت أن ثلاث إشكالات كبرى تشغل هذا الجيل الجديد الشغوف بالفلسفة في منطقة الخليج العربي، هي:

- الأثر المجتمعي والعملي للفلسفة من حيث هي خطاب نظري ومفهومي يُنعت عادةً بالتجريد والغموض والمثالية،

- علاقة الدين بالفلسفة،

- مستقبل السؤال الفلسفي في عالم غدت تسيطر عليه التقنيات المعولمة التي محقت كل الأفكار النظرية والأيديولوجية.

وبخصوص الإشكال الأول، يتعين التنبيه هنا إلى أن الفلسفة وإن كانت موغلةً في التفكير النظري، إلا أنها كانت على الدوام فاعلةً ومؤثرةً في المنعرجات الإنسانية الكبرى، منذ تأسيس المدينة اليونانية القائمة على الحوار التداولي العمومي إلى الحداثة الغربية في العصور الراهنة بما تقوم عليه من مقاربة تجريبية للطبيعة وتدبير قانوني للشأن العمومي في إطار الدولة الوطنية السيادية.

وغني عن البيان أن المدونة القانونية والإبستمولوجية المعاصرة التي هي الإطار المرجعي لمشاريع النهوض العربي كلها من آثار التفكير الفلسفي.

أما علاقة الفلسفة بالدين فهي من الإشكالات التي كثيراً ما تطرح في الوسط الثقافي العربي، حيث تسود مصادرة التعارض الجذري بين أحكام الشرع وأقوال الفلاسفة.

ومع أن قاضي قرطبة وخاتمة الفلاسفة العرب ابن رشد قد قدَّم منذ القرن الثاني عشر الميلادي الفتوى الدقيقةَ بخصوص تعلّم علوم الحكمة في كتابه «فصل المقال»، فإن الإشكال لم يزل مطروحاً اليوم نتيجةً للانفصام القائم منذ قرون بين اللاهوت والفلسفة، والذي ولد انطباعاً عاماً خاطئاً بمعاداة الدين للفلسفة.

لقد كان نيتشه، أكثر فلاسفة الغرب بعداً عن الدِّين، وبذا فتح آفاقاً جديدةً للتفكير في الدين خارج مقاييس الميتافيزيقيات القديمة.

وفضلا عن كون المقولات الفلسفية نفذت بقوة إلى عمق نصوصنا التراثية بما فيها أكثر المذاهب نبذاً للفلسفة (المنطق اليوناني في أصول الفقه ونظرية النفس الأرسطية في الأخلاق)، فإن الفلسفة الحديثة برمتها كانت في عمقها استكشافاً لآفاق التعالي والذاتية والكونية التي لها خلفياتها البعيدة في السردية الطويلة للفكر الغربي.

لم تعد الفلسفة في الغرب تدّعي القدرةَ على تعويض الدين في مقوماته التفسيرية للعالم وفي عقيدته للخلاص ومنطلقاته الخلقية، كما أن المشروع اللاهوتي لبناء فلسفة دينية خاصة انهار كليا مع نقدية كانط في القرن الثامن عشر.

بقي علينا الجواب على السؤال المحوري المطروح اليوم بقوة حول مستقبل الفلسفة في سياق الأزمات الكبرى التي تعيشها راهناً الإنسانية.

لقد كان هذا الإشكال هو موضوع مساهمتي في ندوة مسقط، مستحضراً فيها قولة هايدغر الشهيرة «إن العلم لا يفكر»، وهو يعني بهذه العبارة أن التقنية وإن كانت رؤية كاملة للعالم، بل هي «ميتافيزيقا العصور الحديثة»، إلا أنها تولِّد وهمَ الاستغناء عن التفكير الفلسفي الحقيقي الذي هو النظر في الوجود.

مع ديناميكية العولمة الاقتصادية والتقنية المستندة للثورة التواصلية الراهنة، ساد شعور جارف بانحسار الأيديولوجيات ونهاية الحقيقة من حيث هي دائرة للمعنى والتعبير، فانسحب هذا الوهم على القول الفلسفي الذي اعتُبر لاغياً ومتَجاوزاً.

المفارقة البادية للعيان اليوم هي أن عصر «ما بعد الفلسفة» هو أكثر حقب الفلسفة تألقاً وازدهاراً، كما تبين معطيات النشر والتأليف وشبكات التواصل الإلكتروني.

وما أحوجنا في العالم العربي الذي يمر منذ سنوات بأخطر مراحل تاريخه المعاصر إلى الفلسفة في توجهها النقدي العقلاني وأفقها التنويري الإنساني بما يرتكز عليه من قيم التسامح والتعددية والسلم الأهلي.

في نص شهير حول «التنوير» يقول الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط إن مهمة الفلسفة اليوم تتلخص في تأكيد استقلالية الإنسان ورشده، بما يترتب على هذا الوعي من شجاعة الاستخدام العمومي للعقل الذي هو المكسب الأكبر لعصور الحداثة والأنوار. ذلك بالضبط هو مضمون المطلب الفلسفي في العالم العربي.

* د. السيد ولد أباه أكاديمي موريتاني

المصدر | الاتحاد