الخميس 23 يونيو 2022 10:42 م

على مدى السنوات الثلاث الماضية، ظهرت شراكة استراتيجية ثلاثية بين مصر والأردن والعراق. وبالرغم من تزايد التنسيق غير الرسمي بين هذه الدول بمرور الوقت، لكن الدوافع وراء هذا التقارب لا تزال غير واضحة.

ويختلف المراقبون حول ما إذا كانت العوامل السياسية أو الاقتصادية تفسر بشكل أفضل سلوك هذه الدول، وما إذا كانت الوعود بعلاقات أوثق في قطاعات الطاقة والنفط والغاز والصناعة ستؤتي ثمارها في النهاية.

في الواقع، لا تزال هناك بعض الأسئلة الرئيسية حول مستقبل التحالف الثلاثي مثل: ما هو موقف دول مجلس التعاون الخليجي وإيران من هذه الشراكة؟ وهل يسعى المحور المصري الأردني العراقي للتأثير على التنافس الإقليمي السعودي الإيراني، أم تجاوزه؟ أخيرًا، كيف سيفيد التعاون بين هذه الدول استقرارها الاقتصادي والسياسي المحلي واستقرار المنطقة ككل؟

ومنذ مارس/آذار 2019، التقى قادة مصر والأردن والعراق 4 مرات لمناقشة إنشاء مجموعة متنوعة من المشاريع الاستراتيجية. واستضاف العراق أحد هذه اللقاءات في يونيو/حزيران 2021، وهي المرة الأولى التي يزور فيها رئيس مصري العراق منذ أكثر من 30 عامًا.

وتذّكر أحداث السنوات الثلاث الماضية بالعلاقات التاريخية الوثيقة بين هذه الدول، فبين عامي 1989 و1990، التقى العراق والأردن ومصر واليمن الشمالي تحت مظلة مجلس التعاون العربي في محاولة لتحقيق التوازن أمام الهيمنة الاقتصادية والسياسية لدول مجلس التعاون الخليجي التي تقودها السعودية، لكن الغزو العراقي للكويت في أغسطس/آب 1990 قلص إلى حد كبير آفاق التعاون الإقليمي مع بغداد وقضى على التنسيق الناشئ.

وبالرغم من هذه البداية المشؤومة، ما يزال العراق يحافظ على علاقات اقتصادية قوية مع كل من مصر والأردن حتى يومنا هذا. وبالرغم أن الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق في عام 2003 أدى إلى زعزعة استقرار البلاد، حاولت كل من القاهرة وعمان إعادة العلاقات السياسية والاقتصادية مع العراق في فترة ما بعد الغزو.

وتوضح الشراكة بين الدول الثلاث رغبة كل طرف في إعادة هيكلة علاقاته الاقتصادية والسياسية مع القوتين الرئيسيتين في المنطقة: إيران والسعودية. واتفق قادة الدول الثلاث على بناء مشروع طاقة مشترك كبير يربط حقول النفط في البصرة العراقية بميناء العقبة في الأردن عبر خط أنابيب. وفي المستقبل، قد يتم توسيع خط الأنابيب هذا عبر البحر الأحمر إلى مصر.

وأعلنت الدول الثلاث عن خطط لبناء مدينة صناعية على الحدود الأردنية العراقية - وهو مشروع اكتمل بنسبة 90% تقريبًا وفقا للتصريحات الصادرة عن مسؤولين في هذه الدول.

أخيرًا، هناك خطط لربط شبكات الكهرباء في الأردن ومصر بشبكة العراق في محاولة لتقليل اعتماد الأخيرة على واردات الكهرباء من إيران. واكتسب هذا الملف زخمًا سريعًا، حيث وقّع المسؤولون العراقيون والأردنيون اتفاقية في سبتمبر/أيلول 2020. وبعد الانتهاء بنجاح من البنية التحتية المخطط لها لمشروع الكهرباء، من المتوقع أن يستقبل العراق الكهرباء من المصادر الأردنية بحلول أوائل عام 2023.

ولا تخلو جهود التكامل الثلاثي بعيدة المدى من التحديات. ويهدف العراق إلى تنويع شبكته الإقليمية بعيدًا عن النفوذ الإيراني، لكنه يخشى أيضًا من رد فعل طهران. ولتجنب عدم الاستقرار الإقليمي، قد لا تستغل مصر والأردن - وحتى الولايات المتحدة - العلاقة الثلاثية بالكامل لعزل إيران.

من ناحية أخرى، تهدف مصر والأردن إلى تقليل اعتمادهما على السعودية من خلال التعاون المستقبلي مع العراق. وعندما استضاف العاهل الأردني الملك "عبد الله" رئيس الوزراء العراقي "مصطفى الكاظمي" والرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي" وولي عهد أبوظبي آنذاك "محمد بن زايد" في مدينة العقبة المطلة على البحر الأحمر، كان من اللافت غياب القيادة السعودية عن الصورة.

ومنذ بدء المحادثات بين الدول الثلاث، مثّل العراق 3 رؤساء وزراء مختلفين: "حيدر العبادي" و"عادل عبدالمهدي" و"مصطفى الكاظمي". ويعكس هذا الواقع أزمة دائمة ومستعصية في النظام السياسي العراقي. ولا تزال عملية صنع القرار في بغداد غير مستقرة حيث تواجه النخبة السياسية الحاكمة احتجاجات بشكل متكرر.

ومثل العراق، قد يكون دافع الأردن للانخراط في الشراكة الثلاثية هو الأزمة الاقتصادية التي فاقمها الوباء ومحدودية موارد البلاد. وفي الوقت نفسه، فإن مصر - القوة الإقليمية السابقة التي أدت مشاكلها الاقتصادية الدائمة وعدم الاستقرار السياسي إلى تهميشها في السنوات الأخيرة – هي الأخرى مدفوعة بأزمتها الاقتصادية الخاصة وتصميمها على استعادة بعض نفوذها المفقود في المنطقة.

وقد تتجاوز تطلعات الدول الثلاث قدراتها المالية الحالية. وفي نهاية عام 2020، قررت بغداد والقاهرة مقايضة النفط العراقي بدعم مصري في قطاع البناء نتيجة الخبرة المصرية في هذا المجال. وعلى المدى الطويل، قد ينظر المحور الثلاثي في الحصول على التمويل من طرف رابع - وربما يفسر ذلك التواصل الجماعي مع الإمارات في الاجتماعات الأخيرة.

ويشهد الشرق الأوسط حاليًا مرحلة من التدفق الجيوسياسي غير المسبوق. ولم يعد التنافس السعودي الإيراني يقود مختلف الأطراف في المنطقة بالطريقة التي كان عليها قبل الربيع العربي. في الواقع، ثبت أن الانحياز إلى جانب في المنافسة السعودية الإيرانية مكلف اقتصاديًا وسياسيًا، دون أي فائدة كبيرة.

وتسعى بغداد إلى توسيع اندماجها الدبلوماسي داخل العالم العربي. وبالمثل، تحرص كل من مصر والأردن على اكتشاف الفرص المحتملة للتعاون مع الشركاء العرب خارج دول مجلس التعاون الخليجي.

ولا تستهدف الشراكة الثلاثية بين مصر والأردن والعراق المنافسة مع الدول العربية الأخرى، لكنها تعكس حرص الدول الثلاث على اكتشاف قدرتها على بناء تحالفات جديدة خارج الأطر الجيوسياسية التقليدية في الشرق الأوسط.

المصدر | زيدون الكيلاني | منتدى الخليج الدولي – ترجمة وتحرير الخليج الجديد