الجمعة 1 يوليو 2022 02:34 م

مفهوم الدولة

إثر موجة «الربيع العربي» انطلق نقاش حاداً وصاخباً حول الدولة وأنواعها: مدنية أم دينية؟ وبضمنها ماذا تعني العلمنة أو العلمانية؟!

كيف يمكن أن نفهم الدولة وإداراتها وعلاقتها بمواطنيها؟ سؤال ظلّ المفكّرون على مدى قرون يتجادلون بشأنه، فكيف يمكن فهم ماهية الدولة الحديثة؟

أين تكمن شرعية الدولة بالأيديولوجيا أم برضا الناس وبالمنجز الذي تقدمه؟ كيف تكتسب الدولة مشروعيتها؟ أليس من حكم القانون الموازي للشرعية؟

هل الدولة شر لا بد منه، أم ضرورة لتأمين مستلزمات حماية أرواح وأملاك الناس وضبط النظام والأمن العام؟ هكذا أخذ ينشأ علم سياسة جديد كعلم مستقل وأصيل.

الدولة كيان سيادي يمتلك سلطة احتكار الاستخدام الشرعي للعنف، فيتشكّل نظام عقلاني قانوني نسميه «الدولة»، وهي أخطر منجز بشري لا يمكن بحال العيش بدونها!

* * *

من المجال الحركي إلى المجال المعرفي تجلّت اهتمامات جيلي ممن أدركتهم السياسة ودراساتها والقانون الدستوري بشكل عام التعمّق في التيارات الفكرية الكبرى ذات السرديات الشمولية والشعارات الضخمة، لكن الأمر لم يستمر كذلك.

فثمة مراجعات واستعادات نقدية، أخذت طريقها إلى الحوار والنقاش بفعل هزائم وانكسارات دفعت قسماً منا إلى إعادة القراءة والتقييم بشأن فكرة الدولة، سواء برؤيتها الغربية الليبرالية أو بنقيضها الماركسي التقليدي بشأن «البناء الفوقي» و«البناء التحتي».

أثبّتُ هنا بجدارة وعرفان بالفضل للدكتور منذر الشاوي أستاذ القانون الدستوري بجامعة بغداد حين أعاد تركيب المعادلة عن علاقة الدولة بالدستور في مبحثين مترابطين لا انفصال بينهما؛ بل حاول مقاربة الفكرة عربياً وبشكل خاص عراقيا، متابعا تطوّر الدولة العراقية ودساتيرها وحقوق المواطنة والحريات وفصل السلطات وطبيعة نظام الحكم.

وحين واصلت دراساتي العليا في معهد الدولة والقانون (أكاديمية العلوم التشيكوسلوفاكية – براغ)، اكتشفت فرعاً جديداً عنوانه «الدولة والقانون» ودرست فيه النظريات المختلفة والمتعارضة، كما درست في فرعين آخرين «فلسفة الدولة والقانون»، و«تاريخ الدولة والقانون» على نحو منهجي، الأمر الذي رفع منسوب أسئلتي حول مستقبل دولنا وأي دولة نريد؟

الهدف من هذا الاستهلال هو النقاش الذي انطلق حاداً وصاخباً حول الدولة وأنواعها: مدنية أم دينية؟ وبضمنها ماذا تعني العلمنة أو العلمانية؟ خصوصاً بعد موجة «الربيع العربي».

علماً بأن مفهوم الدولة-الأمة لا يزال غائباً عن مجتمعاتنا، في حين تطوّر الفكر السياسي الغربي وأخذ يطرح أسئلة أكثر تخصصاً، أي بتفريع الأسئلة وتجزئتها إلى أقسام وحقول ومناهج، وهو ما يُحتاج إلى استيعابه أولاً ومن ثم الاستفادة من معناه ثانياً بما يتناسب مع ظروف بلداننا وخصوصياتها.

