الجمعة 24 يونيو 2022 08:52 م

لأكثر من أسبوع، اعتصم 16 عضوا في مجلس الأمة الكويتي في مكاتبهم البرلمانية. وكانت مطالبهم بسيطة ومحددة: احترام الدستور وتعيين حكومة جديدة أو حل البرلمان مع الدعوة إلى انتخابات جديدة.

ومنذ أشهر، تعيش الكويت في أزمة سياسية ذات أبعاد دستورية، وتجلت هذه الأزمة في المواجهات البرلمانية مع مجلس الوزراء. وفي أبريل/نيسان، استجوب أعضاء البرلمان رئيس الوزراء "صباح الخالد الصباح" وتمكنوا من حشد الدعم الكافي للتصويت على سحب الثقة؛ مما أجبر رئيس الوزراء -أحد أفراد الأسرة الحاكمة- على تقديم استقالته.

وبالنظر إلى هذه المعضلة، كان أمام الأمير "نواف الأحمد الصباح" خياران: قبول الاستقالة وتعيين حكومة جديدة أو رفضها والدعوة إلى انتخابات نيابية جديدة. وبعد شهر، قبل ولي العهد الأمير "مشعل الأحمد الجابر الصباح" الاستقالة نيابة عن الأمير المريض. ومع ذلك، فقد طلب من نفس الحكومة، بما في ذلك رئيس الوزراء، البقاء وتصريف الأعمال.

وكان ينظر إلى استمرار الحكومة (تحت أي مبرر) باعتباره تحديا لإرادة البرلمان، مما أثار أزمة حادة داخل البرلمان وفاقم العلاقة العدائية بالفعل بين السلطة التنفيذية التي تقودها الأسرة الحاكمة والهيئة المنتخبة.

وكان اعتصام أعضاء البرلمان تكتيكًا لفرض حل لهذه الأزمة، وقد نجحوا في ذلك. وفي 22 يونيو/حزيران، ألقى "مشعل" كلمة نيابة عن الأمير دعا فيها إلى حل مجلس الأمة وإجراء انتخابات نيابية جديدة "وفق إرادة الشعب وحكم الدستور".

السياق الإقليمي والسياسة المحلية

اكتسبت الكويت سمعة باعتبارها إمارة محافظة وهادئة إلى حد ما في الخليج. وبينما يتسابق الجيران على مشاريع التنويع الاقتصادي وتحول الطاقة، تبدو الكويت أحيانا راضية عن التحرك في هذه الملفات ببطء مع تخزين الأموال بحكمة في الخارج.

وينظر الكويتيون إلى القادة الشباب في الدول المجاورة (قطر والإمارات السعودية) وما حققوه من طفرات سريعة، ويثير ذلك انقساما في المجتمع الكويتي؛ حيث يري البعض أن بلادهم يجب أن تحذو حذو هذه الدول المجاورة، فيما يتخوف البعض من فقدان الانفتاح السياسي واستقلال الكويت الذي تم تحقيقه بشق الأنفس.

وظهر هذا الاستقلال السياسي في الكثير من المواقف العام الماضي. وبالرغم من عقد الأمير حوارًا وطنيًا مع المعارضة البرلمانية في نوفمبر/تشرين الثاني 2021، وترحيبه بعودة بعض المعارضين المنفيين من الخارج، وتعيين بعض الوزراء الجدد الذين يعتبرون أكثر انسجاما مع البرلمان، إلا أن المعارضة استمرت في تحدي الحكومة والوزراء.

وبلغ الأمر ذروته في أبريل مع استجواب رئيس الوزراء "صباح الخالد الصباح"، الذي كان يُنظر إليه على أنه متراخي في التعامل مع الفساد خلال فترة سابقة وغير مستجيب للاستياء البرلماني. وأدى الأداء الضعيف إلى حد ما قبل الاستجواب البرلماني القوي إلى افتقاده للدعم البرلماني للبقاء في السلطة مما حسم مصيره.

قيادة الكويت المسنة

تعكس حالة الاستثناء في الكويت أزمات الأنظمة الديمقراطية في الغرب التي يعاني الكثير منها (بما في ذلك الولايات المتحدة) من الاستقطاب السياسي وتصاعد الشعبوية والحكم غير الفعال.

وبالرغم من ذلك، فإن نقاط الضعف في الكويت لا تكمن فقط في البرلمان الذي يعطيه الدستور صلاحيات واسعة، ولكن أيضًا داخل العائلة الحاكمة التي تعاني من انقسامات وانعدام الشعور بضرورة متابعة مخطط التنمية الخاصة بالكويت الجديدة.

ومع تحرك العائلات الحاكمة  في الدول المجاورة نحو جيل الشباب، التزمت عائلة "آل صباح" بصرامة بالمعايير الحاكمة التقليدية التي تفضل الأقدمية. وقد جعل هذا الكويت الأولى خليجيا من حيث عمر القيادة حيث أن الأمير وولي العهد في الثمانينيات من العمر.

وقد تنازل الأمير في نوفمبر/تشرين الثاني 2021 عن بعض سلطاته لولي العهد الذي يبسط حكمه الخاص بشكل متزايد.

وهناك مؤشرات على أن الخليفة التالي هو رئيس الوزراء السابق "ناصر المحمد الصباح" البالغ من العمر 81 عامًا؛ مما يشير إلى استمرار نفس النمط. في غضون ذلك، يمتلك قادة "آل صباح" المهارة على توجيه البرلمان بطريقة ما بالرغم زنهم يفشلون في بعض الأحيان.

وبينما نجا وزير الخارجية "أحمد ناصر المحمد الصباح" في فبراير/شباط من تصويت بحجب الثقة، فقد استقال وزيرا الدفاع والداخلية من منصبيهما في نفس الشهر بحجة أن الاستجوابات البرلمانية المطولة كانت إساءة استخدام للسلطة.

