الأربعاء 29 يونيو 2022 01:21 م

عندما تم توقيع "اتفاقات أبراهام" قبل عامين، شكك كثيرون في أنها قد تأتي بنتائج كبيرة. وحتى تقرير الاستخبارات الأمريكية الصادر عن وزارة الأمن الداخلي حذر من أن مثل هذه الاتفاقات يمكن أن تؤدي إلى زيادة الإرهاب، لكن الحال لم يكن كذلك.

وحاليا تسعى إدارة "بايدن" لنسخة ثانية من "اتفاقات إبراهام" من شأنها أن توسع عملية التطبيع لتشمل السعودية. وفي هذا السياق، نشر مجلس العلاقات الخارجية ومقره نيويورك مؤخرا تقريرا يدعو إلى اتفاق أمني جديد بين الولايات المتحدة والسعودية في مقابل دعم الرياض لخفض أسعار النفط والتطبيع مع إسرائيل.

ويوضح التقرير كيف تعمل واشنطن على تغيير المشهد الاستراتيجي للشرق الأوسط لمعالجة الواقع الجيوسياسي الناشئ عن الصراع العسكري المستمر في أوروبا بين روسيا وأوكرانيا.

ومع اتجاه الولايات المتحدة للانسحاب من الشرق الأوسط -وما يترتب عليه من نقل الأصول العسكرية الأمريكية وتراجع الضمانات الأمنية ضد "التهديد الإيراني"- اضطرت دول مثل السعودية إلى تبني موقف مستقل في قضايا السياسة الخارجية، وتحديدا في علاقات المملكة مع روسيا وإدارة إنتاج وإمدادات النفط العالمية.

ويبدو أن الولايات المتحدة تعلمت الدرس، وقامت بناءً على ذلك بتنفيذ بعض إجراءات لمعالجة الأضرار عبر تأهيل إسرائيل لتصبح القوة الإقليمية المهيمنة كبديل "لحماية" الدول العربية من التهديد الإيراني.

وفي 20 يونيو/حزيران، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي "بيني جانتس" عن "تحالف للدفاع الجوي في الشرق الأوسط" تحت إشراف الولايات المتحدة، مضيفا أن التحالف أحبط بالفعل محاولات لشن هجمات إيرانية، وقد يستمد مزيدا من القوة من زيارة الرئيس الأمريكي "جو بايدن" الشهر المقبل.

ويشير ذلك إلى أن إدارة "بايدن" كانت وما زالت تعمل بجد لاتباع خطى إدارة الرئيس السابق "دونالد ترامب" لترقية إسرائيل كبديل فعال للدور الأمريكي في الشرق الأوسط، وهو استبدال يرتبط بانشغال واشنطن بملف روسيا والصين ومنطقة "الهندي-الهادي".

لذلك، فإن الاتفاق الذي كان يراه الكثيرون رمزيا فقط بين بعض الدول العربية وإسرائيل أصبح الآن له واقع مهم في شكل تحالف عسكري حقيقي. وسيكون لذلك تداعيات كبيرة؛ لأنه سيوسع نطاق الصراع في الشرق الأوسط.

فمن ناحية، سيعقد ذلك احتمالات التطبيع بين إيران والدول العربية خاصة السعودية، ومن ناحية أخرى، فإنه سيدفع نحو المزيد من العسكرة في المنطقة.

ومع تعثر المفاوضات النووية، فمن المرجح أن تستخدم إسرائيل وشركاؤها الإقليميون هذا السياق لترسيخ تحالفهم أكثر؛ مما يدفع إيران لاتخاذ تدابير مضادة على شكل تعزيز التحالف مع روسيا والصين.

وحتى إذا تم إنقاذ الاتفاق النووي، فمن غير المرجح أن يتغير المسار الجيوسياسي الذي يشمل إسرائيل كلاعب رائد في الشرق الأوسط، والسبب الأكثر أهمية هو التحول الجيو-اقتصادي الكامن الذي كشفت عنه "اتفاقات إبراهام" عبر ربط إسرائيل والدول العربية بطرق أكثر استدامة.

وعلى سبيل المثال، وقعت إسرائيل والإمارات قبل 3 أسابيع فقط اتفاقية للتجارة الحرة هي الأولى من نوعها مع بلد عربي، في خطوة تهدف إلى تعزيز التبادل التجاري بين البلدين. وحتى عندما لم تكن هذه الاتفاقية موجودة العام الماضي، فقد بلغ إجمالي التجارة الثنائية بين الدولتين 900 مليون دولار.

أما مع هذه الاتفاقية، فمن المتوقع أن تتضاعف التجارة الثنائية في الأشهر والسنوات القادمة، وأن تصل إلى 5 مليارات دولار في السنوات الخمس المقبلة. وستعمل نحو ألف شركة إسرائيلية في دبي؛ مما يضيف إلى قوة المدينة كمركز للتجارة والاستثمار الإقليميين.

ومع ذلك، فإن هذا يعني تكاملا أكبر مع العالم العربي، ودورا أعمق في تشكيل السياسات الإقليمية حول القضايا الرئيسية، وخاصة دور إيران في المنطقة. ولن تواجه إسرائيل أي انتقادات من هذه الدول بشأن ضمها للأراضي الفلسطينية، كما إن قضية فلسطين بشكل عام ستفقد أهميتها كقضية مركزية.

وإلى جانب اتفاقية التجارة الحرة، تعزز إسرائيل علاقاتها الجيو-اقتصادية عبر صفقات الغاز أيضا. وقد حدث ذلك مؤخرا بين إسرائيل ومصر، التي تعد ربما القوة العسكرية الأكبر في العالم العربي. 

ووسط أزمة الغاز التي ضربت أوروبا نتيجة للصراع العسكري المستمر بين روسيا وأوكرانيا والعقوبات الأوروبية على روسيا، وقعت إسرائيل صفقة بمليارات الدولارات لتزويد أوروبا بالغاز عبر مصر.

وبالرغم أن إمدادات الغاز الإسرائيلية إلى أوروبا ستكون مجرد قطرة من الاحتياجات والإمدادات الأوروبية القادمة من روسيا، إلا إن الصفقة تشير إلى أن إسرائيل ومصر دخلتا في عصر من التعاون العميق الذي من المحتمل أن يكون له آثار على مستوى المنطقة.

وكما ذكر الخبراء الإسرائيليون، فإن الفائدة الفعلية لمثل هذه الصفقات لإسرائيل هي "تطبيع أكثر مع إسرائيل في المنطقة".

وحاليا، تظهر إسرائيل بسرعة كدولة أكثر ارتباطا في الشرق الأوسط؛ حيث تعقد الشركات الإسرائيلية صفقات مربحة في عدة دول بما فيها السعودية حتى بدون تطبيع رسمي مع الرياض.

ويرجح أن تساعد زيارة "بايدن" في يوليو/تموز في تسريع وتسهيل هذا الاتجاه بشكل أكبر.

المصدر | سلمان رافي شيخ/ نيو إيسترن أوتلوك - ترجمة وتحرير الخليج الجديد