وثمة سؤال كبير مفاده: كيف يمكن أن نفهم الدولة وإداراتها وعلاقتها بمواطنيها؟ وهو السؤال الذي ظلّ المفكّرون على مدى قرون يتجادلون بشأنه، فكيف يمكن فهم ماهية الدولة الحديثة؟

ارتباطاً بدرجة الوعي السياسي والتطوّر النظري لمفهوم الدولة والخلفية الأيديولوجية التي حكمتها، وهو موضوع مثير للاختلاف والجدل، بتداخل ما هو اجتماعي بما هو تاريخي وما هو اقتصادي بما هو سياسي وثقافي، وعلاقة ذلك بالعنف، لاسيّما بعد حربين عالميتين، وحروب عاشتها المنطقة عطّلت تنميتها وتقدمها وقوّضت إمكانات الإصلاح التدرّجي والتراكم الطويل الأمد، سواء كان لمواجهة العدوان الخارجي والتحديات الدولية، أم حروب عبثيّة تحت عناوين طائفية أو إثنية إرضاء لنزوات الحكّام وتحقيقاً لمآرب سياسية أنانية ضيّقة.

وإذ نشأت الدولة في أوروبا في فترة الحكم الملكي المطلق وتمركزت السلطة القانونية والإدارية بيد الملوك، فإن الدولة في أمريكا تشكّلت وفقاً لصيغة لا مركزية فيدرالية بلحاظ ديمقراطي ولم تكن الأيديولوجية ظاهرة مهيمنة فيها دون نسيان التوجهات الليبرالية المتطلّعة إلى الحرية والحقوق الفردية وحرية الأسواق.

فهل الدولة هي شر لا بد منه، أم ضرورة لتأمين مستلزمات حماية أرواح وممتلكات الناس وضبط النظام والأمن العام؟

هكذا أخذ ينشأ علم سياسة جديد كعلم مستقل وأصيل بعد أن ظلّت مبادئه متوزّعة على علوم أخرى اقتصادية واجتماعية وقانونية وأخلاقية وثقافية، خصوصاً بالتركيز على الأفراد وجماعات المصالح بدلاً من الإطار القانوني والمؤسسي أي «الدولة».

وكان يعتقد بعض علماء السياسة بين الحربين مثل ماكيفر و وودرو ويلسون أن الدراسة العلمية للسياسة ينبغي أن تركّز على المؤسسات الدستورية والقانونية لا على الدولة، أي أن الأفراد والمؤسسات والأحزاب هم الموضوع الأساسي لعلم السياسة، وذلك في نقد لمفهوم الدولة لدى مفكري القرن التاسع عشر، خصوصاً هيغل وماركس، فقد كان هيغل يعتبر الدولة ممثلة لمبادئ متعالية معينة أو مجسّدة لمثل روحية وتمتلك «شخصية عليا» خاصة بها.

ولفهم طبيعة الدولة لا بد من العودة إلى التاريخ والأنماط المبكّرة لنشوء الدول، ففي حين ركّز الفكر الليبرالي على الدور الفردي والجماعي، فإن ماركس ركّز على الطبقات وهي التي تشكّل الأساس الاجتماعي لأي تشكّل من تشكّلات الدولة، وهو ما يطرح سؤالاً محورياً:

أين تكمن شرعية الدولة بالأيديولوجيا أم برضا الناس وبالمنجز الذي تقدمه؟ ثم كيف تكتسب الدولة مشروعيتها؟ أليس من حكم القانون الموازي للشرعية؟

علماً أن الدولة كيان سيادي أي تمتلك سلطة احتكار الاستخدام الشرعي للعنف حسب ماكس فيبر، وهكذا يتشكّل نظام عقلاني قانوني نطلق عليه «الدولة»، وهي أعظم منجز بشري لا يمكن بأي حال من الأحوال العيش دونها.

* د. عبد الحسين شعبان كاتب وأكاديمي عراقي، نائب رئيس جامعة اللاّعنف وحقوق الإنسان (أونور) في بيروت.

المصدر | الخليج