وتثير عدم رغبة القيادة -أو عدم قدرتها- على تعيين رئيس وزراء بديل أسئلة حول حجم الانقسامات الداخلية في البيت الحاكم ومشكلة نقص الكفاءات القيادية.

وفي ظل غياب القيادة الحازمة والرغبة في الإدارة اليومية للساحة السياسية في الكويت، تم تفويض الأمر لرئيس مجلس الأمة "مرزوق الغانم".

وفي كثير من الأحيان، كان "الغانم" يعرقل مبادرات البرلمانيين ذوي العقلية الإصلاحية، ويبدو أنه يتبنى وجهات نظر عائلة "الصباح" الحاكمة، فقد استخدم أسلوبا يبدو "أكثر التزاما بالقواعد" لجعل البرلمان فارغا من مضمونه؛ مما أدى إلى تفاقم رد الفعل الشعبي.

وقد يكون انحراف الغضب تجاه رئيس البرلمان مفيدا لعائلة "آل صباح"، ولكن إذا كان الأمر كذلك، فهي استراتيجية لها حدود بحد ذاتها، كما أشارت المواجهة الأخيرة.

وبالرغم أن المعارضة الكويتية تعاني من انقسامات عميقة، فقد تمكنت من الصمود في الأزمة الحالية، ونجحت في تكوين تحالف سياسي واسع واكتساب الدعم الشعبي.

أولا، وضع أعضاء البرلمان الستة عشر الذين أطلقوا الاعتصام هدفا ملموسا وقابلا للتحقيق: تعيين رئيس وزراء جديد أو الدعوة إلى انتخابات جديدة، على النحو المنصوص عليه في دستور الكويت.

وقد تجنب أعضاء المعارضة الهجمات الشخصية التي غالبا ما توجد في التجمعات ضد رئيس الوزراء ورئيس البرلمان. وبدلا من ذلك، صبغوا أنفسهم بلغة موحدة ومقيدة بالقواعد المنصوص عليها في دستور الكويت.

ثانيا، تجنبوا الاستفزاز المباشر مثل احتلال قاعة البرلمان أو الدعوة إلى التجمعات في الشارع؛ حيث أقام أعضاء البرلمان احتجاجهم في مكاتبهم البرلمانية، وبينما تجمع المؤيدون في الحديقة أمام المجلس، لم يكن هذا هو محور الاعتصام.

وفي وقت لاحق من الأسبوع وسعوا المشاركة الشعبية من خلال عقد تجمعات ليلية في ديوانيات (منازل) أعضاء البرلمان الذين تم اختيارهم بشكل يناسب التنقل في جميع الدوائر الانتخابية الخمس في الكويت.

وكانت هذه التجمعات الديوانية مفيدة في التأكيد على الطابع الوطني للمطالب. كما أنها كانت بمثابة تذكير واضح بالتجمعات الديوانية في الثمانينيات. وقد نجحت المطالب المحدودة الداعية إلى احترام الدستور والحفاظ على الحياة السياسية في جلب دعم شريحة عريضة من المجتمع الكويتي.

وتداول ناشطون على وسائل التواصل الاجتماعي بيانات دعم لهذه المطالب من قبل التيارات السياسية الليبرالية والإسلامية والنقابات العمالية والنقابات الطلابية والتجمعات القبلية وعدد من الشخصيات البارزة.

في النهاية، كان الخطاب الذي ألقاه ولي العهد موفقا. وأشار إلى الاحترام العميق لدستور الكويت وإرادة الشعب. ووعد بعدم التدخل في انتخاب النواب ولا في التصويت اللاحق على قيادات اللجان البرلمانية ورئيس البرلمان.

ويشير ذلك إلى هدف غير معلن للاحتجاج وهو منصب رئيس مجلس النواب "مرزوق الغانم". وقد لقي الخطاب استحسانًا كبيرًا في جميع أنحاء الكويت حتى من قبل المتشددين، وأنهى ممثلو الاعتصام احتجاجهم بالاحتفال.

وفي حين أن الاعتصام يمثل نموذجًا إيجابيا ونادرا للاحتجاج السياسي الناجح عبر وضع أهداف سياسية محدودة، فمن غير المرجح أن تستمر المشاعر الطيبة للوحدة الوطنية.

لا تزال هناك انقسامات سياسية أساسية في البلاد، بما في ذلك بين العديد من المواطنين الذين يلومون البرلمان على عدم تقدم الكويت. وربما تلعب المنافسات بين أفراد العائلة المالكة دورًا في إثارة الاضطرابات السياسية.

وقد جاء في خطاب ولي العهد أن الحل سيحدث في الأشهر المقبلة؛ مما يعني أنه من المرجح أن تبقى الحكومة المؤقتة والبرلمان حتى أغسطس/آب أو سبتمبر/أيلول، على أن تجري الانتخابات في غضون 60 يوما بعد ذلك. ومن المرجح أن تسمح النوايا الحسنة الناتجة عن تنازلات القيادة بإقرار ميزانية الكويت.

ورغم كلام الأمير، ما زال هناك متسع من الوقت لتغيير الدوائر الانتخابية قبل الانتخابات، وهو الموضوع الذي يتم تداوله في الكويت منذ فترة. وسيؤدي إنشاء دوائر انتخابية جديدة -ربما من  5 إلى 10- إلى خلق بيئة أكثر تحديًا للمعارضة. ومع ذلك، يمكن للكويتيين أن يتطلعوا مرة أخرى إلى الانتخابات، وعلى الأقل تعد فرصة للتجديد السياسي.

المصدر | كريستين سميث ديوان/ معهد دول الخليج في واشنطن - ترجمة وتحرير الخليج الجديد